أنباء وآراء

نظرة على الماضي: خمسون عامًا من التمثيل الضوئي رباعي الكربون

بعد مرور نصف قرن على اكتشاف مسار التمثيل الضوئي في النباتات، الذي عُرف باسم "رباعي الكربون"، يعمل الباحثون على هندسة هذا المسار الفعّال في المحاصيل الأساسية، مثل الأرز؛ للحفاظ على الأمن الغذائي.

  • جوليان إم. هيبرد
  • روبرت تي. فوربانك
  • Published online:

قبل خمسين عامًا، نشر هاتش وسلاك1 تحليلًا للتمثيل الضوئي؛ أدَّى إلى ميلاد مجال علمي جديد. لم يسفر عملهما عن تنشيط البحث الكيميائي الحيوي المكثف لتحديد آليات مسار جديد للتمثيل الضوئي فحسب، وإنما أثرى العديد من المناهج البحثية الأخرى أيضًا؛ فوجد علماء البيئة أن هذا المسار يمكن أن يفسر توزيع الأنواع، كما اكتسب الجيولوجيون فهْمًا أعمق وأفكارًا ثاقبة حول تغيرات تركيب النظائر في الطبقات الرسوبية والحفريات. وبدأ علماء الأحياء التطورية في دراسة هذا المسار شديد التعقيد، الذي يوجد في كثير من السلالات النباتية، والذي يُعَدّ الآن واحدًا من أبرز الأمثلة على التطور المتقارب؛ وهي العملية التي تطورت فيها الخصائص نفسها بصورة مستقلة في أنواع مختلفة من الكائنات، لا تربط بينها أي روابط.

قبل عمل هاتش وسلاك بخمسة عشر عامًا، كان كالفن وزملاؤه قد حددوا المسار الأول للتمثيل الضوئي، الذي يتم عن طريقه إدماج (تثبيت) ثاني أكسيد الكربون الجوي غير العضوي في جزيئات عضوية تحتوي على الكربون2. تُنتِج الخطوة الأولى في ذلك المسار جزيئًا يحتوي على ثلاث ذرات كربون، وكان يُعتقد ـ على نطاق واسع ـ أن كل نباتات الأرض تستخدم هذا التمثيل الضوئي "ثلاثي الكربون"، غير أن هذا الافتراض دَحَضَتْه تجارب هاتش وسلاك، التي أجريت بعناية؛ حيث استخدما النظير المشع المعروف باسم الكربون-14؛ لتكوين ثاني أكسيد الكربون المحتوِي على هذا النظير، ثم تتبعوا كيفية دمج الكربون-14 في جزيئات في نبات قصب السكر. والمثير للاهتمام أنهما وَجَدَا أن الخطوة الأولى في تثبيت الكربون كانت في الواقع في جزيء يحتوي على أربع ذرات كربون1، وأصبح هذا المسار البديل يُعرَف باسم "التمثيل الضوئي رباعي الكربون". تمثلت أهمية اكتشاف هاتش وسلاك في ذلك الوقت في إدراك أن هناك مسارين كيميائيين للتمثيل الضوئي يعملان في النباتات.

فَسَّرَت الدراسة التي أجراها هاتش وسلاك بعض التقارير المحيِّرة، فالمختبرات التي توجد في مناطق بعيدة عن بعضها ـ على سبيل المثال.. المختبرات في هاواي، وروسيا ـ لاحظت أنماط إدماج كربون غير متوقعة عندما تم إمداد أوراق نباتي قصب السكر والذرة بثاني أكسيد الكربون المحتوي على النظير الكربون-14 4،3، غير أن كالفن وآخرين شككوا في صحة تلك التقارير، ولم يتم قبول تلك الاكتشافات في الوسط العلمي. وكان الاعتراض الأساسي على أن ثاني أكسيد الكربون الذي يحتوي علي النظير الكربون-14 كان غالبًا ما يتم تقديمه للأوراق في الظلام، أي عندما تكون عملية التمثيل الضوئي غير نشطة، وهو ما يَحمِل مخاطر تَكوين جزيئات لِأيْضٍ لا علاقة له بالتمثيل الضوئي.

