تحقيق إخباري

فيزياء على عجلتين

قضى جيم بابادوبولوس عمرًا وهو يتأمل حركة الدرّاجات.. حتى اكتسب عمله ذات يوم زخمًا جديدًا.

بريندان بوريل
  • Published online:

<p>قضى جيم بابادويولوس عمرًا وهو يتأمل حركة الدراجات..حتى اكتسب عمله ذات يوم زخمًا جديدًا</p>

قضى جيم بابادويولوس عمرًا وهو يتأمل حركة الدراجات..حتى اكتسب عمله ذات يوم زخمًا جديدًا

Adam Glanzman for Nature


على جدار قبو جيم بابادوبولوس بمدينة بوسطن بولاية ماساتشوستس، تتكئ سبع دراجات؛ طلاؤها مخدوش، وإطاراتها فارغة من الهواء، وتكسو الهيكل المصنوع يدويًّا ـ الذي تَلَقَّاه كهدية بمناسبة زفافه ـ طبقة من التراب الناعم. يقول: «تخلصتُ من معظم الدراجات البحثية الخاصة بي عند انتقالي إلى السكن هنا، واحتفظتُ فقط بتلك التي تعني لي شيئًا خاصًا. هذه هي الدراجات التي ركبتُها».

قضى بابادوبولوس ـ الذي يبلغ من العمر 62 عامًا ـ جزءًا كبيرًا من حياته مبهورًا بالدراجات فقط، دون غيرها. في مرحلة المراهقة، وأثناء دراسته الجامعية، كان يشارك في سباقات الهواة، إلا أن هوسه بها كان أعمق من ذلك. لم يكن ليركب أي دراجة، دون أن يتأمل الألغاز الرياضية التي تحويها؛ وفي خلده تدور بعض الأسئلة، أهمها: ما هي القوى غير المرئية التي تسمح للراكب بالحفاظ على توازنه أثناء وضع قدميه على الدواستين؟ ولماذا يتعين عليه في البداية توجيه المقود يمينًا كي يميل وينعطف يسارًا؟ وكيف توازن الدراجة نفسها عند دفعها من دون راكب؟


قام بابادوبولوس بدراسة هذه الأسئلة بشكل مكثف، حين كان مهندسًا شابًّا بجامعة كورنيل في إيثاكا بولاية نيويورك، لكنه أخفق في نشْر معظم أفكاره، وأخيرًا مضى به مساره المهني بعيدًا عن الوسط الأكاديمي. وبحلول أواخر التسعينات، كان قد بدأ العمل لدى شركة إنتاج آلات لصنع ورق المراحيض. يقول: «في النهاية، إذا لم يستفد أحدٌ بعملك، إذًا فهو عديم الجدوى».


وعندئذ، عثر شخصٌ ما على أعمال بابادوبولوس. في عام 2003، اتصل به صديقه القديم المهندس آندي روينا، الذي كان يتعاون معه أثناء وجوده في كورنيل؛ ليخبره أن عالِمًا من هولندا يُدعى أريند شواب قد أتى إلى مختبره لإعادة إحياء بحوث الفريق المتعلقة بثبات الدراجات.

حدثه روينا قائلًا: «يجب أن تكون معنا في هذا يا جيم».


العجلتان شيء جيد

مضى الباحثون معًا لفكّ رموز نِقاش استمر لقرن من الزمن، حول ما يسمح لدرّاجة من دون راكب أن تُوَازِن نفسها. وقاموا بنشر عملهم في دوريتي «بروسيدنجز أوف ذا رويال سوسايتي» Proceedings of the Royal Society1، و«ساينس» Science2. دأب الفريق على إضافة مستوى جديد من العلوم في مجال صناعة الدراجات حول العالم، التي تقدَّر قيمتها بخمسين مليار دولار أمريكي، وهي صناعة اعتمدت على الحدس والخبرة، أكثر من اعتمادها على مبادئ الرياضيات الدقيقة. وبإمكان النتائج التي توصلوا إليها أن تحفز شيئًا من الابتكار الذي كانت الصناعة في حاجة ماسة إليه؛ ما قد يساعد المصممين على ابتكار جيل جديد من الدراجات التي تعمل بالبدالات وتلك الكهربائية، ذات ثبات أعلى وتتمتع بمستوى أعلى من الأمان. كما يمكن للرؤى الخاصة بالدراجات أن تنتقل إلى مجالات أخرى، كالأطراف الصناعية والروبوتات مثلًا.

