أنباء وآراء

جيـل الروبـوتـات المـرنـة

تَعَرَّف على الـ"أوكتوبوت".. أول روبوت مصنوع بالكامل من مواد مرنة. يمثل الـ "أوكتوبوت" ـ الذي يعمل من خلال تفاعل كيميائي، وتتحكم فيه دائرة منطقية مائعية ـ إيذانًا بميلاد جيل جديد من الروبوتات المرنة، التي قد تتفوق على نظيرتها التقليدية.

  • باربارا مازولاي
  • فيرجيليو ماتولي
  • Published online:

تُستخدم الروبوتات عادةً في سياق عمليات التصنيع التي تنطوي على بيئات جيدة التنظيم. تسمح لها تلك الظروف بالتحرك وفقًا لإجراءات محددة مسبقًا، مما يحدّ من تفاعلها مع العاملين من البشر لأسباب تتعلق بالسلامة، ولكن إذا ما نُقلت هذه الآلات إلى بيئات "حقيقية" خارج المصانع، سيتعين عليها التعامل مع أوضاع غير محددة، والتكيف مع ظروف متغيرة، والتصرف وفقًا لها، والتفاعل بأمان مع الكائنات الحية، بما في ذلك البشر1، وهي مشكلات يصعب حلها باستخدام التكنولوجيا التقليدية التي يُصنع فيها الروبوت من مواد صلبة. وستكون الروبوتات المصنوعة من مواد مرنة قابلة لإعادة التشكُّل2 أكثر قدرة على الإمساك بالأشياء غير المعروفة لها، والتعامل معها، والتحرك على تضاريس وعرة وغير منتظمة، وربما تكون أقل خطرًا على البشر. وفي بحث نُشر في دورية Nature، يقدم وينر وزملاؤه3 أول روبوت يستغني تمامًا عن الهياكل وأنظمة التحكم الصلبة.

وتمثل أجزاء الجسم المرنة أهمية كبيرة في عديد من الكائنات الحية في الطبيعة؛ فهناك حيوانات مثل الحبار، ونجم البحر، والديدان، تتكون بالكامل تقريبًا من مواد مرنة وسوائل، مما يزيد من قوتها وقدرتها على التكيف في بيئتها. ولذا ثمة اعتقاد متزايد بأن المواد المرنة قد تساعد تكنولوجيا تصنيع الروبوتات على التفوق على قدراتها الحالية، من خلال السماح للروبوتات بالاستطالة، والانضغاط، والتسلق، والنمو. فعلى سبيل المثال، يمكن لأذرع الروبوتات المرنة المستوحاة من الأخطبوط أن تستطيل4، ويمكن للروبوتات المرنة التي تحاكي اليسروع أن تتحرك حركة متموجة، وتقفز5.

في عام 2011، نُشرت6 تقارير عن محاولة بارزة لتطوير روبوت مرن البنية تمامًا على أيدي باحثين من المجموعة البحثية نفسها، التي يعمل بها وينر وزملاؤه. في تلك الحالة، كان الروبوت نفسه يتكون حصريًّا من مواد مرنة، ولكن تم استخدام نظام "مضخة وصمام" تقليدي؛ لتنفيذ (تفعيل) أنواع مختلفة من الحركة بالهواء المضغوط، وتم توصيل النظام بالروبوت عن طريق كابلات. ويعمل وينر وزملاؤه حاليًّا على دفع الحدود التكنولوجية لأبعد من ذلك؛ حيث لا تقتصر الأجزاء المرنة من الروبوت الجديد على جسم الروبوت ووحدات التشغيل فحسب، ولكن تمتد أيضًا لتشمل نظام التحكم، ومصدر الطاقة، اللذين تم دمجهما في الروبوت. وبهذا يكون هذا الروبوت هو أول روبوت مرن تمامًا يستطيع العمل بدون أن يكون مقيدًا بكابلات.

