أنباء وآراء

الموقع النشط المراوِغ..في دائرة الضوء

من شأن التعرف على الموقع النشط الخاص بالعامل الحفاز الذي يحتوي على الحديد أن يُحْيِي الآمال في تصميم عوامل حفازة عملية، يمكن استخدامها في درجة حرارة الغرفة؛ لتحويل الميثان إلى الميثانول، الذي قد يُستخدم كوقود للمَرْكَبات.

جاي إيه.لابينجر
  • Published online:

في بحث نشروه مؤخرًا، وصف شنايدر وزملاؤه1 كيف تغلبوا على اثنين من أصعب التحديات في مجال التحفيز الكيميائي باستخدام طرق أكثر شيوعًا في دراسة الإنزيمات المحتوية على المعادن. يكمن التحدي الأول في كيفية تحديد الموقع النشط الخاص بالعامل الحفاز غير المتجانس ـ وهو مادة صلبة تستطيع أن تسرع التفاعلات بين الأنواع الكيميائية في الطور الغازي، أو الحالة السائلة ـ من بين مجموعة من المواقع المحتملة،وتحديد بنيته. أما التحدي الثاني الأكثر تحديدًا، فيتمثل في كيفية تصميم عملية فعالة وانتقائية لتحويل الميثان ـ المكون الأساسي في الغاز الطبيعي ـ إلى منتج ذي قيمة أكبر. يجمع النهج الذي يقترحه المؤلفون بين تقنيات طيفية قوية، والنمذجة الحاسوبية، منتِجًا صورة مفصلة للموقع التحفيزي المسؤول ـ على الأرجح ـ عن تنشيط الميثان؛ ليتسنى له التفاعل في درجة حرارة الغرفة.

هناك اهتمام كبير بتحويل الميثان إلى أنواع أخرى من الوقود السائل ذات فائدة أكبر، كالميثانول مثلًا، إلا أنه من المعروف عن الميثان أنه لا يتفاعل بسهولة، ومعظم عمليات تحوله إلى مواد أخرى تحتاج إلى ظروف معينة، كدرجات الحرارة العالية مثلًا، التي تكون غير مرغوب فيها لإنتاج المنتَج المطلوب بشكل انتقائي. ويبرز أحد الاستثناءات النادرة في الكائنات المجهرية، إذ تَستخدِم أنواعٌ من البكتيريا الميثانَ كمصدر للكربون والطاقة، عن طريق تحويله أولًا إلى الميثانول، باستخدام إنزيمات تُعرف باسم أحادي أكسيجينيز الميثان (MMOs).

في عام 1997، كَشَف بحث علمي عن هيكل يحتوي على الحديد، يمكن إنتاجه في بعض أنواع الزيوليت2 من أجل تحويل الميثان إلى الميثانول، حتى في درجة حرارة الغرفة (الشكل 1). والزيوليت هو مادة بلورية تحتوي على صفوف منتظمة من المسامات التي يمكنها استضافة المواقع النشطة للعوامل الحفازة. وأحد الجوانب المثيرة للاهتمام في هذا الاكتشاف هو أن الأنواع القابلة للذوبان من إنزيم MMO مبنية على الحديد هي الأخرى، كما أنها تحتوي على مراكز ثنائية المعدن من أكسيد الحديدوز (Fe2O2) في مواقعها النشطة3.