يقول مونت هابرد، وهو مهندس يدرس ميكانيكا الآلات الرياضية في جامعة كاليفورنيا في ديفيس: «يعرف الجميع كيف يركبون الدرّاجة، لكنْ لا أحد يعرف الآليّة التي نركب بها الدرّاجات. ومن وجهة نظر معرفية بحتة.. فدراسة الدرّاجات أمر مثير للاهتمام، إلا أن لها أيضًا مضامين عملية، بفضل قدرتها على نقل الناس من مكان إلى آخر».

وبالنسبة إلى مهندس ميكانيكا تلك السلالة المتحجرة من المهندسين، التي تعتمد أعمالها على قوانين الحركة الثلاثة الخاصة بنيوتن، تتمتع الألغاز المتعلقة بالدراجات بجاذبية خاصة. يقول روينا: «ما زلنا كلنا عالقين في القرن التاسع عشر، حين لم يكن هناك فرق بين الرياضيات، والفيزياء، والهندسة». ويضيف قائلًا إنّ الدراجات هي بمثابة «مسألة رياضية، تَصادَف أنها تخص شيئًا يمكن رؤيته».

يعود تاريخ أولى براءات الاختراع التي مُنحت للدراجة الأولى المعروفة باسم «فيلوسيبيد»، التي تطورت منها الدراجات الحالية، إلى عام 1818. طُورت الدراجات عن طريق التجربة والخطأ، وبحلول أوائل القرن العشرين، أصبحت تبدو شبيهةً بما نراه اليوم، لكنّ أناسًا قليلين جدًّا هُم مَن فكروا في الكيفية التي تعمل بها، ولماذا. كان وليم رانكين ـ مهندس اسكتلندي سبق أن حلل المحرك البخاري ـ هو أول من علّق على ظاهرة «التوجيه المعاكس» في عام 1869، حيث لا يستطيع الراكب توجيه الدراجة نحو اليسار، إلا إذا وجّه المقود أولًا ـ ولبرهة وجيزة ـ نحو اليمين؛ ليسمح للدراجة أن تميل نحو اليسار.

تتمخض العلاقة بين الميل والتوجيه عن أشد سمات الدراجات غرابة: وهي كيفية حفاظها على التوازن أثناء انسيابها من تلقاء نفسها، دون راكب. فإذا قمتَ بدفع درّاجة بدون راكب؛ ستجدها تمضي مترنحة، لكنها في الغالب ستستعيد مسارها نحو الأمام بعد ذلك. في عام 1899، قام عالِم الرياضيات الإنجليزي فرانسيس ويبل باستنباط واحد من أبكر نماذجه الرياضية الخاصة بالدراجات، وأكثرها صمودًا، الذي يمكن استخدامه لاستكشاف هذا الثبات الذاتي. قام ويبل بإنشاء نموذج للدراجة، مكوَّن من أربعة أجسام متصلبة: عجلتين، وهيكل به راكب، وشوكة أمامية مع مقود؛ جميعها متصلة ببعضها بواسطة محورين ومفصل، ومتأثرة كلها بقوى الجاذبية.

