تحقيق إخباري

هل العِلْم للأثرياء فقط؟

في شتى أنحاء العالم يظل الفقر والخلفية الاجتماعية بمثابة عقبتين هائلتين في طريق الحصول على وظيفة علمية.

  • Published online:

<p>في مجال العلوم، مثله مثل غيره من العديد من المهن والوظائف الأخرى، غالبًا ما يحظى ميسورو الحال، وأولئك الذين تَلَقُّوا تعليمهم في المؤسسات المرموقة ـ مثل كلية إيتون بالمملكة المتحدة ـ بتمثيل أكبر من غيرهم.</p>

في مجال العلوم، مثله مثل غيره من العديد من المهن والوظائف الأخرى، غالبًا ما يحظى ميسورو الحال، وأولئك الذين تَلَقُّوا تعليمهم في المؤسسات المرموقة ـ مثل كلية إيتون بالمملكة المتحدة ـ بتمثيل أكبر من غيرهم.

Christopher Furlong/Getty

في العام الماضي، كانت كريستينا كواسني قاب قوسين أو أدنى من الاستسلام لليأس. تنتمي كواسني ـ التي تخصصت في الكيمياء الحيوية بجامعة ميريلاند في مقاطعة بالتيمور ـ إلى خلفية يمكن وصفها بالمتواضعة. فقد كان أبوها يدير ورشة صغيرة لإصلاح السيارات في حي ميلرزفيل الصغير في ميريلاند، وكانت كواسني أول فرد من أفراد أسرتها يلتحق بالجامعة. وعندما بلغت كواسني عامها الخامس والعشرين، كانت قد أمضت بالفعل سنوات وهي تكافح من أجل توفير الوقت اللازم لحضور محاضراتها، ولأداء الوظائف التي عملت بها؛ لتتمكن من سداد مصروفاتها الدراسية، ولكنها كانت لا تزال بعيدة تمامًا عن إتمام الحصول على درجتها العلمية. تعلِّق كواسني على تلك الفترة بقولها: "بدأت أشعر كما لو أنه قد حان الوقت للتوقف عن مواصلة تلك المعركة الخاسرة، والمضيّ قدمًا في حياتي". 

مِن المؤكد أن مشاعر الإحباط تلك التي أحست بها كواسني تبدو مألوفة لملايين الطلاب في شتى أنحاء العالم، فالباحثون يسرُّهم أن يعتقدوا أنه لا شيء يهمّ في مجال العلوم، سوى جودة العمل الذي يؤديه المرء، ولكنّ واقع الأمر يثبت أن الثروة والخلفية الاجتماعية لهما أهمية كبيرة. وهناك عدد قليل للغاية من الطلاب الذين ينتمون إلى خلفيات أقل حظًّا يستطيعون أن يشقوا طريقهم في مجال العلوم، وغالبًا ما يجد أفراد تلك القلة القليلة ـ الذين ينجحون في دخول ذلك المجال ـ أنهم غير مستعدين، نتيجة لانخفاض جودة التعليم الذي تلقوه في باكورة حياتهم الدراسية.

يقوم عدد قليل من البلدان بجمع بيانات تفصيلية عن الأوضاع الاجتماعية، والاقتصادية، ولكن الأعداد المتاحة تبيِّن بشكل متسق أن الدول تهدر مواهب الشباب الذين ينتمون إلى طبقات محرومة، والذين ربما كان بإمكانهم ـ في ظروف أخرى ـ مواجهة التحديات في مجالات متعددة، مثل الصحة، والطاقة، والتلوث، وتغير المناخ، إلى جانب عدد من القضايا المجتمعية الأخرى. ومن الواضح أن مسألة الطبقة الاجتماعية المنتشرة على نطاق عالمي أبعد ما تكون عن العالمية، من حيث النهاية التي تؤول إليها. وفي هذه المساحة تلقي دورية Nature نظرة على ثماني دول حول العالم، والجهود التي تبذلها تلك الدول لمحاربة المشكلات الكثيرة المترتبة على الطبقية في مجال العلوم.

الولايات المتحدة:كيف تعكس الفصول التقسيم الطبقي

الصين: تدني الأجور يقود هجرة العقول

المملكة المتحدة: الطرق غير المطروقة

اليابان: تعميق الانقسامات

البرازيل: السياسة التقدمية تؤتي ثمارها

الهند: الحواجز اللغوية والطوائف الاجتماعية

كينيا: سهولة الوصول يقابلها محدودية الآفاق

روسيا: سياسة إيجابية وإنتاجية ضعيفة

الولايات المتحدة: كيف تعكس الفصول التقسيم الطبقي

بقلم: جين جيه. لي

تُعَدّ كواسني من الأشخاص المحظوظين، بحُكْم المعايير العالمية، فهي تعيش في بلد غنيّ إلى أبعد حد، وحافل بالفرص التعليمية والوظائف. أمّا بالنسبة إلى الطلاب الذين يشاركون كواسني النضال؛ من أجل تدبير أمورهم المعيشية، فإن نظام التعليم العالي في الولايات المتحدة بإمكانه أن يطرح أمامهم عقبة تلو الأخرى. 

يقول أندرو كامبل، عميد كلية الدراسات العليا بجامعة براون في بروفيدنس برودآيلاند: "تبدأ المعاناة في المرحلة الثانوية"؛ فالتعليم المبكر المدعوم حكوميًّا يتم تمويله بشكل رئيس على مستوى الولايات، وعلى المستوى المحلي، حسب ما ذكره كامبل، ولأنّ مقررات العلوم هي الأعلى سعرًا للطالب، فإنّ عددًا قليلًا من المدارس في المقاطعات الفقيرة نسبيًّا لديه القدرة المالية على تقديم الكثير من تلك المقررات. لذا.. ينتهي الأمر بالطلاب القادمين من تلك المقاطعات إلى أن يكونوا أقل استعدادًا لتلقِّي العلوم في الجامعة، مقارنةً بأقرانهم الأكثر ثراء، الذين التحق كثير منهم بمدارس خاصة مجهَّزة بشكل جيد.

