أخبار

آمال مصادم الهدرونات الكبير تتبدد

مع تزايد البيانات.. اختفت إشارة الفوتونين الواعدة.

إليزابيث جيبني
  • Published online:

<p>كانت تجربة CMS (في الصورة) واحدة من تجربتين في مصادم الهدرونات الكبير، رأتا لمحات لجسيم لم يكن متوقَّعًا.</p>

كانت تجربة CMS (في الصورة) واحدة من تجربتين في مصادم الهدرونات الكبير، رأتا لمحات لجسيم لم يكن متوقَّعًا.

Stefano Dal Pozzolo/Contrasto/eyevine


كان من الممكن للتلميحات المشيرة إلى جسيم غير متوقع ـ تم الكشف عنه بواسطة مصادم الهدرونات الكبير (LHC) ـ أن تمثل علامة بدء عهد جديد في فيزياء الجسيمات، بيد أن أحدث البيانات قد محت أي آمال بترسيخها مع مرور الوقت. واتضح أن البروز الذي ظهر في رسوم البيانات، والذي ذُكر لأول مرة في ديسمبر الماضي، ما هو إلا تذبذب إحصائي.

قام ممثلون عن التجربتين ATLAS، وCMS المستقلتين في مصادم الهدرونات الكبير ـ وهو جزء من المختبر الأوروبي لفيزياء الجسيمات بمنظمة «سيرن» CERN ـ بإعلان الخبر في المؤتمر الدولي لفيزياء الطاقة العالية (ICHEP) في شيكاغو بإلينوي في الخامس من أغسطس الماضي. شملت التحليلات ما يقرب من خمسة أضعاف كمية البيانات المستخدَمة في شهر ديسمبر، وظهر أن الإشارة قد تضاءلت، حتى انعدمت تمامًا تقريبًا.

"لا توجد أي زيادة ملحوظة في بيانات 2016"، هذا ما قاله برونو لينزي، وهو فيزيائي يعمل ضمن تجربة ATLAS في مختبر «سيرن» ـ الواقع بالقرب من جنيف في سويسرا ـ في لقاء مكتمِل الحضور في المؤتمر الدولي لفيزياء الطاقة العالية.

وتقول كيارا روفيلي، فيزيائية بالمعهد القومي للفيزياء النووية في روما، إن البيانات الإضافية الصادرة عن تجربة CMS فشلت أيضًا في إصدار أي إشارات ذات أهمية.

كان الإعلان بمثابة خيبة أمل للباحثين، لكنه لم يكن بعيدًا عن التوقعات. ففي التحديث السابق لفريق تجربة ATLAS في شهر يونيو الماضي، ضُبطت دلالة الإشارة عند 2.1 سيجما، وهي بمثابة مقياس لاحتمالات أن تؤدي التذبذبات العشوائية إلى ظهور مثل هذا البروز في رسم البيانات، دون وجود جسيم. وكان ذلك أقل بكثير من حد الـ5 سيجما المطلوب لتحديد ما إذا كانت الإشارة تمثل اكتشافًا، أم أنها مجرد تشويش.

ظهرت الإشارة في كل من التجربتين ATLA، وCMS بشكل مستقل، مكوَّنةً من أزواج فوتونات أكثر عددًا من المتوقع، بمجموع طاقة يبلغ 750 جيجا إلكترون فولت، وهو ما أعطى الفيزيائيين بعض الأمل بأنّ ما ظهر من بروز في رسوم البيانات كان له مدلول حقيقي؛ فأصدر باحثون من جميع أنحاء العالم أكثر من 500 ورقة بحثية، في محاولة لشرح الجسيم المحتمل.

تقول تارا شيرز، عالمة مختصة بفيزياء الجسيمات بجامعة ليفربول في المملكة المتحدة: "إن رؤية لمحة من شيء ما ـ حتى وإنْ كانت لمحة ناقصة تجعلك تحبس أنفاسك للحظة، وتتساءل «ماذا لو..؟» ـ لها أهمية كبيرة لا يمكن أن تُترك دون استكشاف".