<p>الشكل 1 | <b>تحويل الميثان إلى الميثانول في درجة حرارة الغرفة</b>. هيكل يحتوي على الحديد<sup><a href="#ref2">2</a></sup>، يُدعى (α-Fe(<sub>II</sub>، يقوم بتحويل الميثان (CH<sub>4</sub>) إلى الميثانول (CH<sub>3</sub>OH)، ويمكن إنتاجه في مادة بلورية ذات مسام دقيقة تُسمى الزيوليت. تؤدي معالجة (α-Fe(<sub>II</sub> بأكسيد النيتروز (N<sub>2</sub>O) عند 250 درجة مئوية إلى إنتاج α-O، الذي يحتوي على نوع من الأكسجين عالي التفاعل (الذرة الحمراء، الآتية في الأصل من أكسيد النيتروز) يستطيع بسهولة أن يزيل ذرة هيدروجين من الميثان عند 25 درجة مئوية. ويترابط جذر الميثيل الناتج (.CH<sub>3</sub>) مع الأكسجين؛ لينتج نوعًا مرتبطًا من الميثانول، يمكن استخلاصه بعد ذلك من الزيوليت باستخدام الماء. يذكر شنايدر وزملاؤه<sup><a href="#ref1">1</a></sup> أن ذرّة الحديد الموجودة في (α-Fe(<sub>II</sub> هي جزء من شكل هندسي مربع مستوي في حلقة من الذرات في الزيوليت؛ وتظهر تلك الذرات حول ذرة الحديد في (α-Fe(<sub>II</sub>، لكنها لا تظهر في البِنَى الأخرى التي تحتوي على الحديد. وFe هو رمز الحديد، وSi هو رمز السيليكون، بينما Al هو رمز الألومنيوم.</p>

الشكل 1 | تحويل الميثان إلى الميثانول في درجة حرارة الغرفة. هيكل يحتوي على الحديد2، يُدعى (α-Fe(II، يقوم بتحويل الميثان (CH4) إلى الميثانول (CH3OH)، ويمكن إنتاجه في مادة بلورية ذات مسام دقيقة تُسمى الزيوليت. تؤدي معالجة (α-Fe(II بأكسيد النيتروز (N2O) عند 250 درجة مئوية إلى إنتاج α-O، الذي يحتوي على نوع من الأكسجين عالي التفاعل (الذرة الحمراء، الآتية في الأصل من أكسيد النيتروز) يستطيع بسهولة أن يزيل ذرة هيدروجين من الميثان عند 25 درجة مئوية. ويترابط جذر الميثيل الناتج (.CH3) مع الأكسجين؛ لينتج نوعًا مرتبطًا من الميثانول، يمكن استخلاصه بعد ذلك من الزيوليت باستخدام الماء. يذكر شنايدر وزملاؤه1 أن ذرّة الحديد الموجودة في (α-Fe(II هي جزء من شكل هندسي مربع مستوي في حلقة من الذرات في الزيوليت؛ وتظهر تلك الذرات حول ذرة الحديد في (α-Fe(II، لكنها لا تظهر في البِنَى الأخرى التي تحتوي على الحديد. وFe هو رمز الحديد، وSi هو رمز السيليكون، بينما Al هو رمز الألومنيوم.


وباستخدام مجموعة متنوعة من التقنيات الطيفية، أشارت عدة مجموعات بحثية5،4 إلى أن أنواع الحديد الموجودة في نظام الزيوليت هذا تحتوي على هيكل مماثل ثنائي المعدن، يعرف بمركز (α-Fe(II، إلا أن مثل هذه الدراسات يصيبها بعض التعقيد، بسبب الطبيعة غير المتجانسة للعوامل الحفازة غير المتجانسة؛ إذ يصعب تحديد ما إذا كان ملمح طيفي محدد يشير إلى الموقع النشط الفعلي، أم لا، وليس انعكاسًا لموقع "متفرج" خامل، أو نتاجًا غير واضح المعالم لمتوسط الموقعين. استطاع شنايدر وزملاؤه أن يقترحوا هيكلًا مختلفًا جدًّا لمركز (α-Fe(II، من خلال تفسيرهم للنتائج باستخدام مجموعة من الأساليب.