يضع ذلك هؤلاء الطلاب في موقف ضعيف في عملية التقدم بطلب للحصول على وظيفة تتميز بالتنافس الشديد. يبلغ عدد خريجي المدارس الثانوية المنتمين إلى فئة محدودي الدخل الذين التحقوا بالجامعة في عام 2013 حوالي 40% فقط، مقابل ما يقرب من 68% من أولئك المولودين لأُسَر من أصحاب الدخول المرتفعة.

ومن ثم، يتحتم على الطلاب الذين يتمكنون من الالتحاق بالجامعة إيجاد وسيلة لسداد تكلفة الدراسة الجامعية، التي تزداد بشكل مستمر. ففي الفترة ما بين عامي 2003، و2013، ارتفعت تكلفة المصروفات والرسوم الدراسية في مرحلة الدراسة الجامعية، وكذلك تكلفة المسكن والمأكل بنسبة تبلغ في المتوسط 34% في المؤسسات التي تحظى بدعم من الولاية، وبنسبة 25% في المؤسسات الخاصة، بعد إجراء تعديلات بسبب التضخم. ويمكن بسهولة أن تتجاوز فاتورة المصروفات التي يدفعها الطالب في إحدى الجامعات الكبرى مبلغ 60 ألف دولار سنويًّا. ويحظى كثير من الطلاب بالدعم ـ ولو بشكل جزئي على الأقل ـ من قِبَل آبائهم، ويمكنهم أيضًا الاستفادة من المِنَح الدراسية والمالية، والمساعدات المالية الفيدرالية. وفي الوقت ذاته، يعمل كثيرون ـ مثل كواسني ـ في وظائف بدوام جزئي.

ورغم ذلك.. فإن حوالي 61% من الطلاب الأمريكيين الذين يحصلون على درجة البكالوريوس يتخرجون وهم مثقَلُون بقَدْر من الديون، التي تصل في المتوسط إلى 26,900 دولار أمريكي. أما أولئك الذين يواصلون دراساتهم العليا، فإنّ مصروفات الدراسة عادةً ما يتم سدادها من خلال مزيج من المِنَح، ووظائف التدريس. وإذا وجد طلاب الدراسات العليا أنّ عليهم أنْ يقلقوا بشأن سداد القروض الطلابية، فإن ذلك يمكن أن يثنِيهم عن مواصلة تدريبهم في المجال العلمي.

هناك العديد من المبادرات الماضية قدمًا في شتى أنحاء البلاد؛ لتيسير السبل أمام طلاب العلوم الذين ينتمون إلى خلفيات اجتماعية متواضعة. ومِن بين تلك المبادرات: برنامج INCLUDES، الذي تم الإعلان عنه في وقت سابق من هذا العام بواسطة "مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية"، بميزانية قدرها 14 مليون دولار. ورغم ذلك.. فإنه فيما يخص الطلاب، مثل كواسني، تظل مسألة مواصلة الدراسة في مجال العلوم خاضعة للحظ.

في إحدى الأمسيات في العام الماضي، حسب ما ذكرت كواسني، تَصادَف أنْ كان مايكل سامرز ـ عالِم الأحياء البنيوية بالجامعة ـ يتناول عشاءه في المطعم الذي كانت تعمل فيه كواسني في استضافة الزبائن وخدمتهم. كانت هذه المقابلة ـ التي جرت بالصدفة ـ سببًا في أن تلتحق كواسني بمختبر سامرز في يناير، وكان ذلك بمثابة مفاجأة مذهلة. فيما قبل، كانت كواسني تشعر بأن بعض أساتذتها قد نسوا تمامًا كيف يبدو الحال وأنت لا تزال طالبًا مكافحًا. تقول كواسني إن مختبر سامرز كان على النقيض من ذلك تمامًا: "لا توجد أحكام مسبقة، ولا تفرقة في المعاملة بين الباحثين".

لقد ساعدت الخبرات والتجارب التي مرت بها كواسني على فهْم ما يمكن أن تتوقعه عندما تتقدم للالتحاق بكلية الدراسات العليا، وعندما تحصل على وظيفة في المجال البحثي. تقول كواسني: "سوف أسعى في ذلك الاتجاه، إمّا أن تطلب العلا، وإما أن تلزم بيتك".

الصين: تدني الأجور يقود هجرة العقول

بقلم: ديفيد سريانوسكي

ليس من قبيل المصادفة أن الصين في الوقت الراهن تنتج عددًا من رسائل الدكتوراة في العلوم أكثر من أي دولة أخرى على مستوى العالم. وتحاول الحكومة الشيوعية في بكين ـ في الوقت الراهن ـ أن تجعل التعليم متاحًا بشكل متساوٍ للجميع، وذلك من أجل محاربة الفقر المنتشر على نطاق واسع، وبخاصة في المقاطعات الداخلية.

على سبيل المثال.. تحدِّد بكين مصروفات دراسية قليلة، وتمنع زيادتها؛ بهدف مساعدة الفقراء. فمبلغ 5,000 يوان فقط (ما يعادل 750 دولارًا أمريكيًّا) سنويًّا يكفي للالتحاق بالمؤسسات الرائدة، مثل جامعة تسينجوا في بكين. أما غير القادرين على تدبير هذا المبلغ، فتتيح لهم البلاد برامج وطنية للمنح الدراسية، بما فيها القروض المعفاة من الضرائب، والقبول المجاني.