وبإدخال قياسات دراجة معينة في النموذج؛ تم الكشف عن مسارها أثناء الحركة، من خلال رسم متحرك لإطار بعد إطار من الصور. وعندئذ، بإمكان أي مهندس استخدام تقنية «تحليل القيمة الذاتية»؛ لاستقصاء ثبات الدراجة، مثلما يتم في تصميم الطائرات. في عام 1910، واعتمادًا على مثل هذا التحليل، ركّز عالِمَا الرياضيات فيلكس كلاين، وفريتز نويتر ـ بالإضافة إلى عالِم الفيزياء النظرية أرنولد سومرفيلد ـ على دور التأثير الجيروسكوبي (وهو نزوع العجلة الدوارة إلى مقاومة الانحراف)، فإذا ما قمتَ بدفع الدراجة إلى اليسار؛ فسوف تنعطف العجلة الأمامية الدوّارة إلى اليسار؛ مما قد يحافظ على الدراجة في وضع منتصب.

وفي شهر إبريل من عام 1970، قام الكيميائي والكاتب في مجال العلوم الشعبية، ديفيد جونز، بتدمير هذه النظرية في مقال نُشر له بمجلة «فيزيكس توداي» Physics Today3، وصف فيه عملية ركوب سلسلة من الدراجات التي ـ نظريًّا ـ لا يمكن ركوبها. كانت إحدى الدراجات التي قام ببنائها جونز بها عجلة في الطرف الأمامي، تدور في اتجاه معاكس، ومن شأنها أن تلغي التأثير الجيروسكوبي بشكل فعلي، لكنه لم تكن لديه مشكلة في أن يركبها، دون إمساك المقود.

ومن ثم، دفعه هذا الاكتشاف إلى البحث عن قوة أخرى يمكن أن يكون لها دور هنا؛ فقام بمقارنة العجلة الأمامية في إحدى الدراجات بالعجلات الصغيرة الموجودة في عربة التسوق، أو عجلات الكاستر، التي تنعطف لتتبع اتجاه الحركة. فعجلة الدراجة الأمامية يمكنها أن تعمل بطريقة مماثلة لعجلات الكاستر، إذ إنّ النقطة التي تتماس عندها العجلة مع الأرض تقع نمطيًّا في مكان ما بين 5 سنتيمترات و10 سنتيمترات خلف محور التوجيه  تُسمى هذه المسافة «الأثر». وقد اكتشف جونز أن الدراجة التي تتمتع بالكثير من الأثر، لديها ثبات عالٍ، حتى إنّ ركوبها لا يكون مريحًا، بينما الدراجة ذات الأثر سالب القيمة هي بمثابة فخ للموت، وستسقط مِن عليها بمجرد أن ترفع يديك من على المقود.


وقد استنبط أنه عندما تبدأ الدراجة في الانقلاب، يوجه تأثير عجلات الكاستر الطرف الأمامي، ويعيده ليصبح تحت الوزن الساقط، مما يُبْقِي الدراجة في وضع منتصب. وبالنسبة إلى جونز، كان أثر العجلات تلك هو بمثابة التفسير الوحيد للثبات الذاتي الذي تتمتع به الدراجات. وفي مذكراته التي نُشرت بعد ذلك بأربعين سنة، تَحَدَّث عن ملاحظته تلك باعتبارها واحدة من إنجازاته العظيمة، وأعلن قائلًا: «يشاد بي الآن باعتباري أبًا لنظرية الدراجات الحديثة».


زيادة السرعة

من شأن هذا المقال أن يترك انطباعًا عن جيم بابادوبولوس؛ الذي كان آنذاك مراهِقًا يعيش في مدينة كورفاليس بولاية أوريجون، وكان يتمتع بموهبة في الرياضيات، وسط حياة أسرية منهارة. كان أبوه مايكل ـ المتخصص في الرياضيات التطبيقية ـ قد قام بنقل زوجته وأطفاله الأربعة من إنجلترا إلى الولايات المتحدة قبل أكثر من عقد من حصوله على وظيفة في جامعة ولاية أوريجون، إلا أن مايكل بابادوبولوس حُرم من الحصول على تثبيت وظيفي، بعد تظاهره احتجاجًا على حرب فيتنام. وانخرط في معركة قانونية امتدت إلى عقد من الزمن ضد الجامعة التي تركته عاطلًا عن العمل، ودفعت أسرته للبحث في صناديق القمامة عن الفتات. في أوائل السبعينات، أقدمت والدة جيم على الانتحار.. يقول عن تلك الفترة: «في اللحظة التي كنت قد بدأت فيها لِتَوِّي فتح عيني على العالم، ومعرفة ذاتي، كانت أسرتي تنهار».

