تحقيق إخباري

التجربة المكتبية: هل يمكن للعِلْم أن يبني بيئة العمل المثالية؟

الربط بين النوافذ والمكاتب والموظفين سعيًا وراء خلق بيئات صحية مُثبَتة بالأدلة

إيميلي أنثيز
  • Published online:

<p>يتتبع مختبر «ويل ليفينج» تجاوب العاملين مع للبيئة الداخلية للأماكن المغلقة</p>

يتتبع مختبر «ويل ليفينج» تجاوب العاملين مع للبيئة الداخلية للأماكن المغلقة

Ackerman + Gruber for Nature


في أواخر شهر مايو الماضي، قام ثمانية موظفين من قسم السجلات الطبية بمنظمة «مايو كلينك» بحَزْم متعلّقاتهم، وإغلاق أجهزة الحاسوب الخاصة بهم، وانتقلوا إلى مكاتب جديدة تمامًا في قلب مدينة روتشستر بولاية مينيسوتا. وهناك بدأوا يتصرفون بأريحية؛ فقاموا بتعليق تقويمات عليها صور من عالَم «والت ديزني»، ورتَّبوا إطارات صور تظهر فيها كلابهم، واستقروا في تناغم مع إيقاع مكان العمل الجديد.

بعدها، بدأ الباحثون في التلاعب بالموظفين. رفعوا درجة حرارة المكان لبعض الوقت، ثم خفضوها مرة أخرى، وغَيَّروا درجة الحرارة اللونية في الأضواء العلوية، وألوان النوافذ الزجاجية الكبيرة. كما أصدروا بعض الأصوات المزعجة عبر مكبرات الصوت المثبتة في السقف، كصوت رنة هاتف، وصوت الضغط على لوحة مفاتيح الحاسوب، وصوت رجل يقول "هنا السجلات الطبية"، وكأنه يرّد على مكالمة هاتفية.

وفي صباح حار من شهر يونيو، كان جهاز التسجيل يعمل بشكل متصل. "تتبَّعْتُ الوقت – 55 ثانية"؛ هكذا قال راندي موشكا ساخطًا، وهو أحد الموظفين الذين تم نقلهم إلى المكاتب الجديدة. الهواء اليوم خانق، إلا أن أشعة الشمس تتدفق إلى الداخل؛ ما يُعَدّ تحسُّنًا عن وضع الأسبوع الماضي، كما يقول موشكا؛ بعدما أَسْدَل الباحثون ستائر النوافذ تمامًا.

هؤلاء هم أول مجموعة تخضع لتجارب مختبر «ويل ليفينج» Well Living Lab، وهو صرْح يعمل بتقنيات عالية وفاعلية، تستطيع السلطات الحصول منه على كَمّ هائل من البيانات. وهذا المختبر هو ثمرة تعاون بين مجموعة «مايو كلينك» في روتشستر، وشركة «ديلوس» Delos، المختصة بالتصميم والتكنولوجيا، ومقرها مدينة نيويورك. وهو يهدف إلى احتضان الدراسات المعنية بمدى تأثير البيئة الداخلية للأماكن المغلقة على الصحة، والرفاهية العامة، والأداء، بدءًا من الإجهاد، حتى جودة النوم، ومن اللياقة البدنية، حتى الإنتاجية.

في آخِر القاعة يجلس العلماء في غرفة تحكُّم، جدرانها زجاجية، مكتظة بالحواسيب، حيث يراقبون موشكا وزملاءە عن كثب. يقول ألفريد آندرسون، مدير التكنولوجيا بالمختبر: "بإمكاننا رؤية كل ما يحدث هناك". تنقل إحدى الشاشات بثًّا حيًّا، بينما تَعرِض شاشات أخرى مستويات الإضاءة، ودرجة حرارة الجو والرطوبة والضغط الجوي، باستخدام حوالي 100 جهاز استشعار، موزَّعة في أرجاء المكان. هذا.. بالإضافة إلى أن العاملين أنفسهم متصلون أيضًا بأجهزة قياس حيوي يرتدونها على المعاصم كالأساور، تظهر قراءاتهاعلى شاشة ضخمة، بينما تقيس متغيرات ضربات القلب، والتوصيل الكهربي للجلد، وهما معياران أوّليان لمستوى الضغط الذي يتعرضون له. وسيعكف الباحثون على رصد كل ذلك أثناء تعريض الموظفين لتسعة أنواع مختلفة من البيئات داخل المكان. يقول آندرسون: "نحن اليوم في نموذج المكتب السيئ رقم 2".