في الوقت ذاته، ومن أجل المساعدة في دمج الأقليات العرقية في الصين ـ وعددها 55، وغالبًا ما تكون أيضًا فقيرة ـ تمنح غالبية المقاطعات نقاطًا إضافية للطلاب المنتمين إلى أقليات، الذين يخوضون اختبار "جاوكاو"، وهو اختبار للقبول الجامعي يُعَدّ الخطوة الأكثر أهمية نحو الحصول على وظيفة أكاديمية. ويضمن نظام الحصص النسبية أن يتم تمثيل الطلاب القادمين من مناطق نائية ـ مثل شينجيانج، والتبت ـ في الكليات المرموقة، بل إن الصين لديها 12 جامعة مخصصة للأقليات.

ومع ذلك.. ففي حقيقة الأمر، يعجز واقع العلوم الصينية عن تطبيق قِيَم المساواة تلك.. فأبناء كبار القادة الحكوميين، وأصحاب الشركات والأعمال الخاصة، يمثلون نسبة غير متكافئة من عدد المقبولين في الجامعات الكبرى. ويُحْجِم الطلاب عن العمل في الوظائف البحثية المعروفة بكثرة الأعباء، في حين تنتظرهم وظائف أسهل ـ وعادةً أعلى دخلًا ـ في مجال الأعمال. وحسب قول هيبينج تيا، وهو صحفي يكتب عن القضايا ذات الصلة بسياسة العلوم في الصين، ينطبق هذا الأمر بصفة خاصة على الطلاب المتفوقين، القادمين من أُسَر غنية.

غالبًا ما يَعْجَز واقع العلوم الصينية عن تطبيق قِيَم المساواة تلك

يقول جيا إنه نتيجة لذلك عادةً ما يأتي العلماء من أُسَر فقيرة، ويحصلون على دعم أقل من عدد أفراد الأسرة، ويعملون في ظل أعباء مالية أشد وطأة. ومما يزيد من تفاقم الأوضاع.. انخفاض الرواتب، حسب قول تيا، فالمتوسط السائد عبر جميع المراتب العلمية يبلغ فقط 6 آلاف يوان شهريًّا، أو ما يقرب من خُمْس راتب عضو هيئة تدريس أمريكي حديث التعيين. وحسب قول تيا، تتميز الأمور بأنها صعبة تحديدًا لباحثي ما بعد الدكتوراة، أو الباحثين المستجدين "الذين يمكنهم بالكاد إطعام أُسَرهم، إذا كانوا يعملون في مدن كبيرة". ويدفع هذا الأمر كثيرًا من العلماء إلى استخدام جزء من المِنَح الخاصة بهم لتلبية نفقاتهم الشخصية، وذلك يجبرهم على تدبير احتياجاتهم المعيشية عن طريق التقدم لطلب مزيد من المِنَح، مما يتطلب منهم المشاركة في كثير من المشروعات المختلفة، ونشر العديد من الأوراق البحثية، وهو الأمر الذي بدوره يجعل من الصعب عليهم الحفاظ على جودة العمل الذي يؤدونه.

يهرب كثيرٌ من الباحثين الصينيين من ذلك الفخ، من خلال البحث عن وظائف خارج البلاد. فقد رحل آلاف من باحثي ما بعد الدكتوراة إلى الخارج في عام 2016، بتمويل من مجلس المنح الصيني، كما سوف يجد كثيرون غيرهم رعاةً في الخارج يتولون توفير التمويل اللازم، ولكنْ سوف الصين تظل أيضًا قادرة على أن تجذب بعض أبرز هؤلاء الباحثين؛ للعودة إلى أرض الوطن. فقد أطلق خاو كاي ـ الباحث بمركز المواهب العلمية والتقنية بوزارة العلوم في بكين ـ استبيانًا في إبريل الماضي؛ وجد فيه أن أحد هؤلاء العلماء العائدين كُوفئ براتب سنوي كبير بشكل مذهل، يبلغ 800 ألف يوان.

وحسب قول كاي، فإن ذلك ليس بالوضع السائد، فقد كانت تلك حالة واحدة خارجة عن المألوف، أثارها كاي وزملاؤه؛ من أجل "إقناع  الحكومة برفع راتب الأساتذة العاملين في الجامعات الحكومية". وكما يقول كاي، فإن ذلك الأمر سوف يسهم إسهامًا كبيرًا في استقطاب المواهب في مجال العلوم ورعايتها، بغض النظر عن الخلفية الاجتماعية.

المملكة المتحدة: الطرق غير المطروقة

بقلم: إليزابيث جيبني

يتميز مجال العلوم في المملكة المتحدة ـ في أغلب الأحيان ـ بأنه قائم على المساواة، وذلك لمَن اتخذوا منه وظيفة لهم بالفعل. ووَجَدَت دراسة أُجريت في العام الحالي (2016) أنه على عكس بعض المجالات، مثل القانون، والشؤون المالية، فإن الباحثين القادمين من خلفيات تتميز بمحدودية الدخل يتقاضون رواتب لا تقل عن تلك التي يتقاضاها أقرانهم من الفئات الأكثر تميزًا (D. Laurison and S. Fried­man Am. Soc. Rev. 81, 668–695; 2016). 