ومن ثم، وجد عزاءە في ركوب الدراجات. كان يقود دراجته من طراز بيجو AO8 حول البلدة، ووصل طول شعره إلى كتفيه. تَوَقَّف عن حضور دروسه، وشهدت دَرَجَاته تراجعًا حادًّا. وفي السابعة عشرة من عمره ترك المدرسة، ورحل عن البيت، لكن قبل تخليه عن الدراسة، أعطاه أحد المعلمين مقال جونز.

وجد بابادوبولوس المقال آسِرًا ومحيرًا في الوقت نفسه؛ وقال في نفسه: «يجب أن أتعلم هذه الأشياء». فقضى وقت فراغه في فصل الصيف في بيركلي بولاية كاليفورنيا في قراءة كتاب جورج أرفكين «طرق رياضية للفيزيائيين» Mathematical Methods for Physicists. ثم عمل بعد ذلك في مصنع للخشب الرقائقي في مدينة يوجين بولاية أوريجون، حيث استطاع مِن عمله جني ما يكفي من المال لشراء دراجة من الطراز الأسطوري «شفين باراماونت» Schwinn Paramount، وكان يشارك بها في السباقات في عطلة نهاية الأسبوع. وفي عام 1973، عمل لدى صانع هياكل الدراجات هاري كوين في مدينة ليفربول بالمملكة المتحدة، إلا أن أداءە كان سيئًا جدًّا؛ فطلب منه كوين أن يرحل.

عاد بابادوبولوس إلى أوريجون بعد ذلك، ودَرَس في جامعة أوريجون لمدة عام، قبل أن يبدأ دراساته الجامعية في عام 1975 في مجال هندسة الميكانيكا في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كمبريدج، حيث أدى أداءً جيدًا. ثم قامت شركة «إكسون» Exxon للنفط بدعمه أثناء دراسته للحصول على شهادة الدكتوراة في ميكانيكا التشقق. وكان المشرف عليه ـ مايكل كليري ـ متفائلًا حيال آفاقه الممتدة في المجال الأكاديمي. وصَرَّح لأحد الكتّاب من النشرة الداخلية لشركة «إكسون» قائلًا: «أعتقد أن جيم سيصبح أستاذًا جامعيًّا، وبالتأكيد نأمل أن يحقق ذلك هنا في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا»، إلا أن بابادوبولوس كان لديه فِكْر آخر. كان يدرس نموذج ويبل، ومقال جونز، وفي أحد مواسم الصيف، حصل على فرصة تدريب في هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية في مينلو بارك بكاليفورنيا، حيث التقى بآندي روينا لأول مرة.

وسرعان ما صارا صديقين. حصل روينا على فرصة عمل في كورنيل، ثم قام باستقطاب بابادوبولوس إلى الدراسة ما بعد الدكتوراة. يقول روينا: «كنا نتحدث عن الدراجات طوال الوقت، لكنني لم أدرك أنه كان يرغب في القيام بعمل جاد حيالها».

أقنع بابادوبولوس روينا بأن شركات الدراجات ـ شأنها شأن شركات النفط ـ قد تهتم بدعم البحوث الأكاديمية. لذا.. شرع في جمع الأموال، من خلال تَوَاصُله مع صانعي الدراجات؛ إذ عرض عليهم أنه في نظير 5 آلاف دولار، بإمكانهم أن يصبحوا رعاة لمشروع كورنيل لبحوث الدراجات. وهو مجهود طموح، من شأنه أن يقوم باستقصاء كل شيء حول الدراجات، بداية من قوة العجلات، حتى إخفاق المكابح عند هطْل الأمطار.