قصة البروز الظاهر

كان الدافع وراء الحماس الحذِر المثار هو المردود المحتمَل للبروز الذي ظهر، حسب قول دون لينكولن، الفيزيائي بمختبر فيرمي الوطني لتسريع الجزيئات، بالقرب من باتافيا في إلينوي. إنّ النموذج القياسي غير مكتمل، إذ يفشل في تفسير ألغاز معينة، مثل لغز المادة المظلمة، ولا يمكنه التوفيق بين ميكانيكا الكَمّ، والجاذبية. وكان من شأن ظهور جسيم جديد أن يوجِّه الفيزيائيين نحو نظرية بديلة، على حد قول لينكولن.

كانت الإشارة مغرية؛ فالتحليل الذي نتجت عنه دقيق وبسيط نسبيًّا، كما يقول كريستوفر بيتيرسون، فيزيائي نظري بجامعة تشالمرز للتكنولوجيا في جوتنبرج في السويد. وباتت مسألة كون الجسيم شبيهًا أثقل وزنًا بجسيم بوزون هيجز أمرًا مغريًا أيضًا، حسب قول جيدو تونيلي، الفيزيائي بجامعة بيزا في إيطاليا، والرئيس السابق لتجربة CMS.

ورغم أن جميع النماذج تُعتبر الآن خاطئة، إلا أن محاولة تفسير البروز الذي ظهر في البيانات كانت أمرًا ممتعًا ومفيدًا، حسب قول بيترسون. ويقول لينكولن إن الذبذبات الإحصائية والاكتشافات تبدو في البداية متطابقة. ودائمًا ما تكون مثل تلك المصادفات ممكنة عند أداء آلاف الأبحاث على جسيمات بنطاق واسع من الكتل. وقد حدثت من قبل، وعلى الأرجح سوف تحدث مرة ثانية، كما يقول.


إلى الأمام

ومن جانبه، يقول بيترسون إن هذا الإنذار الخاطئ لا يؤثر على فرص مصادم الهدرونات الكبير في العثور على شيء آخر. وفي الوقت الراهن، يَسري العمل بالتجارب هناك كالمعتاد، بيد أنه لا يزال يلوح بعض القلق في الأفق، إذ إنه بعد مرور 40 عامًا على وضع النموذج القياسي، لم تعثر مسرعات الجسيمات ـ بما فيها مصادم الهدرونات الكبير ـ على أي شيء أبعد من ذلك.

يقول جاي ويلكينسون ـ الفيزيائي بجامعة أكسفورد في المملكة المتحدة ـ إن عدم انبثاق أي شيء مفاجئ من بيانات المصادم أمر غريب. ويحفِّز ذلك قلقًا متزايدًا في المجتمع.. فمع مرور الوقت، دون العثور على شيء جديد، يقل احتمال أن تكون إصدارات التناظر الفائق الأكثر إغراءً صحيحة، وهي التي يمكن القول إنها أكثر الطرق الواعدة لمدّ النموذج القياسي.

ويرى بيترسون أن فرص عثور مصادم الهدرونات الكبير على شيء جديد في العام الحالي والعام المقبل تزداد، بينما تقترب طاقة عمل المصادم من حدّها الأعلى، البالغ 14 تيرا إلكترون فولت. وإذا كانت الجسيمات الجديدة نادرة، أو إذا كانت تتحلل بطرق يصعب رصدها، فقد يستغرق ظهورها بعض الوقت، حسب قوله.

وتقول شيرز إن هناك طرقًا أخرى أيضًا للعثور على جسيمات جديدة. فمع توافر بيانات كافية، يمكن للجسيمات الثقيلة جدًّا ـ التي يصعب إنتاجها مباشرة ـ أن تُظْهِر نفسها عن طريق إحداث تأثيرات دقيقة على الجسيمات المعروفة جيدًا. وقد عثر فيزيائيون يعملون ضمن تجربة LHCb ـ التي تتم في المصادم أيضًا ـ على إشارات كتلك؛ لكنهم بحاجة إلى مزيد من المعلومات لتأكيدها.

يقول تونيلي: "نحن موقنون بالفعل مِن أنه عاجلًا أو آجلًا سينجح أحد هذه الأشياء غير العادية في أن ينجو من جميع تجارب التحكم.. وفجأة سيتغير كل شيء". ويضيف: "تكمن روعة ما نفعله في احتمال أن يحدث ذلك في أي وقت".