أنباء وآراء

خريطة حديثة لقشرة المخ البشري

خريطة موثقة للوحدات التي تشكِّل قشرة المخ البشري، تَعِدُ بأنْ تكون نقطة انطلاق نحو فَهْم أعمق لوظائف المخ، وما يصيبه من مرض.

  • Published online:

لقشرة المخ البشري دور أساسي في المعالجة الحسية والحركية، وكذلك الوظائف الذهنية، كفَهْم اللغة، والتفكير المنطقي؛ وهو مؤشر على مدى التعقيد الذي يميِّزنا عن الحيوانات الأخرى. وفي بحث نُشر مؤخرًا، يصف جليسر وزملاؤه1 خريطة محدّثة لقشرة المخ البشري، وهو تقدُّم طال انتظاره، يطرح أطلس مرجعيًّا، مِن شأنه أن يسمح للباحثين المختصين في بِنْية المخ ووظيفته وتواصله أن يعملوا ضمن إطار عمل مشترك لأنظمة علم الأعصاب.

ولطالما دفع التمايز النطاقي في قشرة المخ إلى ظهور محاولات لتحديد المناطق المتميزة فيها، بدءًا من الدراسات التشريحية العصبية الكلاسيكية في بداية القرن العشرين2، حتى الطرق الحديثة غير الباضعة، المستنِدة إلى التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) داخل الأجسام الحيّة. ويزداد تعقيد هذه المساعي مع إدراك أن كل موقع في المخ يمكن وصفه بمجموعة تكاد تكون غير متناهية من الصفات، تتضمن كثافة بروتينات المستقبِل الخاصة بمجموعة متنوعة من جزيئات الناقل العصبي، والاتصالات طويلة المدى بأجزاء أخرى من الدماغ، والتخصص من أجل إتمام الحسابات العصبية التي تدعم وظائف محددة. حاولت غالبية الدراسات السابقة تقريبًا رسم حدود الأجزاء القشرية باستخدام صفة واحدة (الشكل 1)، إلا أن جليسر وزملاءە قاموا بزيادة النوعية والتنوع بشكل غير مسبوق في بيانات التصوير بالرنين المغناطيسي التي جُمعت في إطار مشروع الكونيكتوم البشري "Human Connectome Project"، الذي يهدف إلى توضيح المسارات العصبية التي تكمن وراء وظيفة وسلوك المخ باستخدام الطرق الأحدث لتصوير الدماغ3.

<br>الشكل 1 | رسم خريطة لوظائف الدماغ. قام جليسر وزملاؤه<sup><a href="#ref1">1</a></sup> بتحديد مناطق مميزة في قشرة المخ البشري، باستخدام مجموعة من تقنيات وضع الخرائط الدماغية التي سبق استعمالها بشكل منفصل فقط، وهي تتضمن التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي المعنِيّ بمهمة محددة، ويعطي معلومات عن الوظائف التي تؤديها المناطق المختلفة؛ والكثافة النسبية لمادة المايلين التي تغلف الخلايا العصبية، والتي تعطي معلومات عن البنية القشرية؛ وتصوير الدماغ في حالة الراحة باستعمال الرنين المغناطيسي الوظيفي، الذي يعطي تفاصيل عن التواصل العصبي في المناطق المختلفة، وما بينها. تقدِّم الألوان الظاهرة في هذه اللوحات الثلاث خريطة حرارية للمقاييس؛ والنتيجة هي خريطة ترسم حدود 360 منطقة قشرية مختلفة. تمثل الألوان المختلفة طريقة ارتباط كل منطقة بالمُدْخلات الحسيّة (السمع بالأحمر، واللمس بالأخضر، والرؤية بالأزرق) وبالأنظمة المشاركة في عملية الإدراك (فاتحة وداكنة)، بينما تشير الألوان المختلطة إلى مناطق تتداخل فيها الأنظمة الوظيفية. (الصور مأخوذة من المرجع <sup><a href="#ref1">1</a></sup>.)