كان هدف بابادوبولوس الأول أن يفهم أخيرًا ما يجعل دراجة معينة أكثر ثباتًا عن أخرى. جلس في مكتبه، ومَحَّص 30 منشورًا بها محاولات لكتابة المعادلات الخاصة بحركة الدراجات؛ وانتابه الفزع حيال «تَدَنِّي المستوى العلمي» الذي وجده فيها، كما يقول. كانت تلك المعادلات هي الخطوة الأولى نحو الربط بين البنية الهندسية لهيكل الدراجة، وكيفية انقيادها، إلا أن كل نموذج جديد أشار ـ بشكل طفيف ـ إلى الأعمال السابقة، والبعض لم يُشِر إلى أيّ منها. وكان الكثير من تلك المعادلات محفوفًا بالأخطاء التي تصعب مقارنتها؛ مما اقتضى منه أن يبدأ من الصفر.

بعد سنة من العمل، صار بين يديه ما يعتقد أنه مجموعة قطعية من المعادلات، التي حان الوقت لأن تقدِّم له الإجابات. يقول: «كنت أجلس لساعات محدِّقًا في المعادلات، محاوِلًا اكتشاف مضمونها».

في البداية أعاد كتابة معادلات الدراجة من منظور أثر عجلات الكاستر؛ وهو المتغير الحاسم الذي أيَّده جونز. كان يتوقع أن يجد أنه إذا كان الأثر سالب القيمة؛ فلن تكون الدراجة ثابتة، إلا أن حساباته أشارت إلى عكس ذلك. في تقرير أعَدَّه في ذلك الحين، قام برسم صورة تخطيطية لدراجة غريبة تحتوي على ثقل بارز من مقدمة المقود. كتب يقول: «يمكن لكتلة أمامية أن تكون كافية لتعويض الأثر السالب الطفيف». وبدا أنه لا يوجد متغير أحادي يمكنه تفسير الثبات الذاتي.

بَيَّنَ هذا الاكتشاف أنه لا توجد قاعدة عامة بسيطة تضمن أن إحدى الدراجات سهلة الركوب. قد يكون الأثر مفيدًا، وكذلك التأثيرات الجيروسكوبية، ومركز الكتلة. وبالنسبة إلى بابادوبولوس، فقد كشف ذلك عن الكثير. عثر صانعو هياكل الدراجات الأوائل على تصميم معين، بدا أنه لا بأس به. ومِن حينها، وهم يدورون في حلقات مفرغة في هذا النطاق من عالم الدراجات، بينما ظلت هناك بِنَى هندسية غير مختبرة، يمكنها أن تُحدِث تحولًا في تصميمات الدراجات.


الانهيار

بعد عامين، لم يعد بمقدور روينا أن يستمر في دعم بابادوبولوس. وإلى جانب شركة «موراي» Murray لصناعة الدراجات، لم يحصلا من هذا القطاع الصناعي على أي تبرعات سوى من شركتي «داهون» Dahon، و«مولتون» Moulton، اللتين تصنِّعان دراجات بعجلات الكاستر. وربما يعود السبب في ذلك إلى أن التصميمات غير التقليدية لهذه الدراجات قد تجعل ركوبها أمرًا صعبًا. وحيال ذلك، قال روينا مازحًا بسخرية إنه ينبغي عليه أن يغيِّر الاسم إلى «مشروع بحوث الدراجات المطويَّة».

وعلى الرغم من أن بابادوبولوس كان يحرز تقدمًا في رياضيات الدراجات، إلا أن مقالًا واحدًا ذا صلة نُشر باسمه كمؤلف رئيس4. يقول بابادوبولوس: «أجد متعة أكبر بكثير في اكتشاف كل جديد، والكشف عن التفاصيل، لكن كتابة كل ذلك هي بالطبع شيء ممل». ومن دون أموال أو منشورات، انتهى عمله في مجال بحوث الدراجات. وفي عام 1989، وضع دراجاته في شاحنة، وانطلق بها غربًا إلى ولاية إيلينوي، حيث كانت زوجته تعمل في ذلك الوقت. وهناك، شغل وظيفة بعد أخرى في مجالي التدريس، والصناعة، لكنه كرهها كلها. في وقت فراغه، كان يدير قائمة البريد الإلكتروني التي تحمل اسم «هاردكور بايسيكل ساينس»، التي أسَّسها لعشاق علوم الدراجات. كما ساعد في بناء سيارة يمكن وضعها في بضع حقائب سفر، وذلك لصالح البرنامج التلفزيوني الواقعي «جنك يارد وورز» Junkyard Wars.