وكخطوة أولى، قام المؤلفون بمراقبة التغيرات في الطيف الضوئي للزيوليت المحتوي على الحديد أثناء تمرير المادة عبر المراحل العديدة للتفاعل المنتِج للميثانول. وقد سَمح لهم ذلك بربط قمم طيفية محددة بالحالات التفاعلية لنوع الحديد (α-Fe(II، وللنوع الوسيط α-O،الذي يتكون أثناء التفاعل، ومن ثم تمكنوا من التعرف على الملامح المقابلة في الطيف الذي حصلوا عليه من خلال قياس ازدواج اللون الدائري المغناطيسي (MCD)، وهو قياس عالي الحساسية للبنية الجزيئية والإلكترونية لمراكز المعادن الانتقالية، مثل الحديد. وبمقارنة المؤشرات التي تم تحديدها بواسطة قياس MCD ـ ومدى اعتمادها على درجة الحرارة، وقوة المجال المغناطيسي ـ مع تلك الخاصة بالمركبات النموذجية التي تمت دراسة بنيتها بصورة دقيقة، خلص المؤلفون إلى أن البنية الأكثر ترجيحًا لنوع الحديد (α-Fe(II تحتوي على مركز حديدي أحادي المعدن، نادر جدًّا، له شكل مربع مستوي (الشكل 1). أما α-O، فهو شكل هرمي رباعي القاعدة من المركب Fe(IV)=O؛ ينتج عن ارتباط ذرة أكسجين بقمة الهيكل ذي الشكل المربع المستوي.

من خلال مطيافية "موسباور" Mössbauer ـ وهي تقنية أخرى، تُستخدم عادة في مجال الكيمياء غير العضوية الحيوية؛ للتعرف على مراكز الحديد ـ وإلى جانب النتائج الحاسوبية، تم تدعيم ما توصل إليه شنايدر وزملاؤه. وكما حدث في الدراسة السابقة4، نتج عن مطيافية "موسباور" عند استخدامها على مركبات الزيوليت المحتوية على الحديد تَراكُب عدد من الإشارات؛ ما قد يشكل مشكلة، إذ قد يصعب إيجاد أساس منطقي للربط بين الإشارات المختلفة، وأنواع معدنية محددة. ولحسن الحظ، تمكَّن شنايدر وزملاؤه من الربط بين شدة الإشارات الأكبر، وتركيز الأنواع النشطة نسبيًّا بصورة دقيقة؛ كما يتضح من كمية المنتَج الذي تم الحصول عليه بنهاية التفاعل. ويمنحنا ذلك مزيدًا من الثقة بأن المؤلفين قد حددوا البِنَى الكيميائية للمراكز النشطة بشكل صحيح، كما يساعد في إظهار قدرة هذا النهج المطيافي متعدد الأوجه في التعرف على العوامل الحفازة غير المتجانسة.

وينبغي علينا أن ننتبه إلى أن النظام قيد الدراسة مناسب للنهج الذي استخدمه المؤلفون تحديدًا، دون غيره؛ وذلك لسبيين: أولًا، يحتوي الموقع النشط على جزء كبير من إجمالي كمية أنواع الحديد الموجودة في الزيوليت، بنسبة تقارب 80%، أو أكثر. وثانيًا، يمكن إجراء كل خطوة من خطوات التفاعل على حده، إذ إنّ كلًّا منها يحدث تحت ظروف مختلفة، الأمر الذي يسمح بالربط ما بين هذه الخطوات والتغيرات المطيافية التي تنتج عنها. وأحد هذين الأمرين ـ أو كلاهما ـ لا ينطبق ـ على الأرجح ـ على باقي أنظمة التحفيز غير المتجانس المثيرة للاهتمام.