الشكل 1 | رسم خريطة لوظائف الدماغ. قام جليسر وزملاؤه1 بتحديد مناطق مميزة في قشرة المخ البشري، باستخدام مجموعة من تقنيات وضع الخرائط الدماغية التي سبق استعمالها بشكل منفصل فقط، وهي تتضمن التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي المعنِيّ بمهمة محددة، ويعطي معلومات عن الوظائف التي تؤديها المناطق المختلفة؛ والكثافة النسبية لمادة المايلين التي تغلف الخلايا العصبية، والتي تعطي معلومات عن البنية القشرية؛ وتصوير الدماغ في حالة الراحة باستعمال الرنين المغناطيسي الوظيفي، الذي يعطي تفاصيل عن التواصل العصبي في المناطق المختلفة، وما بينها. تقدِّم الألوان الظاهرة في هذه اللوحات الثلاث خريطة حرارية للمقاييس؛ والنتيجة هي خريطة ترسم حدود 360 منطقة قشرية مختلفة. تمثل الألوان المختلفة طريقة ارتباط كل منطقة بالمُدْخلات الحسيّة (السمع بالأحمر، واللمس بالأخضر، والرؤية بالأزرق) وبالأنظمة المشاركة في عملية الإدراك (فاتحة وداكنة)، بينما تشير الألوان المختلطة إلى مناطق تتداخل فيها الأنظمة الوظيفية. (الصور مأخوذة من المرجع 1.)


يتيح التصوير بالرنين المغناطيسي طريقة لا يضاهيها شيء آخر لكشف المخ. فبإمكان آلة تصوير واحدة أن تسجل عدة قياسات مختلفة (تُعرف بالأنماط)، بدءًا من تحديد الكثافة النسبية لأغلفة المايلين العازلة للخلايا العصبية، حتى تحديد سُمْك قشرة المخّ، حيث يختلفان بشدة من منطقة قشرية إلى أخرى. وإضافة إلى ذلك يمكن للتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) قياس تغيرات تدفق الدم المصاحبة للمهام الذهنية المختلفة، بالإضافة إلى نشاط الدماغ ككل في حالات الراحة، مقدِّمًا معلومات حول النشاط العصبي النطاقي المصاحِب لحالات الدماغ المختلفة. إن تجميع المؤلفين للمعلومات المستقاة من عدة أنماط للتصوير بالرنين المغناطيسي لا يكتفي فقط بتقريب هذا العمل نحو التعريف الكلاسيكي للمنطقة القشرية أكثر من المحاولات السابقة، بل يمتاز أيضًا بعديد من المزايا الرئيسة عن الاستقصاءات الأخرى.

أولًا، بعض الأنماط يكشف حدودًا لا تظهر بشكل واضح مع غيرها. فعلى سبيل المثال، الحد الفاصل بين المنطقتين 3أ و3ب من القشرة الحسية الجسدية (التي تعالج المعلومات المتعلقة باللمس والألم) يمكن رسمه بسهولة من خلال رسم خرائط المايلين، لكن ليس عن طريق التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي للدماغ في حالة الراحة. ومثال آخر على ذلك.. هو ما قام به جليسر وزملاؤه، إذ ابتكروا تقنية للتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي للدماغ في حالة الراحة، تقوم برسم خرائط طوبوغرافية للتواصل العصبي في القشرة البصرية. ويسمح الانتقال الحاد بين مستويات التواصل الطوبوغرافي عبر حدود المنطقة بعمل رسم أكثر وضوحًا للمناطق المنفصلة المشارِكة في المراحل المبكرة من المعالجة البصرية، مقارنةً بخرائط المايلين، أو الأساليب التقليدية للتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي للدماغ في حالة الراحة5،4

ثانيًا، يقلِّل التقارب عبر الأنماط المختلفة للتصوير بالرنين المغناطيسي من احتمال الخطأ في رسم الحدود، نتيجة للضوضاء، أو لتحيُّز خاص بميزة معينة. وهو أمر مهم، نظرًا إلى الطبيعة غير المباشرة لمعظم الأنماط، فمثلًا، يقيس التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي التغيرات التي تحدث في تدفق الدم، المصاحِبة للنشاط العصبي، كممثل للنشاط العصبي نفسه. ونتيجة لذلك كثيرًا ما يكون إجراء حسابات معقدة سابقة للمعالجة أمرًا ضروريًّا للتمييز بين الإشارات والضوضاء. ومن شأن التوافق بين الأنماط أن يزيد الثقة بأن الحدود تعكس الواقع الحيوي، بدلًا من تحيُّز القياس.