أمّا الدخول في مجال العلوم، فهو أمر مختلف.. فقد وجدت الدراسة ذاتها أن 15% فقط من العلماء يأتون من عائلات تنتمي إلى الطبقة العاملة، التي تضم 35% من إجمالي عدد السكان (انظر: "وظائف النخبة"). وقد وجدت دراسة أخرى أنه على مدار الأعوام الخمسة والعشرين الماضية كان 44% من العلماء الحاصلين على جائزة "نوبل" من المولودين في المملكة المتحدة يدرسون في مدارس بمصروفات، وهي تلك التي تقدِّم التعليم إلى نسبة 7% من إجمالي سكان المملكة المتحدة (P. Kirby Leading People 2016 The Sut­ton Trust, 2016). تقول كاثرين ماثيسون، المدير التنفيذي لجمعية العلوم البريطانية: "هناك حاجز طبقي يعترض الطريق نحو الوظائف، ولكنه أكثر وضوحًا في مجال العلوم".

Laurison, D. & Friedman, S. Am. Soc. Rev. 81, 668–695 (2016)

هناك عقبة أخرى ترتبط بالطموح. ففي دراسة جارية، مدتها 10 سنوات، وَجَدَت مجموعة من الباحثين بكلية كينجز كوليدج لندن أن معظم الصبية الذين تتراوح أعمارهم ما بين 10 و14 سنة يجدون مجال العلوم مثيرًا للاهتمام، ولكن أولئك الذين ينتمون إلى خلفيات من الطبقة العاملة نادرًا ما يرون في هذا المجال مهنة مستقبلية، ربما لأنهم نادرًا ما يقابلون أناسًا يعملون في وظائف ذات صلة بالعلوم (ASPIRES: Young People’s Science and Career Aspirations, Age 10–14 King’s College London, 2013).

ولعلاج ذلك الأمر.. يتعاون فريق كلية كينجز كوليدج مع مدارس لندن في برنامج تجريبي، يَعرِض للأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين 11 و15 سنة كيف يتماشى العلم مع الحياة اليومية، من خلال فحص المواد الكيماوية في الطعام، على سبيل المثال، كما يعرض لهم كيف أن المهارات العلمية وثيقة الصلة بمجموعة من الوظائف. وتبدو النتائج المبدئية مبشِّرة، ويخطط الفريق لتوسيع نطاق البرنامج في العام القادم.

وثمة عائق آخر، يتمثل في أن الطلاب البريطانيين المهتمين بالحصول على وظيفة علمية، غالبًا ما يحتاجون إلى الاستغناء عن مواد أخرى في سن السادسة عشرة. تقول ماثيسون: "ربما يرى الأشخاص المنتمون إلى فئات محدودة الدخل، الذين لا يكونون على دراية بمجموعة الوظائف المحتملة في مجال العلوم، أن الأمر ينطوي على مجازفة عالية المخاطر".

هناك حاجز طبقي يعترض الطريق نحو الوظائف، ولكنه أكثر وضوحًا في مجال العلوم

هناك مسألة ثالثة، تتمثل في الأثر المترتب على الزيادة المفاجئة التي طرأت على مصروفات الدراسة الجامعية بمعدل ثلاثة أضعاف، لتصل إلى 9 آلاف جنيه إسترليني (ما يعادل 12 ألف دولار أمريكي) في عام 2012. تقول ماثيسون: "أتوقع أن مصروفات الدراسة يمكن أن تمثل عائقًا ضخمًا أمام أولئك الذين نشأوا في أُسَر كان لزامًا عليها أن تشعر بالقلق حيال المستوى الأساسي للدخل".

تضيف ماثيسون قائلة إنّ الخطر يتمثل في أن عدم القدرة على تمثيل جميع الخلفيات لن ينتج عنه فقط إهدار للمواهب، ولكنه سيؤدي أيضا إلى عزل العِلْم عن المجتمع بشكل متزايد، وكانت تلك العزلة واضحة في الاستفتاء الذي جرى على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في يونيو الماضي، عندما صوَّت أكثر من نصف الشعب لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، مقارنةً بحوالي باحث واحد من بين كل عشرة باحثين. تقول ماثيسون: "هذه النظرة المتباينة إلى العالَم تمثل مشكلة حقيقية لكلٍّ من جودة البحث، ومكانة العلماء في المجتمع".  

اليابان: تعميق الانقسامات

بقلم: ديفيد سريانوسكي

لا تصل أوجه انعدام المساواة في الثروة والأوضاع المعيشية في اليابان إلى الحدود المتطرفة نفسها الموجودة في الصين والهند. ورغم ذلك.. فإنّ التعليم ما بعد الجامعي، والبحث الأكاديمي أصبحا من الخيارات الأقل جذبًا على مدار العقد الماضي، وبخاصة للطبقات المعدمة. ويحذِّر البعض من أن ذلك من شأنه أن يجعل البحث العلمي بمثابة مكان محجوز للأغنياء، مما يؤدي إلى نتائج اجتماعية خطيرة. يقول يوكو إيتو، الباحث في سياسات العلوم بالوكالة اليابانية للعلوم والتقنية في طوكيو، وهي من المصادر الرئيسة لتمويل العلوم: "هذه قضية ناشئة في اليابان".

هناك جزء كبير من المشكلة يتمثل في زيادة المصروفات الدراسية، بل إنه في الجامعات الوطنية قليلة التكلفة نسبيًّا تمثِّل رسوم الالتحاق ومصروفات السنة الأولى ـ التي تُقَدَّر بمبلغ 86 ألف ين (ما يعادل 840 دولارًا أمريكيًّا)، والتي سددها الطلاب في عام 1975 ـ جزءًا ضئيلًا من إجمالي الرسوم التي يسددها الطلاب منذ عام 2005، والتي تُقَدَّر بمبلغ 817,800 ين. وإضافة إلى ذلك.. فنتيجة للانكماش الاقتصادي الطويل الذي تعرضت له اليابان مؤخرًا، انخفض إسهام الآباء في نفقات المعيشة، مقارنةً بالعقد الماضي، بنسبة 19% في المتوسط.

