تحقيق إخباري

محيط من البلاستيك

يدرك العلماء أن ثمة كمية هائلة من البلاستيك في المحيطات، ولكنهم لا يعرفون جميع أماكن وجودها، ولا كيف تبدو، ولا الأضرار التي تُسَبِّبها.

دانْيِل كريسي
  • Published online:

شاطئ كاميلو، الذي يمتد على طرف جزيرة هاواي الكبرى، هو شاطئ استوائي بعيد، يمتاز برماله البيضاء، وأمواجه القوية، ولا يمكن الوصول إليه عن طريق البر. إنه ـ في الواقع ـ يتميز بالكثير من الصفات التي تجعل منه الشاطئ الاستوائي المثالي، ولكنْ ثمة أمر واحد لا يمكن التغاضي عنه.. إنه مغطَّى عادةً بسجادة من المخلفات البلاستيكية.

زجاجات بلاستيكية، وشِبَاك صيد، وحبال، وأحذية، وفُرَش أسنان من بين أطنان النفايات التي تجرفها الأمواج إلى هنا، وذلك بفضل مزيج من التيارات المحيطية والدوامات المحلية. وقد أفادت دراسة أُجريت في عام 2011 أن طبقة الرمل السطحية قد تحتوي على ما يصل إلى 30% من وزنها1 من المواد البلاستيكية. وقد أصبح ذلك الشاطئ يُعرف بأنه أقذر شاطئ في العالم، ويُعَدّ دليلًا واضحًا ومروعًا على مقدار المخلفات البلاستيكية التي يلقيها البشر في محيطات العالم.

في كل بيئة بحرية درسها العلماء، من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي، ومن السطح إلى الرواسب، وجدوا مخلفات بلاستيكية. المخلفات الأخرى التي يتسبب فيها البشر تتعفن، أو تتحلل؛ فتتلاشى، ولكن البلاستيك يمكن أن يستمر لسنوات، مما يتسبب في قتل الكائنات البحرية، وتلويث البيئة، وإفساد السواحل. ووفقًا لبعض التقديرات، يشكل البلاستيك 50 إلى 80% من المخلفات الموجودة في المحيطات. وتقول كارا لافندر لو، عالمة المحيطات في جمعية التوعية البحرية في وودز هول بولاية ماساتشوستس: "ثمة أماكن لا تجد فيها مخلفات بلاستيكية، لكنْ من حيث المسطحات البحرية المختلفة؛  وجدنا بلاستيك في جميعها. إننا نعلم جيدًا أنه منتشر بشدة".

تنقل الصحف الكثير من الأخبار عن "رقعة قمامة المحيط الهادئ العظمى"، وهي منطقة في وسط المحيط الهادئ، تتراكم فيها جسيمات البلاستيك، حيث يقوم متطوعون بالمشارَكة في عمليات تنظيف الشواطئ في جميع أنحاء العالم. ويتخلّف البحث العلمي عن تَحَرِّي القلق الشعبي إلى حد كبير؛ فلا يزال العلماء يجاهدون للإجابة على الأسئلة الأساسية، من قبيل: ما هي كمية البلاستيك الموجودة في المحيطات، وأين توجد، وما أشكالها، وما الأضرار التي تسبِّبها. ويرجع هذا إلى حقيقة أن البحث العلمي في البحار والمحيطات أمر صعب، وباهظ التكلفة، ويستغرق الكثير من الوقت. فمِن الصعب إجراء مسح شامل للمحيطات الشاسعة، بحثًا عن الأجزاء البلاستيكية الصغيرة ـ التي تكون دقيقة الحجم في بعض الأحيان ـ وقلة من الباحثين فقط هم مَن جعلوا من هذه المهمة عملهم الأساسي.