كان التطور الأساسي في عمل هاتش وسلاك هو تقديم ثاني أكسيد الكربون الذي يحتوي علي النظير الكربون-14 لأوراق النباتات في الضوء، ثم يعقب ذلك تقديم ثاني أكسيد الكربون غير المحتوِي على الكربون-14. ويمكن بمِثْل هذه التجارب التي تتضمن تعاقُب تقديم نوعي ثاني أكسيد الكربون للنبات، تَتَبُّع موجة الكربون-14 أثناء انتقالها عبر الجزيئات في المسار. وقد أوضح ذلك النهج أن الكربون تم دمجه أولًا في جزيء "مالات"، (الشكل 1)، وهو جزيء يحتوي على أربع ذرات كربون، ثم نُقل بعد ذلك إلى الجزيء ثلاثي الكربون 3-فوسفوجليسيريت (وهو يَنتُج أيضًا بفعل نشاط إنزيم "روبسكو" RuBisCO في المسار ثلاثي الكربون). ولا يزال هذا الاستعراض لسريان الكربون أكثر دليل قاطع على وجود مسار التمثيل الضوئي رباعي الكربون.

 التمثيل الضوئي رباعي الكربون. قبل أكثر من 100 سنة، لُوحظ وجود بِنَى دائرية في أوراق النبات، تُسمى "تشريح كرانتس" (موضحة باللون الأخضر في صورة القطاع العرضي للورقة16، جهة اليسار)، لكن دورها كان مجهولًا. وفي عام 1966، استخدم هاتش وسلاك الكربون-14؛ لتتبُّع مصير الكربون (موضح باللون الأحمر) الموجود بثاني أكسيد الكربون عندما يتم إدماجه في جزيئات كربونية عضوية داخل الخلايا أثناء عملية التمثيل الضوئي في أوراق النباتات التي تم تعريضها للضوء1. وجد هاتش وسلاك أن الكربون-14 تم دمجه في جزيء مالات يحتوي على أربع ذرات كربون. أشار هذا الجزيء رباعي الكربون إلى مسار جديد لعملية التمثيل الضوئي، عُرف باسم التمثيل الضوئي رباعي الكربون. ورغم أن التمثيل الضوئي رباعي الكربون قد تطوَّر بصورة مستقلة عدة مرات على مدار التاريخ التطوري للنباتات، بما في ذلك نبات الذُّرَة، فإن الكثير من المحاصيل المهمة ـ مثل البطاطس، والقمح، والأرز ـ تستخدم مسارًا للتمثيل الضوئي أقل كفاءة، يُعرف باسم ثلاثي الكربون. يتمثل أحد الأهداف المستقبلية في محاولة هندسة مسار التمثيل الضوئي رباعي الكربون الكفء هذا في نباتات أخرى، مثل الأرز (أو ربما غيره من النباتات ثلاثية الكربون الأخرى).

كبر الصورة


وحتى قبل اكتشاف هاتش وسلاك، كانت هناك دلائل على أن فسيولوجيا بعض النباتات مختلفةٌ5، فالأعشاب الاستوائية تنمو أسرع كثيرًا، ولديها معدلات تمثيل ضوئي أعلى، وتَستخدم الماء بكفاءة أكبر من النباتات الأخرى. وإضافة إلى ذلك.. تم رصد بِنَى دائرية غريبة في أوراق بعض النباتات قبل أكثر من 100 سنة5. وهذه البِنَى - المعروفة باسم "تشريح كرانتس"، أو Kranz anatomy (وكلمة Kranz هي مفردة ألمانية تعني إكليل) – هي بمثابة دوائر متحدة المركز من خلايا الميزوفيل (نسيج الورقة الأوسط) تحيط بخلايا غلاف الحزمة حول الأوعية. ولم يصبح دور تشريح كرانتس واضحًا، إلا في سياق التمثيل الضوئي رباعي الكربون.

وبحلول ثمانينات القرن العشرين، كانت أساسيات الكيمياء الحيوية المتخصصة معروفة، وكذلك التشريح المعدل للورقة التي يتم فيها التمثيل الضوئي رباعي الكربون. وتم تحديد كل الإنزيمات الرئيسة المطلوبة لدورة التمثيل الضوئي رباعي الكربون، كما تم الربط بين حاجة مسار التمثيل الضوئي رباعي الكربون إلى أن يتوزع على نوعين مختلفين من الخلايا، وبين تشريح كرانتس. وأصبحت ورقة النبات رباعي الكربون نموذجًا لفهْم خلايا محددة من خلايا النبات6، وافتَرَضَ الباحثون أن يكون تشريح كرانتس قد تطور نتيجة انبعاث جزيء قابل للانتشار من أوعية النبات7.