من شأن ذلك أن يجعل الطلاب معتمِدين بشكل متزايد على "المِنَح الدراسية"، التي تكون في اليابان ـ بصفة خاصة ـ بمثابة قروض واجبة السداد. وقد حصل نصف عدد الطلاب الخريجين على قروض، بل إنّ ربع هؤلاء الطلاب مدينون بمبالغ تزيد على خمسة ملايين ين. يقول كويتشي سوميكورا، أستاذ سياسات العلوم بالمعهد العالي الوطني للدراسات السياسية في طوكيو: "الكثير من الطلاب لا يمكنهم تدبير المصروفات الدراسية ونفقات المعيشة اللازمة لكي يصبحوا باحثين".

وحتى بالنسبة إلى مَن يَشُقُّون طريقهم في الجامعة عن طريق القروض، فإن الحصول على الوظائف التي يمكنها أن تجعل من مسألة الاستدانة أمرًا يستحق العناء ليس مضمونًا إلى حد بعيد. يحصل ثلث خريجي الجامعات في مقتبل أعمارهم ما بين سن الثلاثين والستين على دخل يقل عن ثلاثة ملايين ين سنويًّا. يقول إيتو: "في ظل هذه الظروف، لا يسع المرء إلا أن يشعر بالتردد بشأن مواصلة السعي للعمل في وظيفة أكاديمية".

يَظهَر التفاوت الاجتماعي بالفعل في التعليم العالي، فمن الخطوات الضرورية لكي تصبح باحثًا أنْ تلتحق بمؤسسة مرموقة، مثل جامعة طوكيو، التي يبلغ متوسط دخل عائلة الطالب الذي يلتحق بها ضعفي المتوسط العام للدخل في اليابان. يقول إيتو: "إذا استمر هذا الوضع؛ فستصبح العلوم أمرًا لا يهتم به إلا الأغنياء فقط، وسيبتعد البحث العلمي عن حل المشكلات الاجتماعية الراهنة".

بدأت الحكومة اليابانية تنتبه إلى هذه المسألة، ومن ثم وضعت خطة وطنية من أجل "الاستثمار في المستقبل"، وأعلنت عنها في الثاني من أغسطس الماضي. وتبشِّر هذه الخطة بزيادة التمويل للمِنَح الدراسية غير واجبة السداد، إلى جانب زيادة مدى توفُّر القروض الطلابية المعفاة من الضرائب.

ومع ذلك.. ينبغي على الحكومة أن تقوم بإجراء دراسة أكثر تحديدًا للعلاقة بين النجاح ـ كباحث ـ والعوامل الاقتصادية، حسب قول سوميكورا، الذي أضاف قائلًا: "سيكون ذلك موضوعًا مهمًّا في المستقبل".

البرازيل: السياسة التقدمية تؤتي ثمارها

بقلم: جيف تولفسون

وصلت أوجه عدم المساواة في الثروة في البرازيل إلى أقصى معدلاتها بكل المقاييس تقريبًا، بما في ذلك التعليم، حيث انحدرت المدارس التي تديرها الحكومة إلى درجة من السوء؛ جعلت الجميع يتجنبون الالتحاق بها، باستثناء الأُسَر الأشد فقرًا. ووفقًا لتقارير حديثة ترجع إلى عام 2014، فإن نسبة 57% فقط من شباب البلاد في عمر التاسعة عشرة هم الذين أتموا دراستهم الثانوية. 

رغم ذلك.. فهناك بعض المؤشرات على التقدم، وخاصة في مجالات العلوم، والتقنية، والهندسة، والطب. وعلى سبيل المثال.. ففي عام 2011، وضعت البرازيل برنامج "علوم بلا حدود"؛ من أجل ابتعاث عشرات الآلاف من الطلاب الجامعيين وطلاب الدراسات العليا النابهين للدراسة بالخارج. ونظرًا إلى أن الطلاب الذين ينتمون إلى أُسَر أكثر ثراء تتاح لهم ـ إلى حد كبير ـ أفضل أنواع التعليم في المرحلتين الابتدائية والثانوية، ربما كان من المتوقع أن يستحوذ هؤلاء الطلاب على نصيب الأسد في عملية اختيار المبتعِثين. وفي نهاية المرحلة الأولى هذا العام، لوحظ أن أكثر من نصف عدد المشاركين ـ الذين يبلغ إجمالي عددهم 73,353 طالبًا ـ كانوا ينتمون إلى أُسَر منخفضة الدخل.

يقول كارلوس نوبري، عالِم المناخ الذي سبق أن تولى رئاسة إحدى المؤسسات العامة التي تقوم بتمويل برنامج "علوم بلا حدود": "في الحقيقة، هذه الإحصائيات كانت بمثابة مفاجأة مدهشة لنا جميعًا".

في الوقت ذاته، تمنح كلية الطب بجامعة كامبيناس المرموقة في ساو باولو الأفضلية لقبول الطلاب الموهوبين من المدارس التي تخضع لإدارة حكومية. وقد بدأ البرنامج في عام 2004، بعد أن أشارت الأبحاث إلى أنه من بين الطلاب الحاصلين على درجات متقاربة في الاختبار السابق لمرحلة القبول، كان أداء طلاب تلك المدارس الحكومية في جامعة كامبيناس أفضل ـ في الغالب ـ من نظرائهم من طلاب المدارس الخاصة. فقد تضمَّنت الدفعة التي تم قبولها هذا العام 68% من هؤلاء الطلاب الحكوميين.

