افتتاحيات

علـم التصنيـف في عالَـم افتـراضي

يحاول الناس في كل مكان اصطياد البوكيمون.. فهل يمكنهم أيضًا اصطياد أنواع جديدة من الكائنات؟

  • Published online:

Pokémon Company International and Niantic, Inc.


قَضَى ملايين الأشخاص شهر يوليو الماضي يتجولون في أماكن مختلفة، حيث كانوا ـ على ما يبدو ـ يلعبون لعبة "بوكيمون جو" Pokémon Go الإلكترونية؛ ليبحثوا عن مخلوقات في عالَم من "الواقع المعزَّز". وبينما كان اللاعبون يتجوّلون ممسكين بهواتفهم الذكية عبر المتنزهات العامة والأحياء المجاورة، وفي بعض الأحيان على خطوط السكك الحديدية عالية السرعة أيضًا، كانوا يستكشفون كذلك الحياة البرية.

وسرعان ما دفع ذلك العلماءَ وأنصار حماية البيئة إلى استغلال هذه الفرصة النادرة؛ للوصول إلى قطاع من الجماهير يعكف عادةً على لوحات المفاتيح داخل غرف مظلمة؛ فقاموا بتشجيع الباحثين عن "البوكيمون" على التقاط صور مخلوقات حقيقية، ونشرها على شبكة الإنترنت. والسؤال المهم الآن هو: كم سيمضى من الوقت، قبل أن يتم اكتشاف نوع جديد من المخلوقات بواسطة اللعبة؟

إنّ الأمر ليس محض خيال؛ فـ%90 من النجاح ـ بوجه عام ـ يتشكَّل بالعرق والكفاح، وبذلك.. فقد خلق ملايين اللاعبين ـ الذين يتجولون الآن في كل مكان، باحثين في كل الزوايا، وتحت الشجيرات في كل بقاع العالم ـ من اللعبة تمرينًا رياضيًّا شاقًّا، ويحمل كل منهم كاميرا عالية الوضوح؛ للبحث عن "البوكيمون". ويمكن ربط ذلك بسابقة حدثت في مطلع هذا العام، إذ أفادت مجموعة من العلماء باكتشافهم نوعًا جديدًا من الجراد في الفلبين، سُمّي Arulenus miae، بعد أن لمح أحد الباحثين الحشرة غير المألوفة في صورة منشورة على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" (J. Skejo and J. H. S. Caballero Zootaxa 4067, 383 – 393; 2016 )، إلا أنه يتعين على لاعبي "بوكيمون جو" أن يَحْذَروا؛ إذ لا يوجد أي وجه للشبه بين غزو عالَم من المخلوقات الوهمية الساحرة ـ التي تحمل أسماء معينة، مثل "إيفي"، و"بيدجي" ـ والوقوع في شراك التعقيد التاريخي الذي تتسم به المدونة العالمية لتسمية الحيوانات. ولذا.. إذا التقطت صورة لشيء لم يكن يعرفه العِلْم من قبل، فكيف ستتصرف؟ اعتبِرْ ما يلي دليلًا تقدمه لك دورية Nature؛ لإرشادك إلى التصرف الصحيح.

الخبر الجيد هنا هو أن المدوَّنة (سنستخدم هذا الاسم من الآن فصاعدًا، توفيرًا لحروف "تويتر") تم تحديثها بشكل رسمي، ولم تعد تعتمد على الأشجار الميتة التي كانت تُعرف قبل أن تُولَد أنت. وفي عام 2012، وافقت اللجنة الدولية لتسمية الحيوانات ـ التي تحتفظ بالمدونة ـ على التعامل مع وسائل الإعلام الإلكترونية فقط، رغم ما أبداه التقليديون من اعتراض على هذا الأمر؛ وبذلك صارت تتعامل بمرونة أكبر حيال شروطها المسبقة بعدم السماح بتسمية الأنواع بصورة رسمية، إلا في الدوريات الأكاديمية المطبوعة فقط.

أمّا الخبر السيئ، فهو أنه إذا حدث أنْ رأى أحد علماء الأحياء المتواصِلِين على شبكة الإنترنت أنّ الفراشات، أو الطيور، أو أفراس النهر غير العادية، التي التقطت صورتها، تبدو كما لو كانت نوعًا جديدًا؛ فسيتعين عليك حينها أن تلجأ إلى اصطياد ذلك الحيوان (وقد تحتاج إلى قتله أيضًا).


"مافائدة الاسم؟ فبالنسبة إلى معظم علماء الأحياء، يظل جسم الكائن نفسه هو الأهم".

