رؤية كونية

الجدل الدائر حول المحاصيل المعدَّلة وراثيًّا يصنع التاريخ

يقول فيفيان موزيس إن العمل جارٍ على إنشاء أرشيف لكل ما يتعلق بالخلاف الدائر حول التعديل الوراثي في المملكة المتحدة، كما إنّ الإسهامات الجديدة مُرَحَّب بها.

فيفيان موزيس
  • Published online:

متى تبدأ صناعة التاريخ؟ وهل يمكننا أن نتوقع أيًّا من الأحداث الجارية في زماننا سيجدها مؤرِّخو المستقبل هي الأكثر أهمية؟ وبعد قرن من الآن، هل سيكون هناك قبول عالمي للمحاصيل المعدَّلة وراثيًّا، مع بعض الرفض والخلاف البسيط اللذين صاحبا الفكرة حتى وقتنا هذا؟ أم ستكون حينها قد قَضَت هذه الاعتراضات على تطوير تلك التقنية التي كان يُعتقد في السابق أنها تقنية واعدة؟

في هاتين الحالتين ستكون للأحداث التي جرت على مدار العقدين السابقين أهمية كبيرة. فإمّا سيشير المؤرخون إلى هذه الفترة باعتبارها تمثل ولادة مناهضة المحاصيل المعدَّلة وراثيًّا، أو أنها تقدم دراسة حالة لإيضاح أنّ هذه المعارضة كانت مؤثِّرة ذات يوم، وأسباب ذلك، وكيف تم التغلب عليها.

ولكي يتسنى لنا تقديم العون لمؤرخي المستقبل هؤلاء، عملتُ أنا وآخرون على إنشاء أرشيف تاريخي بكل ما يتعلق بالجدل الدائر حول المحاصيل المعدَّلة وراثيًّا والأغذية الناتجة عنها.

أصبح الأمر واضحًا منذ ما يزيد على عشرة أعوام ـ أي في بدايات هذا الجدل ـ حين اتضح أن ظاهرة مثيرة للاهتمام تكشَّفَت للعيان. وأثارت مجموعة جديدة من التقنيات العلمية ردود أفعال واسعة الانتشار، الكثير منها منفر لأسباب متعددة (بما في ذلك المخاطر الصحية)، وأصبحت بدورها محور جدل ونقاش محتدمين.

معظم المجتمعات العلمية وكافة الوكالات الرسمية المسؤولة دوليًّا عن سلامة الغذاء والبيئة صدقت على الأساس العلمي الذي يقوم عليه تدشين هذه التقنية، الذي تَحَدَّدت بناءً عليه سلامة المنتجات المعدَّلة وراثيًّا. وبالنسبة إلى معظم العلماء، بدا جليًّا أن المعارضة لم تقم في الأساس على صلاحية الاكتشافات العلمية، على الرغم من زعم كثير من المعارضين ذلك. ومن ثم، فمعظم العلماء رفضوا مثل هذا الجدل المناهِض، ورأوا أن ما يحفزه هو المصالح السياسية والتجارية وغيرها، التي لا تتعدى قيمةُ الصلاحية العلمية بالنسبة لها المرتبةَ الثانوية.

ولم يكن ذلك هو رد الفعل الشعبي العنيف الأول تجاه تقنيات حديثة. فعلى الرغم من أن الابتكار غالبًا ما يُقابَل بلهفة من الناس ـ مثلما حدث مع جهازي "ووكمان سوني" Sony Walkman، و"آي فون" iPhone ـ إلّا أنه يسبب مشكلات في بعض الأحيان. فبعد أعمال الشغب التي حدثت في لندن في القرن التاسع عشر، المناهِضة لتلقيح الأطفال إجباريًّا بلقاح الجدري (حيث شعر العديد من أولياء الأمور في ذلك الوقت ـ مثلما يحدث الآن ـ أنه ينبغي أن يكون لهم الخيار)، ظهرت اعتراضات في أوكلاهوما على توصيلات التلغراف الكهربائي بينها وبين نيو أورليانز، خشية أن تأتي بأنباء سيئة، وتشجع على المقامرة. ولطالما كانت هناك اعتراضات ـ وما زالت ـ على بسترة اللبن، ومحطات إرسال الهواتف النقالة، فضلًا عن الاعتراضات على الطاقة النووية.

بدأ العمل على إعداد أرشيف الجدل الدائر حول التعديل الوراثي في عام 2008، عندما أصبح واضحًا أن ظاهرة المحاصيل والغذاء المعدَّلين وراثيًّا ستكون طريقة مفيدة لدراسة ردود الفعل المجتمعية تجاه التقنيات الحديثة.

