افتتاحيات

الحيـاة بعد ترك العمـل الأكـاديمي

هناك تقرير يوضح مدى الشعور بالرضا الوظيفي لدى شباب العلماء، بعد تركهم العمل في مجال البحث الأكاديمي، وهو التوجه الذي ينبغي الاحتفاء به.

  • Published online:

أرادت إميلي أن ترى أناسًا آخرين. وكان ستيوارت يستمتع بسلسلة من العلاقات قصيرة الأمد، لكنه أدرك أنه بحاجة إلى مزيد من الالتزام. بعد سنوات من عدم الاستقرار، وحياة الكفاف، قررت فيونا أن تتبع ما يحدثها به قلبها. وجدت الغالبية القرار عاطفيًّا، ومجهِدًا، وشعرت حياله بالذنب. وساور القلقُ البعضَ مِن أن يكونوا قد أخذوا الأمور بسطحية، لكنهم أقرُّوا ـ بحُرِّيَّة تامة ـ بأنهم تركوا العمل الأكاديمي؛ بحثًا عن المال.

كانت ضغوط تَرْك العمل في مجال البحث الأكاديمي قاسية على شباب العلماء هؤلاء، وغيرهم، لكن معظمهم أدرك بعد فترة أنه اتخذ القرار الصائب، بينما وقعت قلة منهم ـ في وقت لاحق ـ فريسة للندم؛ خشية أن يكونوا قد زَجُّوا بأنفسهم في متاهة خروج متسرِّع، وغير مدروس، وأرادوا تدارُك الأمر، لكنها سُنّة الحياة.

الأهم من ذلك.. أنّ جميعهم يعتقدون أنهم تعلموا من التجربة، ويريدون أن يقدموا يد العون للآخرين ـ مِن أمثالك ـ الذين ربما يعيشون الآن هذه التجربة، أو يفكرون في الانفصال عن العمل الأكاديمي. ولا تختلف نصيحتهم عن تلك التي يردِّدها الأصدقاء، وأفراد الأسرة، وكُتّاب الاستشارات على مدار قرون: إذا لم تكن سعيدًا، فالأمر لا يناسبك.

والحقيقة أن عددًا كبيرًا من قرّاء دورية Nature لا يشعرون بالسعادة، إذ إنهم يبوحون بشكواهم ـ من خلال الاستبيانات، ومن خلال مراسلة الدورية مباشرةً ـ من الشعور بعدم الرضا عن وظائفهم الجديدة (وغير الجديدة تمامًا) في مجال البحث العلمي. تجتمع عوامل كثيرة، تتعلق بعدد الساعات، وأعباء العمل، وعدم الاستقرار الوظيفي في مرحلة ما بعد الدكتوراة، والتطلعات، والأجور المنخفضة، والضغوط، والتنافس، وقِلّة الفرص، والخوف من الفشل؛ لتزيد من صعوبة سنوات العمل الأولى بشكل كبير. وينطبق الأمر ذاته على مِهَن أخرى كثيرة؛ لكن شباب العلماء لديهم أكثر من سبب للشعور بالإحباط، عندما تخرج الأمور عن سياق الخطة الموضوعة. فقد أنهوا جميعًا تقريبًا دراسة الدكتوراة، ولطالما تردِّد على مسامعهم أن المؤهل الدراسي ـ إضافة إلى الجهد والتفاني ـ هو الخطوة الأولى على سلم الارتقاء إلى منصب أكاديمي دائم.

وقد أشارت دورية Nature ـ وغيرها من الدوريات ـ منذ فترة طويلة إلى كذب هذه الادعاءات؛ إذ توجد أعداد لا حصر لها من طلاب الدكتوراة، في مقابل أعداد محدودة للغاية من الوظائف العليا. وهنا تكمن محنة حمَلة الدكتوراة؛ فهم يقعون بين مطرقة تغيير المهنة، وسندان السعي إلى زيادة رصيدهم بما يضمن لهم المضيّ قدمًا.