يدرك الخبراء أن مساحات الأماكن الداخلية المغلقة قد تتسبب في مشكلات صحية. ويُعتقد أن الضجيج يسهم في ارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب، بالإضافة إلى أن الإضاءة الاصطناعية قد تؤثر علي التوتر اليومي، وقد تزيد من خطر الإصابة ببعض أنواع السرطان. وهناك أدلة متزايدة تشير إلى أن نمط الحياة المتسم بقِلّة الحركة قد يضر بالصحة، ويتسبب في الإصابة بداء السكري من النوع الثاني، وأمراض القلب والأوعية الدموية، والسرطان، أو الموت المبكر، وهو ما يُعَدّ مصدر قلق شديد، إذ تتطلب وظائف عديدة حديثةٌ الجلوسَ إلى المكاتب طوال اليوم. هذا.. ويُعتقد أن الضغوط المرتبطة ببيئة العمل تكلف سنويًّا مئات المليارات من الدولارات على مستوى العالم،تظهر في صورة إجازات مرضية، وتكاليف للرعاية الصحية والإنتاجية المهدرة. ويقول برينت باوير، المدير الطبي لمختبر «ويل ليفينج»:  "إننا نقضي 90% من أوقاتنا في أماكن مغلقة، وإذا لم نعمل على تحسين هذه الأماكن؛ فسوف نواجه صعوبات كبيرة في تحسين الصحة العامة ككل".

يأمل العلماء أن يسمح لهم هذا المختبر بأن يضيفوا إلى الأبحاث المتزايدة المعنية بتأثير بيئة المباني، وكذلك إصدار توصيات عملية تبرهن على إنشاء مساحات صحية في المكاتب، وحتى المنازل. إنها مهمة مليئة بالطموح، وسوف تشمل دمج وتفسير كميات هائلة من البيانات، إلا أن العلماء المبهورين بحجم المختبر، ونطاقه، ومنهجه متحمسون للغاية لمعرفة النتائج، وكذلك الشركات، والمنظمات. يقول جيل براجر، المدير المشارك بمركز بيئة المباني بجامعة كاليفورنيا: "كل شخص تحدثت إليه بشأن هذا الأمر وكان قدسمع عنه، أبدى حماسًا شديدًا، لأنها حقًّا تجربة فريدة".


الحياة في المختبَر

كشفتْ عقودٌ من الأبحاث أن المساحات الداخلية يمكن أن تؤثّر على طريقة تفكير الناس، ومشاعرهم، وتصرفاتهم. ففي دراسة1 بارزة أُجريت في عام 1984، لاحظ روجر أولريش ـ وهو أحد الرواد الحاليين في أبحاث تصميمات الرعاية الصحية في جامعة تشالمرز للتكنولوجيا في جوتنبرج بالسويد ـ أن المرضى الذين يقضون فترات نقاهة ما بعد العمليات الجراحية في غرف مستشفيات تطل على مناظر طبيعية يمكثون مدة أقصر في المستشفى، ويحتاجون جرعات أقل من المسكِّنات، مقارنةً بغيرهم ممن يمكثون في غرف تطل على حوائط من الطوب. وأفاد آخرون أن هناك أنواعًا معينة من الإضاءة الاصطناعية قد تساعد على تحسين النوم، وتقليل الاكتئاب والاضطراب لدى مرضى الزهايمر2، ويبدو أن درجات الحرارة المرتفعة أكثر تَحَدٍّ من استهلاك السعرات الحرارية3.كما أن الموظفين الذين يعملون في مكاتب في قاعات مفتوحة تقل فيها الحواجز الجدرانية يطلبون مزيدًا من الإجازات المرضية4، بينما الأطفال الذين يدرسون في فصول يتخللها ضوء النهار يتقدمون بشكل أسرع في الرياضيات، وفي القراءة، مقارنة بغيرهم ممن يدرسون في فصول أقل إضاءة5.

