افتتاحيات

تَصَاعُـد عدم المسـاواة

تشير التوجُّهات الحالية إلى أن العِلْم بدأ يصبح حكرًا على الطبقات العليا فقط.

  • Published online:

مِن المفترض أن هناك حقائق مُطْلَقة، يعتبرها العِلْم من البديهيات. الحقيقة الأولى هي أن البحث العلمي يصحح نفسه ذاتيًّا، حيث تُستبعد النتائج غير المكتملة، وغير ذات الصلة، وغير الصحيحة من السجل العلمي مع مرور الوقت؛ حتى لا تبقى سوى النتائج التي تشكِّل أساسًا قويًّا قابلًا للتكرار في المستقبل. والحقيقة الثانية هي أن العِلْم يعتمد في تَقَدُّمه على المقدرة والعطاء الفردي الصادق، فالبحث العلمي والباحثون يتقدمون على أساس بيانات محايدة وتحليلات موضوعية، فتتجلَّى الموهبة حيث تتجلَّى الحقيقة.

ومن ثم، لفتت مقالات منشورة في دورية Nature وغيرها من الدوريات الانتباهَ إلى وجود شكوك حول طبيعة مسألة التصحيح الذاتي في العلوم، ووجود أزمة واضحة في قابلية التكرار (انظر: go.nature.com/2ca0ej1). تبحث دورية Nature ـ في العدد رقم 537 ـ الحقيقة الثانية من هاتين الحقيقتين المزعومتين، عبر سلسلة خاصة من المقالات تقدِّم تحليلًا لقضية عدم المساواة في مجال العلوم.

الجزء الجيد في الأمر هو مواكبة العِلم للتوجهات الحديثة، أما الجزء السيئ، فهو أن التوجهات الحالية يبدو أنها تسير نحو مزيد من عدم المساواة، وفرص أقل للمنتمين إلى الطبقات الأكثر حرمانًا، ومن ثم مجموعة أصغر من الأفراد والمواهب التي يعول عليها البحث العلمي. تتسق القصص بصورة مفزعة في كل مكان، بدءًا من المملكة المتحدة، واليابان، حتى الولايات المتحدة، والهند. وتميل المهن العلمية في دول عديدة إلى الاقتصار على أبناء العائلات المنتمية إلى الطبقات الاجتماعية والاقتصادية الأعلى.

ويرجع ذلك إلى مجموعة من الأسباب المتنوعة، التي تبحث دورية Nature عبر صفحات عددها المذكور في العديد منها. المشكلة معقدة، ويبرز أحد الآثار المترتبة عليها تحديدًا بشكل صارخ: فعلى عكس الكثير من القطاعات المجتمعية والاقتصادية الأخرى التي تُهاجَم بشدة ـ على نحو مبرَّر ـ بسبب غياب الحراك الاجتماعي، يعتمد العِلم بصورة أساسية ـ وربما حصرية ـ في بعض المناطق على المال العام. فإذا كان نظام البحث يستنفد مليارات الجنيهات، والدولارات، واليِنَّات من أموال دافعي الضرائب، لمجرد تقديم الدعم والمساندة لفئة اجتماعية تحظى فعليًّا بالتمييز، ليرسِّخ بذلك لهذا التمييز، فإن هذا النظام لا يمكن وصفه بأنه نظام إيجابي يسير نحو تحقيق الرفاهية للبشرية، مهما بلغ نبل أهدافه.

في إحدى مقالات العدد المذكور يطالب مايك سافيدج الباحثين بحسم خلافاتهم حول تعريفات الطبقة الاجتماعية، إذ إن هناك خلافًا حادًّا بين مَن يتخذون المهنة معيارًا لتصنيف الأفراد، ومَن يصنِّفونهم على أساس مستوى الدخل، والثروة، والثقافة، والعلاقات الاجتماعية. يؤكد سافيدج أن كل منهج له استخداماته، وأن الحدّ من وتيرة الخلافات من شأنه أن يفسح المجال أمام تحليلات أفضل تتناول "مجتمعاتنا الممزقة وغير المتكافئة". وفي مقالة أخرى بقسم التعليقات في العدد المشار إليه، يلفت برانكو ميلانوفيتش الانتباه إلى قيمة إلقاء نظرة بعيدة على الأمور، حيث يطَّلع على البيانات الأرشيفية الخاصة بالأجور والدخول، بدءًا من القرن الثالث عشر، ليؤكد أن عدم المساواة حالة تحدث بشكل دوري، ومن المرجح أن تنتهي قريبًا.

قد يكون مبدأ الإتاحة شيئًا جيدًا، لكنّ الوضع لم يعد مريحًا لمَنْ ضمنوا لأنفسهم مكانًا مُحْكَمًا بالداخل، ينظرون منه نحو الخارج. فعلى مستوى المهن العلمية، تزداد الفجوة اتساعًا بين المكافآت المالية التي تنهال على القِلَّة القابعة في المناصب العليا، والتعويضات الهزيلة نسبيًّا التي يحصل عليها الباقون.

وتشير الدراسة المسحية التي تجريها دورية Nature كل عامين لقياس مدى الرضا عن الرواتب، والرضا الوظيفي، والتي شملت هذا العام ما يقرب من 6000 مشارك من جميع المراحل المهنية في جميع أنحاء العالم، أنّ معظم العلماء (حوالي الثلثين) سعداء بوظائفهم، بيد أن هناك نسبة كبيرة تشعر بعدم الرضا.. فالكثيرون ـ لا سيما في أوروبا ـ يشعرون بالإحباط تجاه أوضاع البحث العلمي، والأجور التي يحصلون عليها، ومسألة التنافس على المِنَح. كما أن أقل من نصف المشاركين الأوربيين قالوا إنهم متحمسون بشأن فُرَص عملهم في المستقبل.

وبرغم ذلك.. أجاب أكثر من 60% من العيِّنة المشارِكة في الدراسة من أنحاء العالم بأنهم سوف يوصون آخرين باتخاذ مِهَن في مجال البحث العلمي. وتتفق معهم في ذلك دورية Nature، لكن يبقى السؤال: كيف يمكننا إتاحة البحث العلمي أكثر لكل من يريدون العمل به، وسط أصداء الصراع المتأجج من أجل حصول العالِمات على حقهن في المساواة، وحصول الأقليات العرقية على نسبة تمثيل أكبر في بعض الأماكن، مثل الولايات المتحدة الأمريكية؟ وللإجابة على ذلك، يمكن تطبيق بعض التدابير المستخدَمة لتحقيق المساواة في هذه المجالات؛ لتأسيس انحياز يقوم على أسس اقتصادية. وربما بدأت تدابير في تحقيق أهدافها بالفعل، مثلما حدث في برامج الدمج الاجتماعي في البرازيل. ولذا، يبدو التدخلُ الفعال لتحديد المستبعَدين وتشجيعهم، إلى جانب دعم المؤسسات والجهات الممولة، أمرًا حاسمًا؛ شأنه في ذلك شأن رفع مستوى الوعي لدى مَن يقدمون الأموال من أجل العِلم، ومَن يتحكمون في اختيار الملتحقين بالعمل البحثي، لا سيما أن المنظومة البحثية تضج بعدم المساواة، وقد تزداد سوءًا. وتلك مشكلة.. من البديهي أنها لن يجدي معها التصحيح الذاتي مطلقًا، وبكل صدق.