في عام 2001، قام ديفيد ويلسون ـ مهندس في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ومخترع واحدة من أوائل الدراجات المنبطحة الحديثة ـ بدعوة بابادوبولوس للمشاركة في تأليف الإصدار الثالث من كتاب «بايسايكلينج ساينس» Bicycling Science. كان بابادوبولوس حينها غارقًا في الديون، ومثقلًا بالمسؤوليات؛ فلم يستطع إرسال الفصل الأول إلى ويلسون، ثم توقَّف تمامًا عن الرد على الرسائل الإلكترونية. شعر ويلسون بالخيانة.. وقال عنه: «هو رجل بارع فعلًا، لكن دائمًا ما كان يواجه مشكلات في إتمام أي شيء». وردًّا على ذلك.. يقول بابادوبولوس إنه أكمل العمل بالفعل، لكنه استغرق عامين أكثر مما كان مفترَض له، وهو ما يرجع ـ جزئيًّا ـ إلى مروره بطلاق مُجْهِد.


العودة إلى الدرّاجات

مضى روينا في طريقه في كورنيل، وبدأ في تطبيق الرؤى الثاقبة التي توصَّل إليها الفريق على مجال جديد (مجال الروبوتات). جال بفكره أنه إذا كان بإمكان الدراجات إظهار هذا القدر الرائع من الثبات، بدون نظام تحكُّم، فقد يكون من الممكن تصميم آلة متحركة مبسَّطة تحقِّق الشيء ذاته. وفي عام 1998، عمل روينا مع مارتين فيسيه ـ وهو طالب دراسات عليا، تحت رعاية شواب، في جامعة دلفت للتكنولوجيا في هولندا ـ لبناء آلة بدوّاسة ثنائية، يمكنها السير على منحدر طفيف من دون محرك؛ إذ تقوم بتخزين الطاقة في ذراعيها المتأرجحتين. وبإضافة بعض المحركات الكهربائية، تم إنشاء روبوت يستهلك الطاقة بكفاءة، ويمكنه السير على أرض مستوية.

وفي عام 2002، قرر شواب قضاء إجازة يوم السبت مع روينا، وأخذ الاثنان يناقشان الأعمال القديمة الخاصة بالدراجات. وعندها، اتصل روينا ببابادوبولوس ليدعوه للمجيء، وتكفَّل بمصاريف الزيارة. يقول شواب: «كان ذلك هو لقائي الأول مع هذا العبقري».

في ظل انتشار استخدام الدرّاجات حاليًا أكثر من أي وقت مضى، وجد شواب أنه من غير المعقول أن أحدًا لم ينشر المجموعة الصحيحة من معادلات الدرّاجات بعد، ولم يطبّقها أحد على تحديات التصميم. وفي غضون سنة، كان كلٍّ من شواب، وياب ميارد ـ وهو الآن مهندس في جامعة توينتي في هولندا ـ قد استنبطا معادلاتهما الخاصة بشكل مستقل، ووجدا توافقًا تامًّا مع معادلات بابادوبولوس. ومن ثم، قَدَّمَا مجموعة قطعية من المعادلات الخاصة بالدراجات في مؤتمر للهندسة في كوريا الجنوبية، وقام المتعاونون الأربعة بنشرها في بحث مشترك1.