وإذا كنتَ تعتقد أن الأمر صعب، فبعض علماء الحيوان يتفق معك. وهنا يبرز سؤال مهم: ما فائدة الاسم؟ فبالنسبة إلى معظم علماء الأحياء، يظل جسم الكائن نفسه هو الأهم. وقد بَرَزَ ذلك بعد أن حاول عالِمان خلال العام الماضي التعرف على نوع جديد من ذبابة النحل، كانا قد تَمَكَّنَا من صيدها وتصويرها في جنوب أفريقيا، وتسميتها؛ إذ اصطدما بالأعراف العلمية التي تتطلب تقديم عيِّنة من مزرعة نمطية ـ أو ما يُسَمَّى holotype ـ لإدراج النوع الجديد رسميًّا في قائمة تصنيفية، لكن الذبابة ـ مع الأسف ـ تمكَّنَت من الهرب، قبل أن يتم قتلها وتخليدها بهذا الشكل. ونظرًا إلى عدم رغبتهما في مطاردتها مرة ثانية، قام العالِمان بالمجازفة، وقَدَّمَا الصور وحدها كدليل على اكتشافهما (S. A. Marshall and N. L. Evenhuis Zookeys 525, 117 – 127; 2015).

وقد حَذَّر العلماء بالفعل من تزايد أعداد "هواة التجميع الرقمي" بما يفوق أعداد جامعي العيِّنات، كما أن قواعد الحفظ الجديدة تزيد من صعوبة جَمْع عينات الأنواع الحقيقية ونقلها، إلا أنّ مجتمع التنوع الحيوي سيجد نفسه مضطرًا لمواكبة العصر، كما يرى العلماء، و"التكيف مع الأعداد المتزايدة من الفصائل الجديدة المكتشَفة، دون الالتفات إلى العيِّنات الميتة المحفوظة". وأضافوا أن الصور عالية الجودة "غالبًا ما توفِّر معلومات كافية للحصول على توصيف دقيق"، وهو كلام غير مقنع، لكنْ تظل القوانين لازمةً للتطبيق، وأحيانًا تكون لوضعها في الأصل أسبابٌ وجيهة. ففي شهر يوليو الماضي، انتقد علماء الحيوان من جميع أنحاء العالم بشدة فكرة الاعتماد على الصور فقط؛ إذ لا يمكن تحريك صورة في اتجاهات مختلفة، أو قَلْبها، ولا يمكن إخراجها من أماكن الحفظ، وتمديد رجليها الخلفيّتين برفق، أو إعادة فحص أعضائها التناسلية. وبعبارة أخرى.. لا يمكن التعامل مع الصور بشكل علمي، وستنتج عن ذلك نتائج غير دقيقة، وغير قابلة للإثبات أو إعادة الإنتاج أو التفنيد. وخلص العلماء في تقريرهم إلى أن "روح المدونة العالمية لتسمية الحيوانات قد انتُهكت عمدًا بهذا التوصيف القائم على 'صورة فقط'"، (D. S. Amorim et al. Zootaxa 4137, 121 – 128; 2016).

ومع ذلك.. فأفراس النهر ليست بهذه السرعة، وصَيْدها لا يمكن أن يكون بهذه الصعوبة. ففي حال كان لاعب "بوكيمون جو" الشجاع قد عثر فعليًّا على نوع جديد، وليس مجرد صورة عالية الجودة، سيكون الأمر الأهم حينها ـ بالطبع ـ هو: هل باستطاعته تسمية النوع الذي اكتشفه على اسم والدته؟ وفي هذا الإطار، يبدي علماء الحيوان قدرًا كبيرًا من المرونة، فعلى عكس الكواكب والعناصر الكيميائية والأمراض البشرية، جميع الأسماء تتناسب ـ في الغالب ـ مع الحياة البرية (فمثلًا، يشترك كل من ديك تشيني، وجورج دبليو بوش، ودونالد رامسفيلد في التقاء أسمائهم مع نوع من الخنافس، يُسَمَّى "slime-mould beetle")، لكن عليك التعقل في الأمور؛ فربما لا يُقَدِّر مَثَلُك الأعلى اهتمامَك هذا.

وفي يونيو الماضي، قام عالِم البيئة تشينج بن وانج بإطلاق اسم الرئيس الصيني شي جين بينج على نوع جديد من الخنافس؛ تكريمًا له على "قيادته التي جعلت بلدنا أكثر قوة" (C. B. Wang Zootaxa 4126, 287 – 294; 2016)، حسب قول تشينج، لكن الأجهزة الرقابية الصينية رَدَّت على ذلك بتقنيات الواقع المعزَّز الخاصة بها؛ حيث حاولت حذف أي شيء يشير إلى هذا النوع من الخنافس من على شبكة الإنترنت.