يفترض كارلوس إنريكي دي بريتو كروز ـ الذي يُنسب إليه إطلاق مبادرة جامعة كامبيناس عندما كان رئيسًا للجامعة ـ أن جزءًا من الإجابة عن تلك المسألة بسيط للغاية، حيث يقول: "هؤلاء الطلاب واجهوا كثيرًا من العقبات التي تَحتَّم عليهم تخطيها. وعندما تضعهم في بيئة تتضمن العقبات نفسها تقريبًا؛ فإنهم يكتشفون إمكاناتهم بشكل أكبر".

ربما تكون البرازيل في الوقت الحالي أيضًا بصدد رؤية ثمار جهود الحكومة لتحسين المعرفة العلمية، وحث المزيد من الطلاب على التوجه نحو وظائف علمية، وهو الأمر الذي اكتسب زخمًا بعد تنصيب لويس إيناثيو لولا دا سيلفا رئيسًا للبلاد في عام 2003. ويركِّز قسم خاص بوزارة العلوم والتقنية والابتكار الفيدرالية تركيزًا كاملًا على "الاندماج الاجتماعي"، حيث يضع برامج لتحسين أوضاع المدارس الحكومية، وتشجيع البحوث في مجالات لها تأثيرها على المجتمعات المحلية، مثل التغذية، والاستدامة.

يظل انخفاض مستوى جودة التعليم الثانوي في البرازيل مشكلة جوهرية، يمكنها أن تستغرق جيلًا أو أكثر لعلاجها، حسب قول الخبراء. ورغم ذلك.. فإن المبادرات القائمة يمكن أن تسهم ـ في الوقت الحالي ـ في تعزيز مستوى جودة المدارس الحكومية بشكل كافٍ للطلاب من أصحاب الطموح؛ لتحقيق التميز، كما يقول نوبري، الذي يضيف قائلًا إنّ السؤال التالي يتمثل فيما إذا سيصبح بإمكان هؤلاء الطلاب أن يكونوا ركيزة لتوطيد دعائم الابتكار في المجال العلمي في البرازيل، أم لا. يقول عن ذلك: "بما أن هؤلاء الطلاب آخِذون في التوافد على سوق العمل، فسوف يتحتم علينا البدء على وجه السرعة في تقييم ما مروا به".

الهند: الحواجز اللغوية والطوائف الاجتماعية

بقلم: تي. في. بادما

رغم الشهرة التي تحظى بها مراكز التكنولوجيا في الهند، مثل بنجالور، والجامعات، مثل المعهد الهندي للتكنولوجيا متعدد المقار، فإن أعدادًا هائلة من الطلاب الموهوبين في الهند لا تتاح لهم الفرصة على الإطلاق لاكتشاف إمكاناتهم بشكل كامل، نتيجة للفقر السائد في المدارس الريفية، وحواجز اللغة والنظام الطبقي. ولا يزال التعليم العالي ـ بما في ذلك مجال العلوم ـ من الامتيازات المقصورة بدرجة كبيرة على طبقة الأغنياء، وأصحاب النفوذ السياسي، والطبقات العليا فحسب، وبخاصة خارج المدن.  

ولا تقوم إحصاءات التعداد السكاني على المستوى الوطني في الهند بجمع بيانات عن تمثيل الطبقات، أو أبناء الريف، أو التمثيل حسب النوع في مجال العلوم، كما لا تقوم أقسام العلوم على مستوى البلاد بذلك أيضًا. ومع ذلك.. وحسب قول جاوتام ديزيراجو، الكيميائي بمعهد العلوم الهندي في بنجالور، فمن الواضح أن الطلاب الهنود القادمين من الريف تواجههم عقبة تتمثل في نقص مدرسي العلوم المتميزين، ونقص المنشآت الخاصة بالمختبرات، كما لا يكون هؤلاء الطلاب على دراية بالفرص المتاحة لدخول مجالات العلوم الاعتيادية (انظر: www.nature.com/indiascience)، بل إن الحواجز تكون أعلى وأشد صعوبة أمام الفتيات الريفيات اللاتي يتم تثبيط عزمهن عن مواصلة الدراسات العليا، أو الحصول على وظائف في ذلك المجال، فضلًا عن الفتيات اللاتي ينتمين إلى أسر حضرية فقيرة، حيث يكون مِن المنتظَر منهن الحصول على وظائف؛ للإسهام في توفير المهور الخاصة بهن.

ويعاني الكثير من الطلاب الريفيين من ضعف مستواهم في اللغة الإنجليزية، وهي اللغة المستخدَمة غالبًا في المدارس لشرح العلوم. تقول عالمة المناعة إنديرا ناث، من الأكاديمية الوطنية الهندية للعلوم في نيودلهي: "المدرسون القادمون من كليات النخبة ولجان المقابلة الشخصية واختيار الطلاب، غالبًا ما ينحازون ضد هؤلاء الطلاب".

ولا يمثل النظام الطائفي ـ وهو النظام الطبقي الموروث في المجتمع الهندوسي ـ مشكلة من الناحية الرسمية، فقد نص الدستور الهندي والمَحاكِم الهندية على ضرورة تخصيص نسبة تصل إلى نصف عدد الأماكن المتاحة في مجالات التعليم والتوظيف للأشخاص الذين ينتمون إلى طبقات مُورِس ضدها التمييز على مر التاريخ. ومع ذلك.. فإن هناك بندًا يستثني العديد من المراكز العلمية المرموقة في الهند من هذا الأمر. وفي الواقع هناك نوع من "التمييز غير المتعمَّد ـ أو غير الملحوظ، أو الخفي ـ بحق الطلاب المنتمين إلى تلك الفئات المخصص لهم تلك الأماكن، ويمتد ذلك التمييز من المدرسة الثانوية إلى الجامعة"، وذلك وفقًا لما يقوله شري كريشنا جوشي، العالم الفخري بمختبر الفيزياء الوطني في نيودلهي، حيث لا يقوم المعلمون بتشجيع هؤلاء الطلاب بقدر تشجيعهم الطلاب المنتمين إلى الطبقات العليا. ونتيجة لذلك.. حسب قول جوشي: "غالبًا ما يعاني الطلاب الفقراء من تلك الفئات من حواجز نفسية، ويدور في أذهانهم أنهم لا يستطيعون منافسة الآخرين". 