في عام 2012، دفعت الأبحاث المتراكمة شركة «ديلوس» - التي تهدف إلى إنشاء مساحات تعزز الصحة والرفاهية - للبدء في وضع مبادئ توجيهية مبرهنة لبناء مبان صحية أكثر. يوضح معيار «ويل بلدينج» WELL Building Standard ـ الذي صدر لأول مرة في عام 2014 ـ أكثر من 100 ممارسة من أفضل الممارسات، بدءًا من استخدام الدهانات التي تنتج مستويات أقل من المركبات المحتمَل أن تكون سامة، حتى تنظيم الكافيتريات، بحيث تُعرَض الفاكهة والخُضَر بشكل واضح. ويمكن أن تحصل المباني التي تلبي قدرًا كافيًا من المعايير على اعتماد «ويل»WELL، بالطريقة نفسها التي يمكن أن تحصل بها المباني على شهادة الاستدامة الصديقة للبيئة، بيد أنه أثناء وضع شركة «ديلوس» لتلك المعايير، لاحظت وجود ثغرات في الأبحاث العلمية، إذ اتضح أن هناك العديد من الدراسات التي تُعنى بجانب واحد من جوانب البيئة الداخلية، مثل الإضاءة، أو الصوت، بيد أنه في الواقع تعمل هذه المتغيرات بالتناسق مع بعضها البعض. فقد أثبتت الدراسات مثلًا أنه كلما ارتفعت درجة حرارة المكان والرطوبة فيه؛ قلت جودته6. ويمكن أن تسفر برامج الحدّ من تلوث الهواء في الأماكن المغلقة عن فوائد أكبر، إذا ما اهتم مديرو الأبنية بتلك العوامل الأخرى.

<p>في غرفة التحكم الخاصة بمختبَر «ويل ليفينج».</p>

في غرفة التحكم الخاصة بمختبَر «ويل ليفينج».

Ackerman + Gruber for Nature


وقد تتعارض الممارسات الأخرى الموصَى بها. ففي شهر يونيو الماضي، أفاد الباحثون7 أن العاملين في المكاتب حققوا درجات أعلى في اختبارات الوظائف الإدراكية عندما كانت التهوية في الغرفة أفضل، في حين أظهرت دراسات عديدة أن الضوضاء الموجودة في الخلفية تُضْعِف الأداء الإدراكي. إذًا، فماذا يكون الحال لو أنه تَعَيَّن على العاملين في المكتب فتح نافذة تطل على شارع مليء بالضوضاء؛ لزيادة تدفق الهواء؟ وإذا كان أحد العاملين يريد الهدوء، والآخر يريد هواءً نقيًّا، فهل يمكن للأدلة أن تحدد القرار الذي ينبغي اتخاذه؟

صرَّح دانا بيلاي، رئيس قسم الأبحاث في شركة «ديلوس»، والمدير التنفيذي لمختبر «ويل ليفينج»،قائلًا: "هناك بعض المختبرات المعنية بعلوم البناء تسعى لإدخال أكبر قدر ممكن من المكونات في التجربة، لكننا لم نعتقد أبدًا أنها وصلت بعد إلى أنْ تعالج جميع الأمور التي قد تطرأ على معيار تصميم المباني. لذا ظننا أننا سنفعل ذلك بأنفسنا". في عام 2013، بدأت الشركة مناقشات مع «مايو كلينك»، وقرّرت المؤسستان معًا إنشاء مختبر تفاعلي، يمكن تكييفه مع أيّ أوضاع، مما مَنَحَهم القدرة على المراقبة الدقيقة للعديد من المتغيرات البيئية، ومحاكاة الواقع بأكبر قدر ممكن.

قاموا بإنشاء فريق مكون من 18 شخصًا، ووضعوا تصورًا لمختبر الأحلام بمساحة 700 متر مربع. يتسم هذا المرفق ـ الذي بلغت تكلفة إنشائه أكثر من 5 ملايين دولار أمريكي، ويشغل الطابق الثالث من مبنى إداري ـ بقابليته للتحول بصورة غير محدودة؛ إذ يمكن تغيير لون زجاج النوافذ باستخدام تطبيق على الهاتف المحمول، ويمكن ضبط إضاءة LED إلى ألوان وكثافات مختلفة، كما يمكن برمجة الستائر الآلية؛ لترتفع وتنزل في أوقات محددة من اليوم. "يمكننا تحريك الجدران، ومواسير السباكة، والأنابيب"، حسب قول باوير. ويمكن للباحثين تحويل المختبَر من مكتب كبير مفتوح إلى 6 شقق، أو 12 غرفة فندقية، بحيث يمكن للمشاركين في الدراسة العيش فيه لمدة أسابيع، أو حتى بضعة أشهر. يقول أليكسي مارموت، مهندس معماري وباحث في كلية لندن الجامعية: "إنها فكرة مبدعة.. من شأنها حقًّا أن تسمح بإتمام كل ما كان يصعب علينا فِعْله في الماضي".