وأخيرًا، من شأن النهج التكاملي أن يجهّز الباحثين بشكل أفضل لوصف خصائص كل منطقة، كما يتضح من المواد التكميلية الشاملة التي قدَّمها جليسر وزملاؤه. وعلى سبيل المثال، يجد المؤلفون أن المنطقة القشرية التي وُصفت في الخمسينات بانخفاض محتواها من المايلين6 يبدو أنها تشارك في المعالجة اللغوية، كما يتضح من قياسها بالرنين المغناطيسي الوظيفي المعني بمهمة محددة. ويتسق ذلك مع تحليل إحصائي جَرَى مؤخرًا لأكثر من 10,000 تجربة تصوير، شملت 83 مهمة سلوكية7. لذا تمثل خريطة جليسر وزملائه تقارُب عقود من الدراسات التشريحية العصبية الكلاسيكية مع الدراسات الحديثة غير الباضعة.

وعلى النقيض من هذا المجال المزدهر لوضع خرائط للمخ في حالة الراحة، بالاستعانة بالرنين المغناطيسي الوظيفي، الذي ركَّز بشكل كبير على الأساليب الأوتوماتيكية تمامًا لتقسيم الدماغ إلى أجزاء ذات أنماط تواصلية متجانسة8، استخدم جليسر وزملاؤه طريقة نصف آلية، يتم فيها بشكل واضح إدماج المعلومات المسبقة المجمَّعة من الدراسات التشريحية العصبية، لتحديد الحدود على خريطتهم. ويُعَدّ ذلك تقدُّمًا حاسمًا طال انتظاره على المناهج الحسابية الحصرية، التي لا تعتمد على المعرفة، إلا أن استخدام المعرفة المسبقة لاختيار الأنماط التي يمكن الوثوق بها في حالات تضارب الأدلة يستتبع مخاطر إدخال التحيز التأكيدي. كما قد يؤدي إلى جودة تفاضلية في وضع الخرائط بين المناطق التي توجد بها معلومات معروفة ذات صلة ـ مثل القشرة الحسية الجسدية، والقشرة البصرية ـ وتلك التي توجد عنها معلومات أقل، مثل قشرة الفص الجبهي، وقشرة الفص الجداري؛ اللتين تحملان أهمية خاصة لكثير من علماء الأعصاب، إذ تقوم هذه المناطق بحساب معظم الدالّات الخاصة بالبشر. في الواقع، نظرًا إلى تجاهل المؤلفين للمعلومات المستقاة من نمط معين، من أجل مجموعات البيانات الخاصة بهم، وهو الذي يحمل أهمية وظيفية، رغم قيامه بتجزئة المناطق القشرية الكلاسيكية، فإن إجراء المزيد من الاستقصاءات يُعَدّ أمرًا حاسمًا لفهْم كيف يمكن تمييز الحدود شديدة الوضوح في نمط واحد فقط عن الضوضاء الخاصة به.

وبشكل متصل، وعلى الرغم من أن جليسر وزملاءە قاموا بتحديد 360 منطقة قشرية، إلا أن هذه المناطق يمكن تقسيمها إلى وحدات أصغر، أكثر تجانسًا، وأقل تمايزًا عن بعضها البعض. فمثلًا، هناك أجزاء مختلفة من القشرة الحسية الجسدية التي تمثل أجزاء مختلفة من الجسم، يمكن اعتبارها وحدات حسابية مختلفة. كما أن هناك الكثير من الأمثلة لمناطق جديدة يتم تحديدها مع ظهور أساليب تكميلية أو أكثر حساسة، وهي مناطق اعتيادية9. وهكذا، ما زال العدد "الأمثل" للمناطق التي ينبغي تحديدها غامضًا، ناهيك عن العدد "الصحيح". ونحن نعتقد أن العدد الأمثل قد يكون معتمدًا على التطبيق. ومن ثم، فإن ما قام به الباحثون ـ برغم كونه ابتكاريًّا ـ قد لا يكون هو الكلمة النهائية في هذا الموضوع.