في العقود التي تَلَت ما أحرزه هاتش وسلاك من تقدُّم، ألْهَمَ التمثيل الضوئي رباعي الكربون دراساتٍ أخرى في مجالات متنوعة، ففي الزراعة، فَسَّرَ المعدلات المرتفعة للتمثيل الضوئي، وانخفاض معدل فَقْد الماء في بعض المحاصيل. وكان العامل الرئيس في ذلك هو إنزيم يُعرف باسم فوسفوفينول بيروفيت الكربوكسيلاز (يُعرف اختصارًا باسم PEPC)، وهو إنزيم يعمل في بداية مسار عملية التمثيل الضوئي رباعي الكربون، ويتسم بأن ميله للارتباط بالكربون أعلى من إنزيم "روبسكو"، الذي ينشط مثله أيضًا في خطوة مبكرة في عملية التمثيل الضوئي ثلاثي الكربون. ويعني ذلك أن الثغور المسامية التي تسمح لثاني أكسيد الكربون الجوي بالدخول إلى الورقة لا تحتاج إلى أن تُفْتَحَ على القدر نفسه من الاتساع في النباتات رباعية الكربون8، ومن ثم يقل فقْد الماء من خلال هذه الثغور.

ويقوم إنزيم الفوسفوفينول بيروفيت الكربوكسيلاز بدمج نظير الكربون-13 بمعدل أسرع مما يفعل إنزيم "روبسكو"9، وتتيح الاختلافات الناتجة في آثار نظير الكربون بالورقة تصنيف النوع على أنه ثلاثي الكربون، أو رباعي الكربون في النسيج الحي للنبات، أو في الحفريات. وسرعان ما أثار هذا النهج اهتمام علماء البيئة، وعلماء الأحياء التطورية.

أَدْرَك علماء البيئة أنه كانت هناك مقاييس واضحة في التوزيع الجغرافي للنباتات ثلاثية الكربون، والنباتات رباعية الكربون، بحيث تسود النباتات رباعية الكربون في الأماكن المفتوحة بالمناطق الاستوائية وشبه الاستوائية، ثم تصبح أقل شيوعًا تدريجيًّا كلما ابتعدنا عن خط الاستواء10. وقد تم الربط بين هذا التوزيع، وبين الضغوط الانتخابية التي تقود عملية تطور النباتات رباعية الكربون، بحيث ترتبط النباتات رباعية الكربون عمومًا بالظروف الجافة. وقد وَفَّرت دراسات الحفريات بعض الأفكار الثاقبة حول البيئات القديمة، وأدَّى محتوى الأوراق رباعية الكربون من الكربون-13 إلى اكتشاف11 أن الأعشاب رباعية الكربون توسعت بسرعة، وأصبحت لها السيادة في البراري ومناطق السافانا قبل حوالي 10 ملايين إلى 6 ملايين سنة؛ فالحيوانات التي ترعى على أعشاب السافانا تنتِج حفريات تحتوي على آثار نظير الكربون من النوع الرباعي، بينما الحيوانات التي ترعى على الأشجار ثلاثية الكربون تنتِج حفريات تحمل آثار نظير الكربون من النوع الثلاثي.

إنّ اكتشاف أن النباتات رباعية الكربون ظهرت عبر أنواع لا تربطها علاقة قريبة تطوريًّا يشير ضمنًا إلى عملية تطوُّر متكررة لهذا المسار المعقد للتمثيل الضوئي من النظام السالف ثلاثي الكربون. ورغم التعقيد الشديد للنظام رباعي الكربون، فقد تطوَّر بصورة مستقلة عدة مرات، وقد ازداد عدد مجموعات النباتات رباعية الكربون، التي لا تربطها صلة قرابة بانتظام، ليبلغ حوالي 61 سلالة12. ربما تكون عوامل عديدة قد ساعدت على التطور المتكرر للتمثيل الضوئي رباعي الكربون؛ فالبروتينات في المسار رباعي الكربون ـ على سبيل المثال ـ يبدو أنها موجودة في حالة الأسلاف ثلاثية الكربون13. وهذا يعني ـ من حيث المبدأ ـ أن التمثيل الضوئي رباعي الكربون يقوم على استخدام مركبات كانت موجودة بالفعل في النباتات ثلاثية الكربون. وبالفعل، فإن جزءًا من المسار رباعي الكربون يعمل في بعض أنسجة النباتات ثلاثية الكربون14.