وأيًّا كانت النتيجة النهائية لهذا الجدل، فقد أدركنا أن هناك العديد من الدروس التي يمكن تعلُّمها حول كيفية عرض التقنيات الجديدة، وكيفية عدم عرضها، وما إذا كان مِن الحكمة فِعْل ذلك، أم لا. وبالرغم من أن التعديل الوراثي سيمثل موضوعًا مهمًّا للدراسة في المستقبل والحاضر، إلا أنه من الممكن فقدان الكثير، ما لم نحتفظ بالسجلات والمطبوعات بأنواعها بشكل آمِن.

"أثارت مجموعة جديدة من التقنيات العلمية ردود أفعال واسعة الانتشار، الكثير منها منفِّر".

ولأننا لن نعرف مقدمًا الأوجه التي ستهم علماء المستقبل في المحاصيل المعدَّلة وراثيًّا، فمن الأفضل أن نحتفظ بأكبر قدر ممكن من المادة. وعلى الرغم من أنه عادةً ما يتم إنشاء الأرشيف على أساس ما مضى من أحداث، مع جذب الموضوعات التاريخية للاهتمام، إلا أننا نعمل على الأمر على أساس ما يُتوقع في المستقبل، مرتكزين على إدراكنا من البداية أنّ لدينا ظاهرة ملائمة ومثيرة تستحق التسجيل. ولا شك أن تقدير القيمة المستقبلية للأرشيف الآن خطوة جريئة، لكننا تنبّأنا بالفعل أنه من دونه سيأتي يوم يأسف فيه العلماء على عدم وجوده.

وقد بدأنا مشروعًا مع متحف العلوم في لندن، بالتعاون مع المكتبة البريطانية، بهدف إيجاد الأوراق، والأفلام، والشرائط، والأقراص، والمواقع الإلكترونية، والمعدات، وغيرها من الأشياء الجديرة بالاهتمام، وحفظها (بيد أنه لا توجد لدينا الإمكانات اللازمة لتخزين المواد البيولوجية).

وقد كانت هناك حاجة إلى الحصول على الكثير من المادة الضعيفة التي يَحتفِظ بها بعض الأفراد، قبل أن يتم التخلص منها، لكن بحلول عام 2008، كان الأوان قد فات؛ فخزّانات الملفات تُنظف بشكل دوري، بيد أن كثيرًا من المادة المثيرة للاهتمام كان لا يزال في حوزة العلماء وغيرهم من الأكاديميين، والمصانع، والمهتمين بالزراعة، والحكومات، والقائمين على الحملات، والإعلاميين، وغيرهم.

كان مخططنا إنشاء أرشيف عالمي، لكن بعد أن تحدثنا مع زملائنا في الولايات المتحدة وغيرها؛ تبين لنا سريعًا أن طموحنا مُبالَغ فيه؛ فضلًا عن أن مسؤولية متحف العلوم هي جَمْع المادة في الأساس من مصادر بريطانية، ولذا، يركِّز الأرشيف على الجدل القوي الدائر في بريطانيا، المحاط بكمية هائلة من المادة. كما يحتوي الأرشيف على سجلات مهمة، بما فيها مراسلات من الباحثين، والقائمين على الحملات، وشركات العلاقات العامة التي تستخدمها شركات التكنولوجيا الحيوية لدحض حُجَّة المعارضين.

كان من المهم تجهيز المساحة والمَرافق اللازمة، قبل إتاحة الأرشيف للعامة، وها هو أصبح أخيرًا متاحًا للاستخدام، وهو موجود في مقر متحف العلوم في روتون بالقرب من سويندون (انظر: go.nature.com/2btqdk1). يشمل الأرشيف عشرات الصناديق المحتوية على ملفات، تغطي 23 مترًا من مساحة الرفوف، وهو يحوي مراسلات تتعلق بالنشر المثير للجدل للأبحاث التي زعمت أنها تُظْهِر الآثار الصحية المرتبطة بالبطاطس المعدَّلة وراثيًّا. ولحين الحصول على التمويل اللازم لإعداد فهرس كامل، هناك قائمة كبرى بالمحتويات، متوفرة من خلال: go.nature.com/2cjptjq. وللبحث فيها، اختر أن تبحث في "Science Museum, London"؛ وأدخل كلمة "genetic" في مربع البحث؛ ثم اختر التصنيف حسب العنوان "Sort by: Title"، واضغط على "Search".

وما زلنا نسعى لجمع مزيد من المواد ذات الصلة، ونرجو من زملائنا بالمملكة المتحدة تقديم المزيد من الإسهامات لمجموعة "روتون"، كما نرجو أن يلهم هذا العمل آخرين حول العالم لإنشاء أرشيفات للتعديل الوراثي في بلادهم. لا شك أننا نعيش في زمن مثير، ويجدر بنا أن نحفظ الأحداث الجارية فيه.