وفي تلك اللحظة، أصبح التحدي هو إثبات أن الأمر كان يفوق كونه مجرد اكتشاف رياضي. قضى شواب وأحد طلابه سنة كاملة في بناء درّاجة يمكنها الحفاظ على ثباتها بشكل ذاتي، ويكون لها أثر صغير جدًّا سالب القيمة. كانت الدراجة، التي بدت وكأنها نتاج مزج بين سكوتر من طراز «ريزور»، وأرجوحة، بها ثقل بارز أمام العجلة الأمامية، وعجلة تدور في الاتجاه المعاكس لإلغاء التأثيرات الجيروسكوبية. في مقطع فيديو لها أثناء السير، يمكنك أن تراها تميل وتنحرف إلى اليمين، لكنها تستعيد توازنها بعد ذلك من تلقاء نفسها2. وبذلك أثبتت التجربة أن بابادوبولوس كان محقًّا بشأن التفاعل المعقد بين العوامل المختلفة التي تجعل الدراجة ثابتة، أو غير ثابتة.

ومع ذلك.. وبعد الانتظار لثلاثة عقود لكي تصل اكتشافاته إلى نطاق أوسع من الجمهور، شعر بابادوبولوس بالإحباط. يقول: «لم يغيِّر الأمر كل شيء على النحو الذي كنا نتصور»، فهياكل الدراجات هذا العام تشبه كثيرًا هياكل العام الماضي. ويضيف: «ما زال الجميع يقبعون داخل الصندوق»، إلا أنه منذ ذلك الحين انجذب باحثون آخرون إلى فلك المجموعة، مما تمخَّض عن زخم كاف لتدشين مؤتمر «ديناميكا الدراجات الهوائية والبخارية» في عام 2010. حضر هذا المؤتمر الكثيرون من هواة التجارب من كل أنحاء العالم، بعضهم كان قد بَنَى دراجات تجريبية غريبة لاختبار مبادئ تصميمية مختلفة.

وسعى أحد منظمي مؤتمر هذا العام ـ وهو المهندس جيسون مور من جامعة كاليفورنيا في ديفيس ـ إلى البحث في الصلة بين البنية الهندسية لهيكل الدراجات، ومقياس التحكم الموضوعي، أي سهولة التحكم فيها5. استُلهم العمل من بحوث عسكرية مكثفة أُقيمت على الطيارين. وأنشأ مور نموذجًا للتحكم البشري من خلال إجراء عدة مناورات بدراجات مزوَّدة بمستشعرات تقوم برصد التوجيه والميل والسرعة. وكي يجبر نفسه على التوازن والركوب باستخدام حركات التوجيه وحدها (بدلًا من تبديل ثقل وزنه عليها)، اضطر إلى ارتداء أحزمة صلبة، قَيَّدَت نصفه العلوي بالدراجة. ومن ثم، أكدت التجربة الافتراض القائم منذ زمن طويل بأن الدراجات الأكثر ثباتًا أفضل تحكُّمًا، كما أنها تعطي صناع هياكل الدراجات أداة للوصول إلى التصميمات الأمثل.

كما طرحت التجربة لغزًا محيرًا، إذ بلغ عزم التوجيه المطلوب ضعفي أو ثلاثة أضعاف العزم الذي تنبأ به نموذج الدراجات «ويبل» Whipple6. وربما نتج ذلك عن احتكاك وتمدُّد الإطارات التي هي ليست جزءًا من النظام، لكن لا أحد يعرف على وجه اليقين إذا كان ذلك صحيحًا. ولمزيد من الاختبارات، قام مور وزملاؤه ببناء دراجة آلية يمكنها موازنة نفسها. ويقول: «عندما تكون لديك دراجة آلية؛ يمكنك القيام بالكثير من التجارب المجنونة، من دون تعريض بشر لخطر». وفي إحدى تجاربه التشغيلية الأولى، كانت استعادة التوازن بعد تَلَقِّي ضربة جانبية من عصا خشبية. وعلى عكس الكثير من الدراجات الآلية الأخرى، لا تستخدم هذه الدراجة أجهزة جيروسكوب داخلية لتبقى في وضع منتصب، بل تعتمد فقط على التوجيه. وقد قام مور بشحنها إلى شواب؛ لإتمام مزيد من الدراسات عليها.

