أنباء وآراء

علم الفينولوجيا: التفاعلات بين التغيُّر المناخي والأنواع

في أي وقت من العام تكون الأحداث الفينولوجية في الأنواع حساسة للمتغيرات المناخية؟ وما مقدار هذه الحساسية؟ إن الإجابة على هذين السؤالين تنبثق من تحليل ثروة من حِزَم البيانات التي تم تجميعها على مدى طويل.

مارسِل إِي. فِيسَر
  • Published online:

فصل الربيع وقت مثير من العام، ففيه تتفتح الأزهار، ويخرج النحل من راحته الشتوية، وتعود الطيور المهاجرة إلى مواضع تناسلها. كل هذه الأحداث الفينولوجية (الخاصة بالعلاقة بين التغيرات المناخية، وأحداث النباتات الدورية، ودورة حياة الأحياء) تم رصدها لعقود في المملكة المتحدة عبر الفصول المختلفة بواسطة العلماء المختصين، وهواة العلم من المواطنين العاديين على حد سواء (شكل 1). ورغم أن الكثير من هذه المشروعات بدأ العمل فيها قبل أن ندرك أن درجة حرارة العالم ترتفع، فإن هذه السلسلة طويلة الأمد توفر الآن بِنْيَة تحتية قَيِّمَة لتوثيق تأثير التغير المناخي العالمي على الطبيعة. وفي بحث نُشر في دورية Nature في عدد 237، استخدم ثاكيري وآخرون1 ما لا يقل عن 10.003 حِزَم بيانات فينولوجية، جُمِعَتْ كلُّها على فترات بلغت مدتها 20 عامًا على الأقل، ليقيسوا المعدلات غير المتساوية، التي تتغير بها الأحداث الفينولوجية لمجموعات الأنواع المختلفة. إنّ تغيُّر المناخ يقود إلى إرباك التوافق بين الأنواع من حيث الفينولوجيا (دراسة الأحداث البيولوجية)، ومن ثم يسبِّب مشكلاتٍ في العلاقات البيئية.

الشكل 1 | مواطن من هواة العلم. إن الدراسة التي أجراها ثاكيرِي وزملاؤه1 حول كيفية تَزَحْزُح الأحداث الفينولوجية في مجموعات من الأنواع، استجابةً لتغير المناخ، ترتكز على سجلات سابقة لوقائع تم جَمْعها بواسطة هواة العلم، والعلماء أيضًا.

كبر الصورة


يؤدي تغيُّر المناخ إلى تبدُّلات غير متساوية في الأحداث الفينولوجية للأنواع2. ولفَهْم سبب ذلك.. درَس الباحثون حساسية الأحداث الفينولوجية لاثنين من متغيرات المناخ، في طيف عريض من الأنواع. لقد طرح الباحثون سؤالين محدَّدَين، هما: أي أوقات السنة تكون فيها الأنواع حساسة لدرجة الحرارة وهطول الأمطار؟ وما مدى حساسية دورات الأحداث الفينولوجية لهذين المتغيرين؟، وذلك لكل سلسلة زمنية من سلاسل الأحداث الفينولوجية، البالغ عددها 10.003 سلاسل. إن السؤالين وثيقا الصلة بالموضوع، لأن المناخ قد تغيَّر ـ وسيواصل التغيُّر ـ بطريقة غير موحَّدة على مدار العام. فهناك فترات زمنية تدفأ أسرع من فترات أخرى، ومن ثم فإنّ نوعين لهما الحساسية نفسها لدرجة الحرارة ـ ولكن في أوقات مختلفة ـ قد تتزحزح أحداثهما الفينولوجية بمعدلات مختلفة.

وجد مؤلفو البحث ـ في المجمل ـ أن الأنواع في المستويات المختلفة (المواقع) في السلسلة الغذائية لم تختلف من حيث الوقت خلال العام الذي تكون فيه حساسة للتغيرات السنوية في درجة الحرارة، لكنها اختلفت في مدى حساسيتها. لقد وُجِد أن حساسية الأحداث الفينولوجية لدرجة الحرارة في الأنواع ذات الموقع المرتفع في السلسلة الغذائية (المستهلِكات الثانوية) تقل كثيرًا عن نظيرتها في الأنواع الموجودة في قاعدة السلسلة، أي المنتِجات الأولية والمستهلِكات الأولية، التي تبلغ حساسيتها لدرجة الحرارة ضعف حساسية المستهلِكات الثانوية. وكانت المستهلِكات الثانوية أيضًا أقلّ حساسية لتغيرات هطول المطر. وبضم حساسيات النوع إلى سيناريوهات المناخ، يتنبأ الباحثون أنه بحلول عام 2050 ستكون المستهلِكات الأولية قد أزاحت توقيت أحداثها الفينولوجية بمعدل الضعف، مقارنةً بالأنواع التي توجد في المستويات الغذائية الأخرى، ولكنْ لماذا تستجيب الأنواع المنتمية إلى المستهلِكات الثانوية لدرجة الحرارة على نحو أضعف من استجابة المستهلِكات والمنتِجات الأولية، وفي النهاية، سيستخدم المفترس والفريسة درجة الحرارة كمؤشر لتوقيت أحداثهما الفينولوجية؟