وقد بدأ الاهتمام يزداد في الوقت الراهن. يقول ماركوس إريكسن، مدير البحوث والمؤسس المشارك لمعهد «فايف جايرز» في سانتا مونيكا بكاليفورنيا، الذي يعمل على مكافحة التلوث بالبلاستيك: "لقد نُشرت في السنوات الأربع الأخيرة أبحاث ودراسات أكثر من كل ما نُشر في العقود الأربعة السابقة". ويدرك العلماء ودعاة حماية البيئة أن هناك الكثير مما يجب عمله. وفي مايو الماضي، أصدر برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) قرارًا في الاجتماع الذي عُقِد في نيروبي، ينص على أن "وجود النفايات البلاستيكية والجسيمات البلاستيكية الدقيقة في البيئة البحرية مسألة خطيرة، تتزايد بخطى سريعة، وتحظى باهتمام عالمي، وتحتاج إلى استجابة عالمية عاجلة".


مِن أين تأتي المخلفات البلاستيكية؟

في عام 2014، رفع فريق من الحديقة البحرية التي تحمل اسم «النصب التذكاري القومي البحري الأمريكي» Papahānaumokuākea ـ التي تقع قبالة الساحل الشمالي الغربي لهاواي ـ شبكة صيد من المسطح المائي، وزنها 11 طنًّا ونصف طن، أي ما يعادل وزن إحدى حافلات لندن تقريبًا. ويُعتقد أن الشِّبَاك وغيرها من معدات الصيد التي فُقدت أو أُلقيت في البحر تشكل جزءًا كبيرًا من المخلفات البلاستيكية في البحار. ويشير أحد تقديرات2 برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن معدات الصيد "المفقودة" هذه تشكِّل 10% من مجموع النفايات البحرية، أو حوالي 640 ألف طن. وهناك ما هو أكثر من ذلك بكثير؛ فالإنتاج العالمي من البلاستيك يزداد كل عام، ويصل الآن إلى حوالي 300 مليون طن، وهناك جزء كبير منه ينتهي به الحال في المحيطات. فالنفايات البلاستيكية تُترك على الشواطئ، وتطير الأكياس البلاستيكية إلى البحر، ويمكن للكميات الهائلة من البلاستيك التي تُلقى في أماكن دفن النفايات أن تنجرف، أو تحركها الرياح بسهولة، إذا لم يتم التعامل مع هذه المواقع وإدارتها بصورة مناسبة. وثمة مصادر أخرى أقل وضوحًا، مثل الإطارات المهترئة، حيث إنها تترك شذرات صغيرة على الطرق، ثم تنتقل إلى المصارف، ومنها إلى المحيطات.

في بحث أُجري عام 2014، قام إريكسن وفريقه البحثي بتحليل بيانات عن الأصناف التي عُثِر عليها في سلسلة من الحملات في مختلف محيطات العالم، وقدّروا أنه، وفقًا للوزن، فإن 87% من قِطَع البلاستيك العائمة حجمها أكبر من 4.75 ملم3. وشملت القائمة عوامات، وشرائط، وشِبَاكًا، ودلاءً، وزجاجات، وأكياسًا (انظر: «بحر من البلاستيك»)، ولكن عندما أُحصيت القطع عددًا؛ شَكَّلت القطع البلاستيكية الكبيرة 7% فقط من إجمالي النفايات. يتفتت الكثير من المواد البلاستيكية بفعل أشعة الشمس الحادة، وهجمات الأمواج، حتى تصل في نهاية المطاف إلى أحجام دقيقة، وهناك مواد بلاستيكية أخرى تكون صغيرة الحجم أصلًا، مثل «الميكروبيدات»، التي تضاف إلى منتجات فَرْك الوجه «سكراب»، وغيرها من مستحضرات التجميل، التي تنتقل إلى المصارف بدورها.