يمتلك الروبوت المصمَّم على شكل أخطبوط ـ الذي أَطلق عليه الباحثون اسم "أوكتوبوت" (الشكل 1) ـ ثمانية أذرع، يتم تحريكها من خلال آلية هوائية تعتمد في عملها على تمدد حجيرات مدمجة قابلة للنفخ، تعمل كمُشَغِّلات حركة، وتُدمَج مشغلات الحركة هذه في شبكة مائعية-هوائية تعمل بوقود سائل (محلول مائي من بيروكسيد الهيدروجين). يمر الوقود عبر حجيرات تفاعل تحتوي على محفز قائم على البلاتين، يؤدي إلى تحلل بيروكسيد الهيدروجين. ينتج عن هذا التحلل أكسجين مضغوط، يقوم بنفخ مشغلات الحركة، وبالتالي توليد حركة الذراع.

<p>الشكل 1 | "الأوكتوبوت": قام وينر وزملاؤه<sup><a href="#ref3">3</a></sup> بتصنيع روبوت على شكل أخطبوط، تم بناؤه بالكامل من مواد مرنة. يضم جسم الروبوت مصدرًا للطاقة يعمل بالوقود السائل، ونظامًا مائعيًّا يتحكم في النمط الدوري لحركة الأذرع. وتظهر في الصورة مشغلات الحركة، التي تتسبب في رفع الأذرع على شكل مستطيلات أرجوانية اللون. شريط مقياس الرسم: 10 ملم.</p>

الشكل 1 | "الأوكتوبوت": قام وينر وزملاؤه3 بتصنيع روبوت على شكل أخطبوط، تم بناؤه بالكامل من مواد مرنة. يضم جسم الروبوت مصدرًا للطاقة يعمل بالوقود السائل، ونظامًا مائعيًّا يتحكم في النمط الدوري لحركة الأذرع. وتظهر في الصورة مشغلات الحركة، التي تتسبب في رفع الأذرع على شكل مستطيلات أرجوانية اللون. شريط مقياس الرسم: 10 ملم.

L. K. Sanders, R. Truby, M. Wehner, R. Wood & J. Lewis/Harvard Univ.


يتحكم وينر وزملاؤه في تسلسل حركات أذرع الأوكتوبوت باستخدام دائرة مائعية مرنة تمامًا، قائمة على نظام من الصمامات التي تعمل كعناصر للبوابات المنطقية. تقوم الدائرة بتوليد ذبذبات تحوِّل تدفق الوقود المضغوط من غرفة تخزين الوقود إلى تدفق يتناوب بين حجيرات التفاعل المختلفة، إلى أن ينفد الوقود من النظام. ومن ثم، فإن الأوكتوبوت يكرر دورات من الحركة، يقوم فيها أولاً برفع أربعة أذرع، في حين يخفض الأربعة الأخرى، ثم العكس (انظر: go.nature.com/2b3cn3s). وجسم الروبوت بأكمله، بما في ذلك الدوائر المائعية، مصنوع من مواد قائمة على السيليكون، لها خصائص ميكانيكية مختلفة، مصمَّمة خصيصًا لتناسب المتطلبات الوظيفية لمختلف الأنظمة الفرعية.

يتطلب صنع روبوتات مرنة مستقلة تحقيق التكامل بين مواد ووظائف مختلفة، مثل أنظمة تشغيل الحركة، والإمداد بالطاقة، والمنطق. ويمثل الأوكتوبوت نظام الحد الأدنى الذي يوضح إمكانات هذا النهج. ولتحقيق التكامل المطلوب، استخدم وينر وزملاؤه مزيجًا من تقنيات التصنيع المتقدمة ـ بما في ذلك القولبة الدقيقة7، والطباعة الحجرية المرنة8، والطباعة ثلاثية الأبعاد المدمجة متعددة المواد9 ـ لإنتاج هياكل مطاطية مدمجة في القنوات المائعية، تمتد لعدة درجات كمية في مقاييس الطول. وعلى الرغم من تعقيدها الظاهري، فإن إمكانية تخصيص عملية التصنيع هذه حسب الطلب مَكَّنَت مؤلفي البحث من التحقق من صحة التعديلات على التصميم باستخدام أسلوب سريع يعتمد على التجربة والخطأ، بحيث أمكن التوصل إلى التصميم الأمثل للجهاز النهائي بسرعة.