ورغم ذلك.. وكما يقول ديزيراجو، هناك مؤشرات على حدوث تقدُّم.. فقد اعتقد المسؤولون الرسميون في الهند ـ لفترة طويلة ـ أن كل ما ينبغي عليهم فعله هو إنشاء مراكز للتميز العلمي، ومن ثم ستبدأ آثار تلك المراكز على التعليم في الانتشار ببساطة؛ حتى تصل إلى عموم الناس. ويضيف ديزيراجو: "في الوقت الحالي، بدأت المؤسسات بدرجة أكبر في تبنِّي نهج تصاعدي من القاع إلى القمة" يهدف إلى العثور على الأشخاص الموهوبين في المستويات الاقتصادية الدنيا.  

تراقِب عالمة الوراثة تاباسيا سريفاستافا ـ بالحرم الجنوبي من جامعة دلهي ـ آثار ذلك التغيير، وتقول: "هناك ارتفاع متزايد في التنافس على التعليم العالي في مجال العلوم عبر جميع الفئات القائمة على أساس طبقي، كما أن الفجوات في طريقها إلى الانحلال والتفكك".

يتفق ديزيراجو مع الرأي القائل إن "الباحثين الصغار الموهوبين يتم قبولهم حاليًّا بناء على جدارتهم فقط، وليس بسبب ذلك البند المنصوص عليه في الدستور"، لكنه يعتقد ـ رغم ذلك ـ أنه ما تزال هناك أمور كثيرة يجب القيام بها، ويضيف: "إن العثور على الفتاة أو الفتى الموهوب بحق في مدينة صغيرة أو في قرية في الهند غالبًا ما يكون مثل البحث عن إبرة في كومة من القش".

كينيا: سهولة الوصول يقابلها محدودية الآفاق

بقلم: ليندا نوردلينج

عادةً ما يهتم الطلاب الفقراء في كينيا بالعلوم، ولكنهم يكافحون من أجل الحصول على وظيفة في هذا المجال.

عادةً ما يهتم الطلاب الفقراء في كينيا بالعلوم، ولكنهم يكافحون من أجل الحصول على وظيفة في هذا المجال.

Francesco Cocco/Contrasto/eyevine

في كينيا، حيث يعيش ما يقرب من 40% من السكان على ما يقلّ عن دولار أمريكي وربع الدولار يوميًّا، مِن المدهش أن الطبقة الاجتماعية لها أهمية ضئيلة لمن ينجحون في دخول مجال العلوم. ويُوصَف اقتصاد كينيا بأنه واحد مِن بين اقتصادات "الأسُود" الأفريقية التي تتميز بسرعة النمو، وقد شهدت البلاد ارتفاعًا في عدد الطلاب الملتحقين بالجامعة، بمعدل يزيد عن الضعف منذ عام 2011، حيث وصل العدد إلى أكثر من 500 ألف في العام الماضي. وتقوم الحكومة بدعم المصروفات الدراسية لطلاب المدارس الثانوية الفقراء الذين يحصلون على درجات جيدة في العلوم، وهناك قروض متاحة لمساعدتهم على تدبير نفقات المعيشة.

ورغم ذلك.. فإن نقْص الفرص المتاحة على مستوى الدراسات العليا في كينيا يعني أن كثيرًا من الطلاب المعقود عليهم الأمل في مجال العلوم يتحتم عليهم أداء جزء من تدريبهم في الخارج. تقول آن ماكينا، وهي فتاة كينية، تعود خلفيتها الاجتماعية إلى الطبقة الدنيا، وحصلت على درجة علمية جامعية في تخصص الكيمياء الحيوية من جامعة موي في إلدوريت: "لم تكن مشكلتي في الدخول إلى مجال العلوم، وإنما في كيفية البقاء فيه". وقد حصلت ماكينا حاليًّا على منحة رودس لإتمام درجة الدكتوراة في الأحياء الكيميائية بجامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة. 

مِن المدهش أن الطبقة الاجتماعية لها أهمية ضئيلة لمَنْ ينجحون في دخول مجال العلوم

أما هؤلاء الباحثون المضطرون للبقاء في أوطانهم، فإنّ أفضل طريقة مضمونة للحصول على وظيفة بحثية، تتمثل في الحصول على وظيفة لدى المؤسسات أو الهيئات التي تحظى بتمويل خارجي، مثل المركز الدولي لفسيولوجيا وبيئة الحشرات "ICIPE" في نيروبي، أو المشارَكة ما بين معهد الأبحاث الطبية الكيني، وصندوق "وِيلْكَم تراست" بالمملكة المتحدة. إنّ المنافسة شرسة للغاية، ويمكن أن يقضي المرء سنوات، حتى يتم قبوله. وعندئذ، يكون من المرجَّح أن يصاب الخريجون الذين ينتمون إلى خلفية اجتماعية فقيرة باليأس، كما تقول ماكينا. وينتهي الأمر بهؤلاء الخريجين بأنْ جذبتهم الرواتب المجزية التي يمنحهم إياها القطاع الخاص، وبخاصة لأنهم يضعون في اعتبارهم ضرورة الإسهام في تلبية الاحتياجات المادية لأُسَرهم، في حين أن الطلاب الأكثر ثراء يمكنهم تحمُّل تكلفة الانتظار.