تَزَايَد القلق حول الجسيمات البلاستيكية الدقيقة هذه منذ عام 2004، عندما قام ريتشارد تومبسون ـ الذي يُجْرِي أبحاثًا عن النفايات البلاستيكية في المحيطات في جامعة بليموث في المملكة المتحدة ـ بصياغة هذا المصطلح، (وكثيرًا ما يُستخدم الآن للإشارة إلى القِطَع التي يقل قطرها عن 5 ملِّيمترات). وقد وجد فريقه جسيمات بلاستيكية دقيقة في معظم العينات المأخوذة من 18 شاطئًا من الشواطئ البريطانية، وكذلك في عينات العوالق التي جُمعت من بحر الشمال من تاريخ يعود إلى ستينات القرن العشرين4. ومنذ ذلك الحين، ارتفع عدد الأبحاث التي تستخدم هذا المصطلح ارتفاعًا ملحوظًا، ويحاول الباحثون الإجابة على أسئلة تتراوح بين مدى سُمِّيَّة هذه المواد، إلى كيفية توزيعها في جميع أنحاء العالم.


كم تبلغ كميتها؟

إذا كان مسح المحيطات بحثًا عن البلاستيك مكلفًا وصعبًا على السطح، فإنه أكثر صعوبة في الأعماق؛ حيث يفتقر الباحثون إلى عيِّنات من مناطق كثيرة جدًّا من أعماق البحار، لم تُسْبَر أغوارها على الإطلاق. وحتى إذا ما تمكنوا من مسح كل هذه المناطق، فالتركيز سيكون خفيفًا إلى درجة تستدعي اختبار كميات ضخمة من المياه؛ للحصول على نتائج موثوقة. ومن ثم، فإنهم مضطرون ـ بدلًا من ذلك ـ للاعتماد على التقديرات والاستقراء.

وفي بحث نُشر في العام الماضي، قام فريق بحثي تقوده جِنا جامبيك ـ التي تُجْرِي أبحاثًا في إدارة النفايات في جامعة جورجيا في أثينا ـ بتقدير كمية النفايات التي تصدر عن البلدان والأقاليم الساحلية، وكمية البلاستيك التي قد تشملها، وينتهي بها المطاف في المحيط5. وتوصل الفريق إلى رقم يتراوح بين 4.8 مليون، و12.7 مليون طن سنويًّا، وهو ما يعادل تقريبًا 500 مليار زجاجة مشروبات بلاستيكية. ولم تتضمن تلك التقديرات البلاستيك الذي يُفقد، أو الذي يتم التخلص منه في البحر، وجميع كميات البلاستيك الموجودة بالفعل هناك.

ولفَهْم هذا الأمر، اتجه بعض الباحثين للصيد بالشِّباك، واستخدموا شِبَاكًا دقيقة؛ ليروا ما الذي يمكنهم اصطياده من البلاستيك. وفي العام الماضي، نشر عالِم المحيطات إريك فان سيبيل ـ من إمبريال كوليدج لندن ـ وزملاؤه واحدة من أكبر مجموعات البيانات من هذا النوع6. وقد جمعوا معلومات مستمدة من 11.854 شبكة صيد، من كل المحيطات، باستثناء القطب الشمالي؛ لإنتاج "قائمة عالمية" بقِطَع البلاستيك الصغيرة العائمة على السطح، أو بالقرب منه.

وقد قَدَّروا في عام 2014 أن هناك ما بين 15 ـ 51 تريليون قطعة من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة عائمة في المحيطات، ويتراوح وزنها الإجمالي من 93 ـ 236 ألف طن. وهذه الأرقام تضع العلماء أمام مشكلة، فهذا التقدير لإجمالي البلاستيك الموجود على السطح ليس إلا جزءًا صغيرًا من الكمية التي قَدَّرت جامبيك أنها تصل إلى المحيطات كل عام، فأين الكمية المتبقية؟ تجيب جامبيك: "هذا هو السؤال الكبير، وهو سؤال شديد الصعوبة".