السبب هو أن الأنواع التي تنتمي إلى مستويات غذائية مختلفة لا تعتمد على مؤشر درجة الحرارة نفسه بالضبط. فالأنواع المختلفة تستجيب لدرجة الحرارة في أوقات مختلفة من العام. فعلى سبيل المثال.. بيضة فراشة الشتاء التي يبلغ قطرها ملِّيمترين، وتظل كامنة لمدة أشهر على شجرة بلوط ارتفاعها 40 مترًا، تتمكن من الفقس خلال أيام من بزوغ براعم عائلها. من الواضح أن هذين النوعين لديهما آليّتان فسيولوجيتان مختلفتان جذريًّا، تحدِّدان أحداثهما الفينولوجية، وسوف يستخدم النوعان مؤشرات مختلفة؛ لتحديد توقيت هذه الأحداث. لذا.. فرغم أنه سيكون هناك ارتباط بين هاتين المجموعتين من المؤشرات، فإن المؤشر الذي يستخدمه المستهلك ـ الفراشة في هذه الحالة ـ لن يكون دائمًا موثوقًا به، إلى حد ما. وتُبَيِّن الدراسات النظرية3 أن هذه المصداقية المنقوصة للمؤشر تعني أن المستهلِكات سوف تُطَوِّر أحداثًا فينولوجية أقل حساسيةً لدرجة الحرارة مما ستفعل الأنواع الموجودة في المستوى الغذائي الذي تعتمد عليه.

ولفَهْم تبعات عدم توافق الأحداث الفينولوجية، الناجم عن التغير المناخي، تجدر ملاحظة أن البحوث السابقة كلها تقريبًا قد ركَّزت على تفاعلات بسيطة بين نوعين، مثل مفترس وفريسته، أو آكلِ نباتٍ، وعائلِهِ النباتِيّ. ورغم التأثيرات الواضحة لعدم توافق الأحداث الفينولوجية على أعداد العشائر، فإن مثل هذه التأثيرات يمكن تنظيمها بآلياتٍ بيئية، كالارتباط بالكثافة4، حيث يزداد معدل نجاح الفرد، كلما قَلَّ عددُ الأفراد.

ربما تكون الطريقة الأشمل للدراسة ـ والأكثر تحديًا أيضًا ـ هي الابتعاد عن هذه التفاعلات الموجودة بين نوعين فقط، والتركيز على بحث التأثيرات الواقعة على الشبكة الغذائية بكاملها5. كيف تتأثر متانة العلاقات في الشبكة الغذائية بعدم توافق الأحداث الفينولوجية؟ وماذا يحدث إذا تَزَحْزَحَت الأحداث الفينولوجية للأنواع في مستوى معين بالسلسلة الغذائية أكثر من تَزَحْزُح نظيره في الأنواع التي توجد في مستوى آخر؟ هل من شأن ذلك أن يؤدي إلى فقْد بعض الروابط، وتَكَوُّن روابط أخرى؟ وهل يُزَعزِعُ ذلك استقرار الشبكة الغذائية؟ قد تشكِّل مثل هذه التحليلات مَعْبَرًا من دراسة تَبَدُّل الأحداث الفينولوجية للأنواع إلى فَهْم تأثيرات التغير المناخي على وظيفة النظام البيئي6.

وما يعقِّد الأمر أكثر هو أن حساسية النوع للمناخ ليست ثابتة. إنّ تضارب الأحداث الفينولوجية يؤدي إلى انتخاب يقع على توقيت هذه الأحداث. ونظرًا إلى أن الأحداث الفينولوجية هي بمثابة موروث في الغالب، فإن ذلك يؤدي إلى تغيُّر وراثي في الحساسية7.

إن الجَمْع بين التغير الوراثي، ودراسة الشبكة الغذائية، وأخذ التقديرات المفصلة الضرورية لعلم المناخ في الاعتبار سوف يكون تحديًا رئيسًا، لكنه سيكون الأمر الوحيد الذي يجب الاضطلاع به للتنبؤ بتأثيرات تغيُّر المناخ ـ من خلال استجابة الأحداث الفينولوجية ـ على وظيفة النظام البيئي. إن الشيء الواضح هو أن السلاسل طويلة الأمد ـ مثل تلك البالغ عددها 10.003 سلاسل، التي تم تحليلها في البحث الحالي ـ هي متطلب أساسي لهذا التنبؤ. لذلك.. فإن العلماء المتخصصين وهواة العلم ـ الذين أنجزوا معًا الملاحظات الفردية الخاصة بالتحول الظاهري، التي بلغ عددها 379 ألف ملاحظة، والتي بُنيت عليها هذه السلاسل ـ يحتاجون إلى التشجيع، وإلى تيسير استمرارهم في تأدية عملهم الجيد. الميزة الإضافية هنا هي أن ملاحظتك لتغيُّر الأحداث الفينولوجية توصِّل إليك الرسالة الخاصة بالتغير المناخي على مستوى العالم إلى باحة منزلك.

  1. Thackeray, S. J. et al. Nature 535, 241–245 (2016).
  2. Thackeray, S. J. et al. Glob. Change Biol. 16, 3304–3313 (2010).
  3. Gienapp, P., Reed T. E. & Visser, M. E. Proc. R. Soc. B 281, 20141611 (2014).
  4. Reed, T. E., Grøtan, V., Jenouvrier, S., Sæther, B.-E. & Visser, M. E. Science 340, 488–491 (2013).
  5. Stevenson, T. J. et al. Proc. R. Soc. B 282, 20151453 (2015).
  6. Memmott, J., Craze, P. G., Waser, N. M. & Price, M. V. Ecol. Lett. 10, 710–717 (2007).
  7. Visser, M. E. Proc. R. Soc. B 275, 649–659 (2008).