إن أحد الابتكارات الرئيسة في الدراسة الحالية يتمثل في خوارزمية آلية تسعى لتحديد المناطق القشرية في الأفراد المشاركين، وهي مهمة أكثر تعقيدًا بكثير عن وضع خريطة للمخ العادي. وقد حاولَت الأعمال السابقة أن تقدِّر 10 إلى 20 شبكة وظيفية في الأفراد المشاركين (لمثال على ذلك اطّلع على المرجع 10)؛ إلا أن هدف جليسر وزملائه بترسيم 360 منطقة لهو هدف أكثر طموحًا. كما يعتبر التعرف على التنوعات الحيوية بين الأفراد والتفريق بين هذه التباينات وضوضاء القياس أمرًا ضروريًّا لفهْم العلاقة بين تنظيم الدماغ، والفروق الفردية السلوكية، إضافة إلى التطبيقات الإكلينيكية.

عند التحقق من صحة هذه الخوارزمية، ركَّز المؤلفون على جزء صغير فقط من قشرة المخ، ولذا فإن إجراء المزيد من البحوث أمر ضروري. ومع ذلك يمثل عملهم خطوة كبيرة نحو تحديد "واسمات حيوية" فردية للخلل الوظيفي الدماغي، لأن القياسات الكمية الفردية النوعية لكل منطقة ـ مثل حجم المادة الرمادية، أو قوة التواصل مع مناطق أخرى ـ يمكن أن تُحسَب الآن، ويمكن أن تشكل مؤشرًا قويًّا للفروق الفردية في السلوك، أو المرض.

إن الأطلس الذي وضعه جليسر وزملاؤه هو أول خريطة متعددة الأنماط تستهدف تحديد المناطق القشرية، وهو بالتالي يمثل تقدمًا كبيرًا في رسم خرائط المخ البشري. والآن، الأمر متروك للباحثين لاستخدام إطار العمل التشريحي المقدَّم، ومقارنته بالأساليب البديلة لرسم خرائط المخ البشري، وملء المناطق المحددة بالمعلومات الوظيفية، وتلك المتعلقة بالمرض. وبذلك يمكننا البدء في دمج البيانات متعددة الأنماط؛ لفهْم كيف يمكن للفروق الفردية في تنظيم المخ أن تفسِّر الاختلافات في الأداء الوظيفي، وفي السلوك والاضطرابات.

  1. Glasser, M. F. et al. Nature 536, 171–178 (2016).
  2. Brodmann, K. Vergleichende Lokalisationslehre der Großhirnrinde: in ihren Prinzipien dargestellt auf Grund des Zellenbaues (J. A. Barth, 1909); English transl. available in Garey, L. J. Brodmann's Localization in the Cerebral Cortex (Smith Gordon, 1994).
  3. WU-Minn HCP Consortium. NeuroImage 80, 62–79 (2013).
  4. Buckner, R. L., Krienen, F. M. & Yeo, B. T. T. Nature Neurosci. 16, 832–837 (2013).
  5. Gordon, E. M. et al. Cereb. Cortex 26, 288–303 (2014).
  6. Hopf, A. J. Hirnforsch. 2, 311–333 (1956).
  7. Yeo, B. T. T. et al. Cereb. Cortex 25, 3654–3672 (2015).
  8. Eickhoff, S. B., Thirion, B., Varoquaux, G. & Bzdok, D. Hum. Brain Mapp. 36, 4771–4792 (2015).
  9. Amunts, K. PLoS Biol. 8, e1000489 (2010).
  10. Wang, D. et al. Nature Neurosci. 18, 1853–1860 (2015).