يحاول الباحثون التوصل إلى إجابات لهذا السؤال، فتعمل جامبيك الآن بمساعدة تطبيق على الهاتف المحمول، يُدعى Marine Debris Tracker، أو «متتبع المخلفات البحرية»، الذي يوفر وسيلة لتجميع كميات هائلة من البيانات؛ حيث يرسل مستخدمو التطبيق معلومات عن النفايات التي يجدونها في طريقهم. كما أنها تعمل أيضًا على مشروع لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة؛ لبناء قاعدة بيانات عالمية لمشروعات المخلفات البحرية.


أين توجد هذه المخلفات؟

أدَّى عدم تطابق تقديرات كميات البلاستيك التي تصل إلى المحيطات، والكمية التي تم رصدها بالفعل إلى ظهور ما يُعرف باسم مشكلة "البلاستيك المفقود". ويضاف إلى ذلك اللغز أن البيانات الواردة من بعض المواقع لا تظهر فيها زيادة ملموسة في تركيز البلاستيك خلال السنوات الأخيرة، على الرغم من أن الإنتاج العالمي منه في ارتفاع متواصل.

انْصَبّ الاهتمام العام على رقعة قمامة المحيط الهادئ العظمى، حيث يتجمع البلاستيك بفضل تيار محيطي يُدعى "الدوامة المحيطية"، غير أن الاسم "رقعة قمامة المحيط الهادئ العظمى" ـ في حد ذاته ـ اسم مغلوط إلى حد ما؛ فمَنْ يذهب إلى هناك لن يجد أكوامًا من القمامة البحرية. وقد أشارت دراسة أجريت عام 2001 إلى وجود 334.271 قطعة من البلاستيك في الكيلومتر المربع الواحد في تلك الدوامة7، وهذه أكبر حصيلة سُجلت في المحيط الهادئ، ولكنها لا تزال تعني وجود عدد صغير في كل ثلاثة أمتار مربعة.

وتشير النمذجة التي وضعها فان سيبيل وزملاؤه إلى أن التركيزات قد تكون أعلى بعدة درجات أُسِّيَّة في رقعة قمامة المحيط الهادئ العظمى، والمنطقة المماثلة لها في شمال المحيط الأطلنطي، مقارنة بالأماكن الأخرى، ولكن البلاستيك الموجود هنا تم احتسابه خلال عمليات المسح المختلفة، بينما كميات البلاستيك المفقودة هي بطبيعة الحال مفقودة، ولذلك فهي في مكان آخر.

بعض هذه الكميات المفقودة يرقد على الأرجح في قيعان المحيطات. وثمة أنواع معينة من البلاستيك تغوص إلى القاع، وحتى تلك التي تبدأ طافية يمكن أن تغطيها كائنات بحرية، وتغوص إلى الأسفل في نهاية المطاف. وقد أظهر عمل تومبسون أن هناك جسيمات بلاستيكية دقيقة في الرواسب في أعماق المحيطات؛ وهي منطقة لم تحظ بدراسة كافية، ويمكن أن تخفِي بعضًا من ملايين الأطنان المفقودة8. كما تعثر العربات الآلية التي تدار عن بُعْد بانتظام على أجسام بلاستيكية كبيرة الحجم بين القمامة الغارقة في أعمق الخنادق المحيطية.

وقد ينتهي المقام بجزء كبير من بلاستيك المحيطات على الشواطئ، كما يُكشَف اللثام باستمرار عن بعض قطع البلاستيك الأخرى "الغارقة". وفي عام 2014، شارك تومبسون في تأليف ورقة بحثية تشير إلى أن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة قد تراكمت في جليد المحيط القطبي الشمالي بتركيزات أعلى بعدة درجات أُسِّيَّة من تلك الموجودة حتى في المياه السطحية شديدة التلوث9. وتقول لافندر لو: "لدينا الكثير من التخمينات التي تستند إلى معلومات ودراسات" حول أماكن وجود البلاستيك المفقود، "لكن في رأيي، ليس لدينا إجابة محددة على هذا السؤال".

