تأبين

رحيل قامة علمية (2016–1946)

الموت يغيّب أحمد زويل، حائز جائزة نوبل، ورائد كيمياء ليزر الفيمتو، عن عمر يناهز السبعين عامًا، تاركًا العديد من الاكتشافات العلمية والتراث الخالد.

باكينام عامر
  • Published online:

<p>د. أحمد زويل، رمز الإنجازات لكثير من العرب.</p>

د. أحمد زويل، رمز الإنجازات لكثير من العرب.

كان زويل هو العالِم العربي الأول والوحيد الذي حاز جائزة نوبل للعلوم، وهو الأب الرائد لكيمياء الفيمتو، مجال الكيمياء الفيزيائية، الذي يدرس التفاعلات الكيميائية الأساسية، وصولًا إلى قياس الحركة الذرية من خلال استخدام ومضات الليزر فائقة القِصَر.

وبفضل ابتكاره لنظام يمكنه دراسة التفاعلات الكيميائية في الوحدة الزمنية البالغة الصِّغَر ’فيمتو ثانية‘، يتمكن العلماء الآن من تجميد حركة الذرات ودراسة تطور البنى الجزيئية مع تكشّف التفاعلات ومرورها إلى الحالة الانتقالية.

وكان العالِم المصري الأمريكي،  الحائز الأوحد على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 1999، مستشارًا للرئيس الأمريكي باراك أوباما لشؤون العلوم والتكنولوجيا، وأول مبعوث أمريكي للعلوم إلى الشرق الأوسط. كما كان أيضًا أستاذ كرسي لينوس بولينغ في الكيمياء، وأستاذ الفيزياء، ومدير مركز الفيزياء الحيوية للعلوم والتكنولوجيا فائقة السرعة في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (Caltech).

في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، في عام 2008، ترك أحمد زويل انطباعًا لدى المجتمع العلمي مرة أخرى عندما طوّر وفريقه المجهر الإلكتروني رباعي الأبعاد، وهي الطريقة التكنولوجية التي تلتقط وتعيد ابتكار الحركة وديناميات التغيرات العابرة في بنية المادة وشكلها، في الوقت الحقيقي، والمكان الحقيقي.

بفضل المجهر الإلكتروني الذي ابتكره زويل، يمكن للعلماء الآن مراقبة البنية الثابتة للمواد بدرجة دقّة تفوق جزءًا من المليار من المتر طولًا. في ذلك الوقت، ذكر زويل -بشاعرية عالية- أن حلمه كان دومًا أن نتمكن من أن ننظر، لا على الوقت فحسب، بل على الفضاء أيضًا؛ لكي "نرى البنية الهندسية لنظام معقد على المستوى الذري، مع تغيّره بمرور الوقت، سواء كان ذلك للأمور المادية أو البيولوجية".

وبعيدًا عن التقدم في المختبر، ربما سيُذْكَر زويل في مصر بشكل معادل؛ نظرًا لما قدمه في مجال الخدمة العامة بإسهاماته المستمرة في مجالي العلم والتعليم، وكذلك لمآثره العلمية. فمشروعه المميَّز، مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، تعتبره مصر مقدمة للنهضة العلمية، ويعدّ مشروعًا وطنيًّا.

لقد فتحت الجامعة والمركز العلمي - التي أسسها الدكتور أحمد زويل - أبوابَها للطلاب في عام 2012، على الرغم من التأخير والسقطات التي سبقت ذلك، وبعد فترة وجيزة من فورة الربيع العربي.

وقد مُنِح زويل وسام قلادة النيل العظمى، الوسام الأرفع في مصر، كما وضع الرئيس الفرنسي اسمه على لائحة جوقة الشرف. وكان عضوًا منتخبًا في أكاديميات وجمعيات علمية، منها الأكاديمية الوطنية للعلوم، الجمعية الملكية في لندن، والجمعية الفلسفية الأمريكية، والأكاديمية الفرنسية، والأكاديمية الروسية، والأكاديمية الصينية، والأكاديمية السويدية. وقد حاز عددًا كبيرًا من الدرجات الفخرية، من ضمنها تلك التي حصل عليها من جامعتي أكسفورد وكامبريدج.

وفي مصر، يُعَد زويل نموذجًا للمثابرة. فقد وُلد في أسرة متواضعة في دمنهور عام 1946، وعاش ودرس في الإسكندرية في ظل ظروف أقل من عادية، ولم يكل الكيميائي الشاب فى مواجهة الظروف الصعبة، ولمع نجمه عندما انتقل أخيرًا إلى الولايات المتحدة (وبعبارة أخرى إلى حاضنة علمية أكثر اخضرارًا)، حيث حصل على درجة الدكتوراة في جامعة بنسلفانيا. ومن هناك انتقل إلى جامعة كاليفورنيا المرموقة في بيركلي، ثم إلى معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا.

بعد حصوله على شهرة عالمية بفضل اختراقاته العلمية، ومنحه جائزة نوبل، كثرت زياراته إلى مصر. وكثيرًا ما تحدث بصراحة عن حالة العلم في مصر والمنطقة، دافعًا نحو إعادة إحياء الأساليب المدفوعة بالفضول، والعودة إلى البحوث العلمية الأساسية. وحارب طلبًا لاستثمارات قوية في البرامج البحثية والإرشادية، ومن أجل أجواء تشجِّع على التبادل الفكري بين مصر والمجتمع العلمي الدولي.

كانت القاعدة التي اتبعها زويل هي عدم التركيز على الاضطرابات السياسية في الشرق الأوسط؛ ليس على الأمور الضائعة أو الأخطاء الحادثة، بل على "ما الذي يمكن عمله الآن"؟

في تعليق أدلى به لـ(نيتشر مِيدِل إيست) منذ أكثر من عامين، كتب قائلًا إنه "يجب أن تحدث تغييرات ثورية، لا تدريجية، في التعليم والفكر العلمي".

وفي غيابه، ومع اجتياز المنطقة لأوقات عصيبة على العديد من الجبهات، ربما باستثناء الجبهة العلمية؛ حيث الجهود الحقيقية الموجهة نحو إعادة إحياء آمال ممكنة وإن كانت بطيئة حيث براعم الأمل، نكاد نسمع صدى كلماته. إنها براعم الأمل التي زرعها زويل عندما استعد لنقل ثقافة العلم والتعلم بمجملها إلى وطنه الأم. إن زويل، في أعين الكثيرين في هذه المنطقة، وخاصة بين الأجيال الشابة، هو في الواقع أكبر من عالِم؛ إنه قصة نجاح وُلدت من رحم المعاناة والمشقة، والانتصار على الصعاب.