إن استخدام وينر وزملائه لمواد مرنة وتشكيلات متصلة ـ انحناءات مستمرة للأذرع لتوليد الحركة، بدلاً من الحركة الناتجة عن هياكل صلبة متصلة ببعضها بواسطة مفاصل دورانية ـ يُمَهِّد الطريق لمزيد من التطورات العلمية والتكنولوجية. وتتمثل الخطوات التالية في تطوير أنظمة تحكُّم حاسوبية (مثل دوائر مائعية أكثر تعقيدًا) تسمح بنطاق أكبر من الحركات؛ وتحديد قواعد تصميم جديدة للروبوتات المرنة، واعتماد وتحسين تقنيات التصنيع.

ولا تزال هناك تحديات أخرى.. فعلى سبيل المثال، قد تكون القُوى التي يمكن للروبوتات المرنة أن تبذلها على البيئة محدودة، مما قد يحدّ من مجالات استخدامها. وإضافةً إلى ذلك، فإن استخدام الدوائر المنطقية المائعية كنُظُم تحكُّم، بدلاً من الإلكترونيات التقليدية، قد يحدّ من تعقيد السلوكيات التي يمكن توليدها. وهناك حاجة أيضًا إلى فهْمٍ أفضل لخصائص المواد المرنة، وكيفية تفاعلها مع أنظمة التحكم، ومع البيئة المحيطة؛ وذلك لإنتاج السلوك المطلوب من الروبوت في السياقات الواقعية10.

ورغم أن الروبوتات المرنة لا تزال في مهدها، فإنها تحمل وعودًا كبيرة لعدة تطبيقات، مثل خدمة وفحص الماكينات، وعمليات البحث والإنقاذ، وعمليات الاستكشاف. وقد تفتح الروبوتات المرنة أيضًا المجال لأساليب جديدة لتحسين الصحة وجودة الحياة. وقد أصبحت المناظير المرنة ـ التي تسمح بالانثناء والاستطالة في جميع الاتجاهات، وكذلك بتَصَلُّب يمكن التحكم فيه ـ أمرًا واقعًا بالفعل11، وكذلك الأجهزة التقويمية المرنة والمستخدَمة في إعادة تأهيل الكاحل والقَدَم12. وقد تساعد النتائج التي توصل إليها وينر وزملاؤه على توجيه الأبحاث في هذه الاتجاهات، ومن ثم الإسهام في تشييد أركان المعرفة التي سيرتكز عليها الصرح العلمي لهذا المجال الجديد.

  1. Pfeifer, R., Lungarella, M. & Iida, F. Science 318, 1088–1093 (2007).
  2. Rus, D. & Tolley, M. T. Nature 521, 467–475 (2015).
  3. Wehner, M. et al. Nature 536, 451–455 (2016).
  4. Mazzolai, B., Margheri, L., Cianchetti, M., Dario, P. & Lasch, C. Bioinspir. Biomim. 7, 025005 (2012).
  5. Lin, H.-T., Leisk, G. G. & Trimmer, B. Bioinspir. Biomim. 6, 026007 (2011).
  6. Shepherd, R. F. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 108, 20400–20403 (2011).
  7. Heckele, M. & Schomburg, W. K. J. Micromech. Microeng. 14, R1–R14 (2004)
  8. Qin, D., Xia, Y. & Whitesides, G. M. Nature Protocols 5, 491–502 (2010).
  9. Wu, W., DeConinck, A. & Lewis, J. A. Adv. Mater. 23, H178–H183 (2011).
  10. Paul, C. Robot. Auton. Syst. 54, 619–630 (2006).
  11. Ranzani, T., Gerboni, G., Cianchetti, M. & Menciassi, A. Bioinspir. Biomim. 10, 035008 (2015).
  12. Park, Y.-L. et al. Bioinspir. Biomim. 9, 016007 (2014).