أخذ تومبسون وغيره الآن الدراسة في هذا الشأن إلى أبعد من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة، وهي جسيمات البلاستيك النانوية، أي تلك التي يقل حجمها عن 100 نانومتر. يقول تومبسون: "يَجري حاليًّا تصنيع جسيمات البلاستيك نانوية الحجم، ولذا.. فعلى الأرجح أن بعضها يتسرب إلى البيئة. هذا بالإضافة إلى تفتت القِطَع الأكبر"، بيد أن جسيمات البلاستيك النانوية أثبتت صعوبة دراستها؛ فوفقًا لما يقوله تومبسون، يَستخدِم الباحثون عادةً نوعًا من التحليل الطيفي؛ للتأكد من أن الأجزاء التي حصلوا عليها من المحيطات مصنوعة من البلاستيك، ولكن هذه الطريقة ليست فعالة مع القطع الأصغر من 10 ميكرومترات تقريبًا. ويأمل تومبسون في معرفة المزيد في إطار المشروع الذي تموِّله حكومة المملكة المتحدة، والذي يطلق عليه «ريل ريسك نانو» RealRiskNano، والذي سيدرس مصادر هذه الأجزاء متناهية الصغر، ومساراتها إلى البيئة. ويعلِّق تومبسون قائلًا: "لن يدهشني التأكد من وجودها فعلًا، ولكن في الوقت الراهن يصعب اكتشافها من العينات البيئية".


ما هي أضرارها؟

يدرك الباحثون أن المخلفات البلاستيكية في البحار والمحيطات يمكنها إلحاق الأذى بالحيوانات البحرية. فقد أَسَرَت معدات الصيد المفقودة وقتلت مئات الكائنات الحيوانية، من السلاحف إلى عجول البحر، وحتى الطيور. كما تبتلع كائنات بحرية عديدة قِطَعًا من البلاستيك، قد تتراكم في جهازها الهضمي. ووفقًا لأحد الأرقام، التي كثيرًا ما يُستشهد بها، فإن حوالي 90% من طيور الفُلمار البحرية النافقة التي تلقيها الأمواج على شواطئ بحر الشمال كانت أمعاؤها تحتوي على البلاستيك، ولكن ما لا نعرفه يقينًا هو ما إذا كان هذا التلوث ذا تأثيرات كبيرة على جماعات الكائنات البحرية، أم لا.

«يتعيَّن علينا إيقاف هذا التلوث في محطات المعالجة، وفي مدافن النفايات. هذه هي المرحلة التي يجب أن نتدخل فيها».

وقد أثبتت الأبحاث المعملية سُمِّيَّة الجسيمات البلاستيكية الدقيقة، غير أن هذه الأبحاث غالبًا ما تَستخدِم تركيزات أعلى بكثير من تلك الموجودة في المحيطات، ولكن في شهر فبراير من هذا العام، نشر أرنو هوفيت ـ الذي يدرس اللافقاريات في الوكالة الوطنية الفرنسية للأبحاث البحرية (IFREMER) في بلوزان ـ عملًا قام فيه بتعريض محار المحيط الهادئ للجسيمات البلاستيكية الدقيقة بتركيزات مماثلة لتلك الموجودة في الترسبات التي تعيش فيها هذه الكائنات. ووجد أن الحيوانات التي تعيش في المياه التي بها تركيزات بلاستيك أنتجت بويضات وحيوانات منوية أقل جودة، كما أنتجت يرقات أقل بنسبة 41% مقارنةً بتلك الموجودة في مجموعة التحكم المستخدمة في التجربة10. وكانت تلك واحدة من أولى الدراسات التي تثبت وجود صلة مباشرة بين البلاستيك ومشكلات الخصوبة. ويعلِّق فان سيبيل قائلًا: "لقد تَرَكَتْ هذه الدراسة أثرًا كبيرًا".