إن هيكل (α-Fe(II المقترح يرضي علماء الكيمياء، إذ إنه من المنطقي أن ترتبط الفعالية غير المعتادة لهذا النوع (التي تظهر في كسر الروابط ما بين ذرتي الكربون والهيدروجين في الميثان عند درجات الحرارة المنخفضة) بهيكل غير عادي (إذ من النادر أن تُوجَد مراكز (Fe(II في شكل مربع مستوي. ويرى المؤلفون أن هذه البنية تفرضها بيئة الزيوليت الصلبة، بما يشبه الطريقة التي تجبر بها البروتينات المواقع النشطة في الإنزيمات المحتوية على معادن على اتخاذ أشكال هندسية غير عادية6. كما أن اختلاف هذه البنية تمامًا عن نظيرتها في مراكز الحديد في إنزيمات MMO، برغم تشابه فعاليتهما، أمر مشجع؛ إذ يشير إلى أنه بمقدور أنواع متباينة من الحديد أن تحل معضلةتحويل الميثان إلى الميثانول.

وبرغم ذلك، لا يمكن النظر إلى منظومة الزيوليت والحديد تلك على أنها فعليًّا تحفِّز عملية تحويل الميثان؛ بل هي لا تُعتبر عامل حفّاز أصلًا.. فالخطوات المختلفة في هذا التفاعل تتطلب كل واحدة منها ظروفًا مختلفةً تمامًا.ولا تكتمل دورة التفاعل ـ بما في ذلك إطلاق المنتج من الزيوليت ـ إلا بإضافة خطوة إزالة، ما يخفِّض من معدَّل عملية تحوُّل الميثان إلى مستويات غير عملية.

إضافة إلى ما سبق، وبرغم نجاح الزيوليت المحتوي على الحديد في تنشيط الميثان وتفاعله، إلا أن هذه الخطوة ليست ـ بأي حال من الأحوال ـ الشرط الأساسي لإتمام عملية تحوُّل الميثان، ولا هي بالخطوة الأصعب. إن الجانب الديناميكي الحراري والجانب الحركي لهذه التفاعلات يجعلان من الصعب جدًّا أكسدة الميثان بصورة انتقائية، وتحويله إلى الميثانول، من دون حدوث أكسدة إضافية تحوِّله إلى ثاني أكسيد الكربون في نهاية المطاف7. في الزيوليت، يحدث الأمر بشكل انتقائي، بسبب إحكام وثاق الميثانول في المركز النشط، وتثبيته، ما يمنعه من التعرض للأكسدة الإضافية في موقع آخر في الزيوليت، إلا أن ذلك يتسبب أيضًا في الحدّ من معدل عمليات تحول الميثان؛ ليبقى عند معدلات منخفضة جدًّا. كما أن تشغيل هذا النظام بالشكل الحفاز فعليًّا سوف يعرِّض الميثانول لمزيد من الأكسدة، الأمر الذي سوف يقضي غالبًا على الانتقائية في الأمر، كما ظهر8 حين استُخدم الزيوليت عند درجات حرارة مرتفعة (تفوق 200 درجة مئوية)، لكن يظل ما توصَّل إليه شنايدر وزملاؤه يقدِّم معلومات مهمة قد تساعد في تصميم عوامل حفازة لعملية تحويل الميثان إلى الميثانول؛ وهي عملية مرغوبة جدًّا.

  1. Snyder, B. E. R. et al. Nature 536, 317–321 (2016).
  2. Snyder, B. E. R. et al. Nature 536, 317–321 (2016).
  3. Shu, L. et al. Science 275, 515–518 (1997).
  4. Dubkov, K. A., Ovanesyan, N. S., Shteinman, A. A., Starokon, E. V. & Panov, G. I. J. Catal. 207, 341–352 (2002).
  5. Xia, H. et al. J. Phys. Chem. C 112, 9001–9005 (2008).
  6. Vallee, B. L. & Williams, R. J. Proc. Natl Acad. Sci. USA 59, 498505 (1968).
  7. Labinger, J. A. J. Mol. Catal. A 220, 27–35 (2004).
  8. Parfenov, M. V., Starokon, E. V., Pirutko, L. V. & Panov, G. I. J. Catal. 318, 14–21 (2014).