ربما يكون مؤلمًا للغاية لهؤلاء أن يدركوا أن مآلهم إلى مِهَن أخرى، وأن العمل في الدوائر الأكاديمية لن يصل بهم يومًا إلى الشعور بالرضا البحثي (أو على الأقل الحصول على راتب مناسب يُعتمد عليه). لذا، فبرغم صعوبة الموقف، فإن التقرير الخاص بالدراسة الاستقصائية عن العلماء الذين حلقوا في آفاق أخرى، وبلغوا النهاية السعيدة، من شأنه أن يخفف من حدة هذه الآلام.

صَدَرَ هذا التقرير ـ الذي يحمل عنوان: "ماذا يفعل العاملون في مجال البحث العلمي في المرحلة التالية؟" ـ عن مركز الأبحاث والاستشارات المهنية في مدينة كمبريدج بالمملكة المتحدة، وذلك بمساعدة مراكز أخرى، بما فيها "نيتشر جوبز" Naturejobs. يحلل هذا التقرير الاستجابات الواردة في الدراسة الاستقصائية، الخاصة بإميلي، وستيوارت، وفيونا، ومئات الباحثين الأكاديميين من جميع أنحاء أوروبا، الذين عملوا سابقًا كباحثين متفرغين، ثم تركوا عملهم إلى مهن أخرى. دعك من الكليشيهات الكثيرة؛ فهؤلاء لم يكونوا "فاشلين"، أو أناسًا ’غير قادرين على مواكبة إيقاع العمل المتسارع‘. فقد نشر أكثر من ثلاثة أرباعهم بحوثًا كمؤلفين رئيسين، كما نشر خُمْسهم بحوثًا في دوريات ذات مُعامِل تأثير مرتفع، مثل دورية Nature، وتَمَكَّن رُبْعهم من الفوز بمِنَح تنافسية.

لم يكونوا "فاشلين" ، أو أناسًا غير قادرين على مواكبة إيقاع العمل.

لم يكن هؤلاء أيضًا شُبّانًا ساذجين، فَرَضَ واقع مكان العمل نفسه عليهم. كان معظمهم في الثلاثينات من أعمارهم، عندما بَلَغَتْ خبرةُ ما يقرب من ثُلُثهم عشرَ سنوات. وربما الأهم من ذلك، هو أن ثمانية من كل عشرة منهم كانوا يطمحون إلى الالتحاق بعمل أكاديمي، لكنهم غَيَّروا آراءهم لثلاثة أسباب أساسية، هي: التطلع إلى آفاق أفضل على المدى الطويل، وتحقيق المزيد من الأمان الوظيفي، وعدم الرغبة في العمل بعقود ثابتة قصيرة الأجل.

في معظم الحالات، حَقَّق هؤلاء الشباب ما أرادوا؛ إذ شعر أكثر من أربعة من كل خمسة منهم بالرضا الوظيفي في وظائفهم الجديدة. وتَمَكَّن الكثيرون من البقاء على اتصال بالعلوم، وعملوا في وظائف ذات صلة، مثل الإدارة، والتوعية، والنشر.

لذا، على العِلم أن يتمنى لهم التوفيق. وكما أشارت دورية Nature من قبل، فإن مجموعات الباحثين، التي تخرج بصورة دورية من عالَم المؤسسات الأكاديمية إلى عالَم أرحب، وتتمتع بالنبوغ، والتدريب العالي، والثقافة العلمية، قادرة على إفادة المجتمع والعِلْم على السواء. لقد حان الوقت لاعتبار هذه التوجهات غير الرائجة عادية، وللقبول بالمسارات المهنية المختلفة التي يختارها شباب الباحثين، ودَعمها من قِبَل الجامعات، وكبار العلماء، وجهات تمويل البحث العلمي. وتتمثل البداية الجيدة في تقديم مشورة مهنية صادقة وواقعية. وتؤكد الدراسة الاستقصائية أن هؤلاء العلماء لم يُجبروا ـ في معظم الحالات ـ على ترك العمل البحثي، وإنما اختاروا ـ بإيجابية ـ الالتحاق بمهن أخرى، واستقبلهم العالَم الخارجي بحفاوة بالغة.