وكذلك فعلت دراسة أجراها في شهر يونيو كل من أونا لونشتيد، وبيتر إيكلوف، المختصَّيْن في دراسة علم بيئة السَّمَك، التي قاما فيها بتعريض يرقات سَمَك الفرخ إلى تركيزات "مناسبة بيئيًّا" من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة. وقد أكلت اليرقاتُ البلاستيك، بل وبدا أنها تفضِّله حتى عن الطعام الحقيقي، مما جعلها تنمو ببطء أكبر، وتفشل في الاستجابة لرائحة الحيوانات المفترسة. وبعد 24 ساعة من وَضْعها في حوض مع أحد الحيوانات المفترسة التي تتغذى عليها، لم تتمكن سوى 34% من اليرقات التي تغذَّت على البلاستيك من النجاة، مقارنةً بنسبة 46% من تلك التي عاشت في المياه النظيفة11.

كانت لونشتيد ـ من جامعة أوبسالا في السويد ـ قد أبدت انزعاجها من صور اليرقات الشفافة التي تظهر فيها بوضوح الكريات البلاستيكية الصغيرة في أحشائها، قائلة: "إنه لأمر فظيع. إنني متعاطفة بقوة مع هذه القضية، ويتعين على أولئك الذين يقولون إن البلاستيك لن يشكل ضررًا في المحيطات إلقاء نظرة على الأدلة مرة أخرى".

يشكِّك بعض العلماء في نتائج ودلالات هذه الدراسة، حيث يقول أليستر جرانت ـ عالِم البيئة في جامعة إيست أنجليا في نورويتش بالمملكة المتحدة ـ إن معدلات البلاستيك التي أحدثت تلك التأثيرات الضارة في بحث لونشتيد ـ وهي من 10-80 جسيمًا لكل لتر ـ لا تزال أعلى بعدة درجات أُسِّيَّة من الغالبية العظمى من القياسات الميدانية. ويوضح أن معظم التقارير تشير إلى أقل من جسيم واحد في اللتر، مضيفًا: "تشير الأدلة التي أراها حاليًّا إلى أن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة لا تزال ـ على الأرجح ـ في نطاق الحدود البيئية الآمنة في معظم الأماكن".


ماذا الذي يجب أن نفعله؟

على الرغم من عدم توفر بيانات شاملة حول المخلفات البلاستيكية في المحيطات، فثمة إجماع واسع النطاق بين الباحثين على أنه يتعين على البشر ألا ينتظروا مزيدًا من الأدلة، قبل الإقدام على أي إجراء. ومن ثم، يصبح السؤال هو: كيف؟

ومن بين المشروعات المثيرة للجدل في هذا الصدد؛ المشروع الذي ابتكرته مؤسسة «تنظيف المحيطات» The Ocean Cleanup، وهي مجموعة غير ربحية، تأمل في أن تتمكن بحلول عام 2020 من نشر حاجز عائم بطول 100 كيلومتر في رقعة قمامة المحيط الهادئ العظمى، وتزعم أن الحاجز سيزيل نصف البلاستيك السطحي هناك.

قُوبِل هذا المشروع بتشكيك من جانب الباحثين؛ حيث يقولون إن البلاستيك في الدوامة المحيطية متحلِّل لدرجة تجعل استخراجه صعبًا، ويخشون أنْ يسبِّب الحاجز إزعاجًا لحياة السمك والعوالق. رَحَّب بويان سلات ـ الرئيس التنفيذي لمؤسسة «تنظيف المحيطات» ـ بذلك النقد، لكنه يقول إن مشروع الحاجز لا يزال في مرحلة مبكرة، وثمة نموذج أوَّلِي يتم تثبيته حاليًّا قبالة الساحل الهولندي. ويضيف: "إننا نستخدم هذا الاختبار ليكون بمثابة منصة للتحقق من إمكانية حدوث أي عواقب سلبية. والسبيل الوحيد لمعرفة ذلك هو التجربة الفعلية".