ويستمر التطور المتكرر للنظام رباعي الكربون في إثارة الاهتمام. فعلى الرغم من أن الأنواع رباعية الكربون منتشرة على نطاق واسع بين النباتات المزهرة، فثمة القليل فقط من الأشجار رباعية الكربون، وهي ظاهرة لم يتم تفسيرها على نحو كامل بعد. وعلى مدار نحو 40 سنة، كان يُعتقد أن المسار رباعي الكربون يَعتمِد على تجزئة المسار وتوزيعه بين "الميزوفيل"، وأنواع خلايا غلاف الحزمة في "تشريح كرانتس"، ولكن بعد ذلك تم اكتشاف العديد من النباتات وحيدة الخلية رباعية الكربون، وهو ما كسر القاعدة15.

حضر هاتش وسلاك هذا العام مؤتمرًا لإحياء الذكرى الخمسين لاكتشافهما، عُقد في كانبيرا بأستراليا. وقد حضرا كل جلسة، وكان الحماس والاستمتاع بادِيَين عليهما، وفي بعض الأحيان كانا مندهشَين من مدى تنوع الأبحاث التي تُجرى الآن، كنتيجة لعملهما. إن التمثيل الضوئي في النباتات رباعية الكربون أكفأ بمقدار 50% تقريبًا منه في الأنواع ثلاثية الكربون8، وهو ما أدَّى إلى فوائد ملموسة في المحاصيل. فالأرز ـ وهو المحصول الأساسي لأكثر من نصف سكان الأرض ـ يَستخدِم المسار ثلاثي الكربون؛ ولهذا ثمة جهود دولية هائلة تُبذل الآن؛ بقصد فَهْم النظام رباعي الكربون شديد التعقيد على النحو الذي يتيح هندسته في النباتات ثلاثية الكربون؛ من أجل زيادة المحصول.

  1. Hatch, M. D. & Slack, C. R. Biochem. J. 101, 103–111 (1966).
  2. Calvin, M. et al. Symp. Soc. Exp. Biol. 5, 284–305 (1951).
  3. Kortschak, H. P., Hartt, C. E. & Burr, G. O. Plant Physiol. 40, 209–213 (1965).

  4. Karpilov, Iu. S. Tr. Kazan. Sel'schokhoz Inst. 41, 15–24 (1960).

  5. Furbank, R. T. J. Exp. Bot. 67, 4057–4066 (2016).

  6. Hibberd, J. M. & Covshoff, S. Annu. Rev. Plant Biol. 61, 181–207 (2010).

  7. Langdale, J. A. & Nelson, T. Trends Genet. 7, 191–196 (1991).

  8. Long, S. P. In: C4 Plant Biology (eds Sage, R. F. & Monson, R. K.) 215–249 (Academic Press, 1999).

  9. O'Leary, M. H. Phytochemistry 20, 553–567 (1981).

  10. Teeri, J. A. & Stowe, L. G. Oecologia 23, 1–12 (1976).

  11. Cerling, T. E., Wang, Y. & Quade, J. Nature 361, 344–345 (1993).

  12. Sage R. F. J. Exp. Bot. 67, 4039–4056 (2016).

  13. Aubry, S., Brown, N. J. Hibberd, J. M. J. Exp. Bot. 62, 3049–3059 (2011).

  14. Hibberd, J. M. & Quick, W. P. Nature 415, 451–454 (2002).

  15. Voznesenskaya, E. V, Franceschi, V. R., Kiirats, O., Freitag, H. & Edwards, G. E. Nature 414, 543–546 (2001).

  16. Haberlandt, G. Physiologische Pflanzenanatomie (Engelmann, 1904).