ومِن بين المصادر الأخرى لحالة عدم اليقين.. نضال الجامعات الكينية؛ من أجل تأمين الحصول على أموال كافية للتشغيل من الحكومة. وقد قاد ذلك العجزُ المالي وكلاءَ الجامعات في الجامعات الحكومية على مستوى البلاد إلى اقتراح زيادة في المصروفات الدراسية، تصل إلى خمسة أضعاف الرسوم الحالية للمقررات الدراسية كثيفة الاستخدام للموارد، بما فيها مقررات العلوم. وإذا حدث ذلك، ولم يستطع الدعم الذي تقدِّمه الحكومة مسايرة هذا الارتفاع؛ فإن الطلاب الأشد فقرًا ربما يتخلُّون عن مقررات العلوم؛ من أجْل الحصول على درجات علمية أقل تكلفةً.

يقول بولدوين تورتو ـ رئيس قسم البيئة السلوكية والكيميائية بالمركز الدولي لفسيولوجيا وبيئة الحشرات ـ إنّ ذلك سوف يمثل خسارة كبيرة، نظرًا إلى أن الطلاب القادمين من خلفيات اجتماعية متواضعة يصبحون ـ من واقع خبرته ـ علماء ممتازين. يقول تورتو: "تجد الصبية القادمين من أُسَر فقيرة يؤدون أداء مساوِيًا لأداء أقرانهم الذين ينتمون إلى أُسَر غنية، إنْ لم يكن أفضل".

روسيا: سياسة إيجابية وإنتاجية ضعيفة  

بقلم: كويرين شيرماير

في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي في عام 1991، استسلمت روسيا سريعًا للرأسمالية الجامحة، وتزايدت فيها أوجه عدم المساواة. ومع ذلك.. احتفظت البلاد بقِيَمها الاشتراكية في مجال التعليم، فحتى الآن تُخَرِّج روسيا نسبة كبيرة من الطلاب والباحثين المتخصصين في العلوم لديها من الأُسَر ذات الخلفيات منخفضة ومتوسطة الدخل.

يقول دميتري بيسكوف، مدير قسم الأخصائيين المهنيين الشباب بهيئة المبادرات الاستراتيجية ـ الواقعة في موسكو ـ التي تتولى تشجيع الابتكار الاقتصادي في روسيا: "هناك إجماع ـ على المستوى الوطني ـ في روسيا بشأن دور تكافؤ الفرص في التعليم في تحديث بلادنا". تضم البلاد ما يقرب من 3 آلاف جامعة ومعهد للتعليم العالي، ويلتحق ما يقرب من نصف خريجي المدارس الثانوية في البلاد بتلك الجامعات والمعاهد، بينما يبلغ المتوسط ذاته بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حوالي 35%.

في المناطق الحدودية، مثل الأورال، وسيبيريا، حيث تحرص الحكومات المحلية على تطوير القدرات والطاقات العلمية والهندسية، يبدأ المعلمون في التعرف على الطلاب الموهوبين في سن مبكرة، تتراوح بين 4، و6 سنوات، فإذا استمر هؤلاء الطلاب في الظهور بمستوى مبشِّر؛ يتم تشجيعهم على الالتحاق بالجامعات المحلية، التي ربما تركِّز برامجها المعفاة من المصروفات الدراسية على الاحتياجات المحلية، مثل التقنيات الزراعية.

أما الأطفال الذين يُظهِرون مهارات استثنائية في العلوم، أو الفنون، أو الرياضات، أو حتى الشطرنج، فإنهم ربما يحصلون على فرصة للالتحاق بمركز سيريوس التعليمي في سوتشي، المطلة على البحر الأسود. ويحظى هذا المركز بدعم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وقد تم إنشاؤه بعد انتهاء دورة الألعاب الأوليمبية الشتوية، التي نظَّمَتها روسيا في عام 2014،؛ وذلك بهدف مساعدة الشباب الروسي الأكثر موهبةً على تطوير مهاراته ومواهبه بدعم من كبار العلماء والمتخصصين.

ومنذ ديسمبر 2015، أصبح باستطاعة الطلاب المحتمَلين الذين يجتازون المسابقات العلمية على المستويين المحلي، أو الوطني، وكذلك أوليمبياد الرياضيات، أن يأملوا في الحصول على منحة رئاسية تُقَدَّر بعشرين ألف روبل (307 دولارات أمريكية) شهريًّا. وتتيح هذه المِنَح لمئات الطلاب من الخلفيات الاجتماعية الدنيا الفرصةَ للدراسة بكبرى الجامعات على مستوى البلاد، بشرط وحيد يتمثل في أن يبقى هؤلاء الطلاب في روسيا لمدة لا تقل عن خمس سنوات بعد التخرج.

ورغم تلك الجهود.. يظل الناتج العلمي لروسيا منخفضًا نسبيًّا. ويوضح بيسكوف أن أحد الأسباب وراء ذلك يتمثل في العزلة التي تحيط بالمجتمع العلمي الروسي. فرغم جميع المهارات، والتنوع الاجتماعي الذي يميِّز الباحثين الروس، فمستواهم ضعيف للغاية في اللغة الإنجليزية، كما أن تمثيلهم محدود في الاجتماعات ومشروعات التعاون الدولية. وتزيد مِن حجم المشكلة، حالة الغموض بشأن الدعم المستقبلي للعلوم من جانب الحكومة الروسية، فحسب قول بيسكوف: "تُعَدّ الوظائف ذات العائد المجزي في مجالات معينة، مثل المالية، أو إدارة الأعمال، أو الصناعة، أكثر شعبية وشهرة بكثير بين الشباب الروس المتمرسين، مقارنةً بالعمل في وظيفة أكاديمية محفوفة بالمخاطر".