يحتل مختبر «ويل ليفينج» مكانة علمية كبيرة، إذ يسهل التحكم فيه أكثر من المكاتب الحقيقية المستخدَمة في الدراسات الميدانية، كما أنه أكثر واقعية من مختبرات عديدة. وقد صرح براجر ـ الذي لم يشترك في تخطيط أو تصميم المختبر، لكنه سيعمل ضمن المجلس الاستشاري العلمي الخاص به ـ قائلًا: "أعتقد أن فكرة أنهم سيُبْقُون أشخاصًا هناك لمدد زمنية طويلة أمر مهم جدًّا". ويضيف: "على الرغم من أن هذا المختبر لا يُعتبر مبنى حقيقيًّا حتى الآن، ومن ثم ستظل هناك شكوك حول القدرة على تطبيق الفكرة على أرض الواقع، إلا أنه سيكون أقرب إلى الواقع من المختبرات التقليدية".


المساحات المكتبية

يستهل علماء مختبر «ويل ليفينج» أبحاثهم بصورة صغيرة ومبسّطة، معتمدين على النتائج السابقة لإنتاج مجموعة متنوعة من البيئات المكتبية، التي افترضوا أنها ستكون لها آثار إيجابية أو سلبية على راحة العاملين، والضغوط التي يتعرضون لها، أو لن يكون لها تأثير على الإطلاق. يراقبون تجاوب المشاركين مع الظروف المتغيرة، من خلال إجراء استطلاعات يومية تطلب منهم تقييم الارتياح، والرضا، والإنتاجية، وقدر الإجهاد الذي يشعرون به،بالإضافة إلى أساور القياس الحيوي التي يرتدونها. وتُعَدّ هذه الدراسة مجرد تجربة تهدف إلى التحقق من صحة نُظُم المختبر، والنهج الذي يتبعه، وكذلك الفكرة الأساسية بأن أجواء مكان العمل تؤثر على رفاهية الموظفين.

في وقت لاحق من العام الحالي، سيقوم الفريق باستكشاف ـ بمزيد من التفصيل ـ مدى تأثير الإضاءة والضوضاء والحرارة على أداء الموظفين، حسب قياسات اختبارات الوظيفة التنفيذية والإنتاجية، واستطلاعات الإنتاجية المتوقعة، والتدابير الفسيولوجية. كما سيقيِّم الباحثون أيضًا كيفية تفاعل المتغيرات مع بعضها البعض، وهي التي تُحْدِث الأثر الأكبر على الأداء الفردي والجماعي، والآثار التراكمية لتغيير تلك المتغيرات. فمثلًا، قد تُظْهِر مثل هذه الدراسات في نهاية المطاف أن الغرف التي تحتوي على قدر كبير من الضوء الطبيعي، وتُضبط درجة حرارتها عند 21 درجة مئوية، مع انخفاض مستوى الضوضاء في الخلفية، تمثل البيئة الأسعد بالنسبة إلى الموظفين، حيث يقومون بالرد على رسائل البريد الإلكتروني بسرعة، أو يُدخِلون المعلومات في قواعد البيانات بدقة عالية.

يتتبَّع الباحثون عشرات المتغيرات ـ مثل الإضاءة، ودرجة الحرارة، والرطوبة، ومستوى الضوضاء ـ باستخدام عشرات المستشعرات البيئية الموزَّعة في أرجاء&nbsp; الغرفة.

يتتبَّع الباحثون عشرات المتغيرات ـ مثل الإضاءة، ودرجة الحرارة، والرطوبة، ومستوى الضوضاء ـ باستخدام عشرات المستشعرات البيئية الموزَّعة في أرجاء  الغرفة.

Ackerman + Gruber for Nature


تقول ماريانا فيجييرو، التي تدير برنامج الإضاءة والصحة بمعهد رينسيلر بوليتكنيك في مدينة تروي بولاية نيويورك: "العالَم مكان متعدد المكونات، ولذلك.. فإن هناك فائدة من القيام بالأمر. هكذا هو العالَم الحقيقي". وتضيف: "إن هذه الدراسات في الغالب ستكون  عالية التكلفة، وقد تكون مزعجة للغاية" من الناحية الإحصائية، الأمر الذي قد يصعب معه تفسير البيانات.

