أنباء وآراء

علم القياس: قطة شرودنجر تقرع حدود عالم الكَمّ

استُخدمت التأثيرات الكمية في أجهزة قياسية كثيرة، عدا تلك الخاصة بالمجالات الكهربائية. ومؤخرًا، تم استخدام ظاهرة التراكب الكَمِّي؛ لتعزيز حساسية مقياس كهربي.

تشارلز إس. آدامز
  • Published online:

إن هندسة نُظُم كمية تتفوق على نظيراتها التقليدية في كل المجالات ـ مثل الحوسبة والاتصالات والاستشعار عن بعد ـ لهي تَحَدٍّ كبير يقف أمام تكنولوجيا الكَمّ. في هذا الصدد، قام فاكون وزملاؤه1 في بحثٍ نُشر في دورية Nature، عدد 535، باستعراض الخطوات الرائدة التي اتخذوها نحو تحقيق هذا الهدف، من خلال جهاز استشعار تمت هندسته بشكل كَمِّي، استنادًا إلى ذرات شاذة، يقوم بقياس المجالات الكهربائية الضعيفة ذات الترددات الموجية الميكروية، بحساسية غير مسبوقة. واللافت للنظر أكثر هو تَمَكُّنهم من القيام بذلك، عن طريق استخدام خدعة كمية، من شأنها أن تنشئ "تروسًا" لزيادة الحساسية، معتمدةً على تطبيق شكل من أشكال ظاهرة التراكب الكَمِّي الممثلة في تجربة قطة شرودنجر الذهنية الشهيرة.

تعمل الذرات المستقلة عن بعضها كمستشعرات رائعة، بسبب حركة إلكتروناتها الخارجية عالية الحساسية للوسط المحيط، التي يمكن رصد أي تغيرات تطرأ عليها باستخدام أجهزة الليزر. وإلى جانب كونها حساسة ودقيقة، لا تحتاج تلك الحساسات الذرية إلى معايرة، على عكس أجهزة الاستشعار الأخرى؛ إذ إن الذرات الخاصة بالعنصر ذاته مطابِقة لبعضها البعض. إن استخدام هذه الأجهزة الذرية لقياس الزمن من شأنه أن يؤسس لنظام تحديد المواقع العالمي "GPS"؛ كما بدأت آثار عمليات استشعار المجالات المغناطيسية في الظهور الآن في مجالات عدة، كالطب، وعلم الآثار، والأمن. وإضافة إلى ذلك.. أصبح الاستشعار الذَّرِّي للتسارع والجاذبية أكثر دقة عن أي نهج آخر2. وقد كان معروفًا منذ زمن أنه يمكن تعزيز الحساسية الذرية باستخدام فيزياء الكَمّ3،4؛ فعلى سبيل المثال.. لا تزال الساعة الذرية المعتمدة على المنطق الكَمِّي3 ـ التي ظهرت في عام 2010 ـ واحدة من أدق أجهزة قياس الزمن.

أما القياس الكهربي للمجالات الكهربائية، فقد غاب بشكل كبير عن المشهد. وتمثل الأنواع المختلفة من المجالات الكهربائية ـ مثل تلك المرتبطة بالتيارات الكهربية المستمرة أو المتناوبة ـ تحديات مختلفة للقياس. فقياس المجالات الكهربائية الثابتة (التيار المستمر) عملية مخادعة، إذ إنّ حركة الشحنات الحرة ـ مثل إلكترونات المعادن، أو الشحنات على الأسطح العازلة في الأنظمة التي يمر من خلالها المجال الكهربائي ـ تصعب إزالتها تمامًا، وهي تميل إلى حَجْب المجال.

أما بالنسبة إلى مجالات التيارات المتناوبة عالية التردد، مثل تلك الموجودة في مناطق الموجات الميكروية، أو التيرا هيرتز في الطيف الكهرومغناطيسي، فهي لا تمثل مشكلة كبيرة؛ إذ إن الشحنات الحرة لا يمكنها الاستجابة لمجال التأرجح ـ أي لا تتردد ـ بسرعة كافية لحجبه. والذرات تفعل التصرف ذاته، فهي أيضًا لا تميل إلى الاستجابة إلى هذه المجالات؛ إلا إذا استخدمنا نوعًا شاذًّا من الذرات، يُعرف باسم "رايدبيرج" Rydberg. تتم استثارة الإلكترونات الخارجية لتلك الذرات باستخدام الليزر، بحيث يضعف ارتباطها بالنواة، وتقضي تقريبًا معظم وقتها بعيدةً عنها. كما أن هذا النوع من الذرات  شديدة الحساسية للمجالات الكهربائية، وخاصة مجالات الموجات الميكروية التي تتردد مع انتقال الذرات من حالة إلكترونية مثارة إلى أخرى. وفي السنوات القليلة الماضية، تم الجمع بين هذه الحساسية وتقنيات تسمح بتوليد إشارة ضوئية، كاستجابة لمجال كهربائي، لقياس المجالات غير الرنانة5 وتلك الرنانة6، لكن حتى الآن، اعتمدت كل تقنيات القياس الكهربي على الآثار الفيزيائية التقليدية الأساسية.