يملك شواب اليوم مختبرًا، كالذي طالما حلم به بابادوبولوس، ويسعد الأخير بالتعاون معه. يقول: «إنه أجمل شيء يمكن أن تتصوره». كما تشمل مشروعات شواب الأخرى دراجات من النوع الذي يتم توجيهه بسلك، ويسمح له بفصل الحركات التوجيهية عن حركات التوازن، بالإضافة إلى نوع آخر من الدراجات التي تساعد في التوجيه، إذ تستطيع الحفاظ على توازنها عند سرعات منخفضة. كما حدد أيضًا نوع من الدراجات المنبطحة التي يتم توجيهها من الخلف، وتُظْهِر ثباتًا ذاتيًّا؛ ما يعود سببه جزئيًّا إلى عجلة أمامية مكبّرة تعزز التأثيرات الجيروسكوبية. وكانت أهم ميزة في هذا النوع من الدراجات أن لها جنزيرًا أقصر من الدراجات المنبطحة المعروفة؛ ما ينبغي أن يؤدي إلى نقلٍ أفضل للطاقة. يقول شواب: «حاول بعض الناس بناء هذه الدراجات من قبل، لكنها لم تكن صالحة للركوب».

يحاول بابادوبولوس ـ الذي يعمل الآن بالتدريس في جامعة نورث إيسترن في بوسطن ـ أن يعتاد مرة أخرى على البيئة الأكاديمية، فهو يعمل حاليًّا على إنشاء أوجه تعاون، إلى جانب اختبار الأفكار القديمة الخاملة منذ زمن، المتعلقة بالأسباب التي تجعل بعض الدراجات تتأرجح عند السرعات العالية7. وهو يؤمن أنه يستطيع منْع هذا التأرجح باستخدام ممتصّ صدمات؛ لامتصاص الذبذبات في عصا المقعد. ومع زملائه الجدد وطلابه، بدأ يتفرع الآن نحو أنواع أخرى من الأسئلة، لا تتصل كلها بالدراجات.

في قبو منزله، يفتح بابادوبولوس درج خزانة ملفات، ويبدأ البحث في الملفات المتجعدة، التي تحمل عناوين مثل «ضغط الإطارات»، و«الميكانيكا الحيوية»، و«كورنيل». يُخْرِج أحد الكتب: «فسيولوجيا الرياضة؟ لم يعجبني هذا الكتاب بالمرة»، ويُلْقِي به جانبًا. في آخر الدرج، يجد مجلدًا سميكًا يضم أفكارًا بحثية عن الدراجات، كُتب عليه «غير مكتمِل».

يتأمله لبرهة، ثم يصحح العبارة إلى «غير مكتمِل في أغلبه».

  1. Meijaard, J. P., Papadopoulos, J. M., Ruina, A. & Schwab, A. L. Proc. R. Soc. A 463, 1955–1982 (2007)

  2. Kooijman, J. D., G. Meijaard, J. P., Papadopoulos, J. M., Ruina, A. & Schwab, A. L. Science 332, 339–342 (2011).

  3. Jones, D. E. H. Phys. Today 23(4), 34–40 (1970).

  4. Papadopoulos, J. in Biomechanics in Sport: A 1987 Update (eds Rekow, R., Thacker, V. G. & Erdman, A. G.) 83–92 (Am. Soc. Mech. Eng., 1987).

  5. Hess, R., Moore, J. K. & Hubbard, M. IEEE Trans. Syst. Man Cy. A 42, 545–557 (2012).

  6. Schwab, A. L., de Lange, P. D. L., Happee, R. & Moore, J. K. Proc. Inst. Mech. Eng. K 227, 390–406 (2013).

  7. Magnani, G., Ceriani, N. M. & Papadopoulos, J. 2013 IEEE Internatl Conf. Mechatronics 400–405 (2013).