في بحث نُشر في وقت سابق من هذا العام12، أثبت فان سيبيل وزميله بيتر شيرمان أن وضع معدات التنظيف بالقرب من سواحل الصين وإندونيسيا سيكون أكثر فعالية، حيث إنّ قسمًا كبيرًا من التلوث بالبلاستيك ينشأ هناك. يقول فان سيبيل: "كلما كان التدخل بالقرب من حلقة اقتصاد البلاستيك؛ كان ذلك أفضل. ويتعيَّن علينا إيقاف هذ التلوث في محطات المعالجة، وفي مدافن النفايات. هذه هي المرحلة التي يجب أن نتدخل فيها". ويُشَبِّه إريكسن الوضع بمعالجة تلوث الهواء، حيث أدرك الناس منذ وقت طويل أن تنقية الهواء لا تشكِّل حلًّا طويل المدى، وبالمِثْل تبدو تنقية المحيطات أمرًا غير واقعي، ويضيف: "ما ثبت في جميع أنحاء العالم هو ضرورة التوجه نحو المصدر". وهذا يعني الحدّ من استخدام البلاستيك، وتحسين إدارة النفايات، وإعادة تدوير المواد؛ للحيلولة دون وصولها إلى المياه من الأساس.

قد يبدو أن هذا المطلب مبالَغ فيه، نظرًا إلى مدى انتشار البلاستيك؛ ولكن بعض العلماء يسمحون لأنفسهم بتصوُّر عالَم يوضع فيه البلاستيك تحت السيطرة. ووفقًا لبحث أجرته لافندر لو، بالتعاون مع يان فان فرانيكر، فإن أنواعًا عائمة من البلاستيك قد تختفي خلال بضع سنوات13. وحينئذٍ، ربما يتمكن شاطئ كاميلو من العودة إلى سابق عهده، نظيفًا من الملوثات، لكن البلاستيك سيكون قد ترك بصمته في صورة طبقات من الجسيمات متناهية الصغر، مطمورة في رواسب قيعان المحيطات. وبمرور الوقت، سيصبح هذا البلاستيك راسخًا في الأرض، كإرْث يذكِّرنا بعصر البلاستيك. ويقول إريكسن: "ستكون هناك طبقة صخرية محيطة بالأرض، تتكون من البلاستيك".

  1. Carson, H. S., Colbert, S. L., Kaylor, M. J. & McDermid, K. J. Mar. Pollut. Bull. 62, 1708–1713 (2011).
  2. Macfadyen, G., Huntington, T. & Cappell, R. Abandoned, Lost or Otherwise Discarded Fishing Gear (UNEP, 2009).
  3. Eriksen, M. et al. PLoS ONE 9, e111913 (2014).
  4. Thompson, R. C. et al. Science 304, 838 (2004).
  5. Jambeck, J. R. et al. Science 347, 768–771 (2015).
  6. van Sebille, E. et al. Environ. Res. Lett. 10, 124006 (2015).
  7. Moore, C. J., Moore, S. L., Leecaster, M. K. & Weisberg, S. B. Mar. Pollut. Bull. 42, 1297–1300 (2001).
  8. Woodall, L. C. et al. R. Soc. Open Sci. 1, 140317 (2014).
  9. Obbard, R. W., Sadri, S., Wong, Y. Q., Khitun, A. A., Baker, I. & Thompson, R. C. Earth's Future 2, 315–320 (2014).
  10. Sussarellu, R. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 113, 24302435 (2016).
  11. Lönnstedt, O. M. & Eklöv, P. Science 352, 12131216 (2016).
  12. Sussarellu, R. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 113, 2430–2435 (2016).
  13. van Franeker, J. A. & Law, K. L. Environ. Pollut. 203, 8996 (2015).