وحتى الدراسة التجريبية البسيطة نسبيًّا تنتِج فعليًّا ما يقرب من 9 جيجا بايت من البيانات كل أسبوع. وكلما قام الباحثون بإشراك مجموعات أكبر، ومراقبة عدد أكبر من المتغيرات والنتائج؛ فقد يزداد هذا الرقم عشرة أضعاف.

وستزداد الصعوبات أيضًا مع بدء الفريق إجراء دراسات متلاحقة. يعكف نيكولاس كليمنتس ـ وهو مدير بمختبرات شركة «ديلوس» ـ على جمْع عينات من مايكروبيوم مساحة العمل، بما في ذلك أنواع البكتيريا، والفطريات، وغيرها، التي تعيش في زوايا الغرف، وفي الشقوق، وأيضًا على الأسطح التي يمسها الناس يوميًّا، إذ يعتقد العلماء أنه قد يكون من الممكن استغلال مايكروبيوم الأماكن الداخلية  وتشكيله؛ من أجل تحسين صحة الإنسان، إلا أن الأبحاث التي تتناول هذه الفكرة لا زالت في مهدها.

يقول كليمنتس: "نود أن ندفع هذا العلم نحو الأمام، ونأمل أن نتمكن من تحقيق ذلك ها هنا". وهو يخطط لاختبار ما إذا كانت هناك تدخلات بيئية معينة، مثل تغيير مواد الأرضيات والأسطح، أو تركيب «جدار أخضر» من النباتات الحية، تستطيع تغيير ميكروبات الغرف، أو صحة مَن يعملون بها. (كما سيتتبع تعرُّض المشاركين لملوثات الهواء داخل الأماكن المغلقة، مثل المركبات العضوية المتطايرة، التي تنبعث من الطلاء والأثاث).

كما أن هناك آخرين من هيئة تدريس «مايو كلينك» حريصون على استخدام هذا المرفق. ففي مطلع العام المقبل، ستبحث سوزان هولبيك ـ المتخصصة في هندسة العوامل البشرية ـ فيما إذا كانت المكاتب التي يستخدمها الموظفون وهم واقفون قد تحسِّن صحتهم مع وجود ـ أو عدم وجود ـ عوامل خطر معينة. وإذا كان الأمر كذلك، فما النسبة المثلى، وما الجدول الزمني الأمثل للوقوف والجلوس؟ أظهرت البحوث أن استخدام هذا النوع من المكاتب قد  يتسبب في زيادة طفيفة في حرق السعرات الحرارية، بيد أن أدلة وجود فوائد صحية أكبر تبقى محدودة. تقول هولبيك: "هذه الدراسة أشبه بالحلم".

وإضافة إلى المساحات المكتبية، يحتوي المختبر حاليًّا على شقة صغيرة، سيستخدمها الباحثون لتعلُّم كيفية تصميم مساحات المعيشة التي تعمل على تحسين مقدار النوم وجودته بالنسبة إلى العاملين في النوبات الليلية، وما إذا كانت التغييرات في الدورات اليومية لدى هؤلاء العاملين ستؤثر على مجهريات البقعة الخاصة بهم، أم لا. وكلما اجتمع العلماء؛ أتوا بأفكار وافتراضات جديدة. فلربما يمكنهم تحويل الغرفة إلى فصل دراسي، أو يدرسون ما إذا كانت الإضاءة قد تقلل من سقوط كبار السن، أو يبحثون سبيل وجود أجواء مكتبية معينة بإمكانها أن تسهِّل عودة الأشخاص الذين تعرضوا لإصابات دماغية للعمل.

يقول باوير: "إننا نسير بمنهجية تشبه سلوك طفل في متجر حلوى. أمامنا فرص لا حصر لها تقريبًا، للبدء في الإجابة على تلك الأسئلة المهمة من قبيل 'كيف يمكننا تحسين البيئة الداخلية للأماكن المغلقة؟'".

<p>ومِن خلال أدوات في معمل تطوير الأجهزة ، يمكن إعادة تهيئة المساحة إلى شقق وغرف فندقية، وغير ذلك.</p>

ومِن خلال أدوات في معمل تطوير الأجهزة ، يمكن إعادة تهيئة المساحة إلى شقق وغرف فندقية، وغير ذلك.

Ackerman + Gruber for Nature


تحديات معقدة

لا تزال هناك قائمة طويلة من أجهزة الاستشعار والتقنيات بحوزة قادة المختبر، التي يأملون في تطبيقها، كما يتطلعون إلى التوسع دوليًّا. وهم ليسوا الوحيدين؛ فهناك عدة فرق أخرى تتبنى نهجًا تفاعليًّا متعدد المتغيرات؛ لدراسة ردود أفعال الإنسان تجاه الظروف في الأماكن الداخلية، مستخدمين المرافق المرنة، بدءًا من مختبر الجودة الكلية للبيئة الداخلية، الموجود في جامعة سيراكيوز في نيويورك، حتى «سينس لاب» SenseLab في جامعة دلفت للتكنولوجيا في هولندا، الذي سيُفتتح في ديسمبر المقبل. إنّ تحقيق الطموحات الكبيرة قد يستلزم أموالًا طائلة. ولتغطية التكاليف، أشركت منظمة «مايو كلينك» وشركة «ديلوس» شركات ومنظمات أخرى في تحالف مختبر «ويل ليفينج». أسهم الأعضاء بمبالغ تتراوح بين 75 ألف، و300 ألف دولار، وهم يحصلون في المقابل على مزايا عديدة، منها الاطلاع المبكر على نتائج البحوث، وحضور مؤتمر القمة السنوي للمختبر، والحصول على خصومات على البحوث التي تمت تحت رعايتهم. وحتى هذه اللحظة، هناك تسع منظمات وقَّعت على الاتفاقيات، تنتمي هذه المنظمات إلى مجالات مختلفة، منها البناء، وإدارة الممتلكات، وتقنيات الرعاية الصحية، والتصنيع، والحوسبة.

ورغم أن المشارَكات المؤسسية ليست مستغرَبة في أبحاث بيئة المباني، إلا أن العلماء يقولون إنه لا بد للمختبر من اختيار أعضائه بعناية، والاتسام بالشفافية فيما يتعلق بمصادر التمويل، والعمل على ضمان الاستقلال العلمي. يقول مارموت: "في هذا المجال، الذي دائمًا ما كان مُهمَلًا، هناك الآن مَن يملك إمكانيات مادية كبيرة.. وأنا أعتقد أن كل ما يحدث يهدف إلى الصالح العام، لكن علينا التأكد من اتباع عمليات المراجعة العلمية المناسبة".

ومن جانبه، يقول باوير إن جميع الدراسات المقترحة ـ بما في ذلك الدراسات التي تتم تحت رعاية أعضاء التحالف ـ ستستلزم موافقة رؤساء المختبر واللجنة التوجيهية المشتركة وكذلك مجلس المراجعة المؤسسية بمنظمة «مايو كلينك».ويضيف: "أعتقد أننا كنا صريحين جدًّا مع الشركات المشارِكة بأن العضوية ليست تفويضًا مطلقًا".

يشعر العاملون في مختبَر «ويل ليفينج» بارتياح في المكان، كما لو كانوا في منازلهم. ورغم تعرُّضهم لتدخلات العلماء الجالسين خلف الزجاج، واستفزازاتهم، ومراقبتهم لهم، إلا أن المشاركين العشرة الأوائل أحبوا مكان عملهم المؤقت. فالمكاتب قابلة للتعديل، والكراسي مريحة، والنوافذ كبيرة. وعلى حد تعبيرهم، حتى الهواء يبدو أنقى مما كان في مكاتبهم القديمة، التي سيعودون إليها في النهاية. وهنا، يعلِّق موشكا قائلًا: "لا أريد العودة.. وأتمنى لو نبقى هنا لمدة عام".

  1. Ulrich, R. S. Science 224, 420–421 (1984).
  2. Figueiro, M. G. et al. Clin. Interv. Aging 9, 1527–1537 (2014).
  3. Bernhard, M. C., Li, P., Allison, D. B. & Gohlke, J. M. Front. Nutr. 2, 20 (2015).
  4. Pejtersen, J. H., Feveile, H., Christensen, K. B. & Burr, H. Scand. J. Work Environ. Health 37, 376–382 (2011).
  5. Heschong Mahone Group Daylighting in Schools: An Investigation into the Relationship Between Daylighting and Human Performance (Pacific Gas & Electric Co., 1999); available at go.nature.com/2cdfmrq
  6. Fang, L., Wyon, D. P., Clausen, G. & Fanger, P. O. Indoor Air 14 (Suppl. 7), 74–81 (2004).
  7. Allen, J. G. et al. Environ. Health Perspect. 124, 805–812 (2016).