وبالتالي، كان التحدي المتبقي هو هندسة حالات كمية؛ لزيادة حساسية المقياس الكهربي. وتناولت دراسة فاكون وزملائه هذا الموضوع؛ إذ لم يكتفوا بعرض عملية الهندسة الكمية، بل قاموا أيضًا بالتوفيق بين تسجيلات الحساسية والمقياس الكهربي6. ولعل الأمر الأكثر غرابة هو أن تتحقق الحساسية القصوى في نظامهم، عن طريق قياس ذرة واحدة في كل مرة، في حين اعتمدت أجهزة القياس الكهربي6 السابقة على قياس عديد من الذرات لتحقيق مستوى مماثل من الأداء. أما الجزء الأروع في عملهم، فهو استخدامهم للتراكب الكَمِّي؛ للحصول على هذه النتيجة، وهو مزج بين حالتين، تختلف فيهما قِيَم الطاقة بشكل كبير.

ولِفَهْم كيف يمكن أن يساعد التراكب الكمي، افترِضْ أن هناك جهاز استشعار، زاد عدد ذراته N؛ ومع استقبال المزيد من الإشارات تزداد الحساسية، لكنها لا ترتفع خطيًّا مع ارتفاع عدد الذرات، إذ يزداد الضجيج المصاحِب للإشارات مع الجذر التربيعي لعدد الذرات N. ويعود سبب ذلك إلى أن القراءة الصادرة من أي جهاز استشعار ذري تكون ثنائية، إذ يتم حساب عدد الذرات في حالتين.. الحالة الأرضية، والحالة المثارة. ويختلف عدد الأحداث في إطار زمني معين، تمامًا كما هو الحال عند إلقاء قطعة نقود معدنية (عدد N من المرات)، وإحصاء عدد المرات التي تظهر فيها الصورة؛ ما يُظْهِر أحد أشكال توزيع "بواسون" Poisson. ومن شأن هذه الإحصاءات أن تحدّ من دقة حتى ما يُسمى بالحدّ الكَمِّي القياسي.

وتكمن الخدعة الكمية للتغلب على ضجيج "بواسون" هذا في ربط جميع الذرات بطريقة خاصة. فعلى سبيل المثال.. يمكن ربطها في تَراكُب كَمِّي يُعرف بحالة "قطة شرودنجر". مثل هذا التراكب يزيد من فجوة الطاقة بين الحالات الإلكترونية التي تدخل في عملية الاستشعار، مما يجعل النظام أكثر حساسية للاضطراب الخارجي. وتشبه الحساسية المعززة نظامًا من التروس (الشكل 1)، إذ يتسبب المجال الكهربائي في تدوير عجلة ترس مقترنة بأخرى، عن طريق التراكب الكمي. وتدور الثانية أسرع من الأولى؛ وبالتالي تُصْدِر قراءة أكثر دقة. وبذلك.. قد تقترب الحساسية الناتجة من حدّ هايزنبرج، وهو الحد الأقصى الذي يمكن الوصول إليه.

<br><p>&nbsp;أ، يمكن للمجالات الكهربائية أن تحفِّز الانتقال من الحالة الأرضية الإلكترونية إلى الحالة المثارة في الذرات. يمثل السهم المائل الظاهر هنا في الترس الأول تراكبًا كميًّا بين حالتي الذَّرَّة المثارة والأرضية. في المقياس الكهربي الذري التقليدي، يمكن تصوُّر المجال الكهربائي على أنه يقود الترس الذي يقوم بتدوير السهم. وتعتمد قراءة قوة المجال على ما إذا كان الترس قد دار ليصبح في الموضع الذي يكون فيه السهم مشيرًا إلى أعلى، أكثر منه إلى أسفل، أم لا. وكلما زاد دوران الترس في مجال كهربائي معين؛ ارتفعت حساسية الجهاز. ب، استخدم فاكون وزملاؤه<sup><a href="#ref1">1</a></sup> التراكب الكمي؛ لإقران الترس الأول بترس ثانٍ، في شكل يشبه التروس الميكانيكية. ولأن الترس الثاني يدور أسرع من الترس الأول في مجال كهربائي معين، فإن حساسية هذا الجهاز أعلى من حساسية المقياس الكهربي التقليدي.</p>


 أ، يمكن للمجالات الكهربائية أن تحفِّز الانتقال من الحالة الأرضية الإلكترونية إلى الحالة المثارة في الذرات. يمثل السهم المائل الظاهر هنا في الترس الأول تراكبًا كميًّا بين حالتي الذَّرَّة المثارة والأرضية. في المقياس الكهربي الذري التقليدي، يمكن تصوُّر المجال الكهربائي على أنه يقود الترس الذي يقوم بتدوير السهم. وتعتمد قراءة قوة المجال على ما إذا كان الترس قد دار ليصبح في الموضع الذي يكون فيه السهم مشيرًا إلى أعلى، أكثر منه إلى أسفل، أم لا. وكلما زاد دوران الترس في مجال كهربائي معين؛ ارتفعت حساسية الجهاز. ب، استخدم فاكون وزملاؤه1 التراكب الكمي؛ لإقران الترس الأول بترس ثانٍ، في شكل يشبه التروس الميكانيكية. ولأن الترس الثاني يدور أسرع من الترس الأول في مجال كهربائي معين، فإن حساسية هذا الجهاز أعلى من حساسية المقياس الكهربي التقليدي.


قام فاكون وزملاؤه باستخدام هذا النهج في أداة القياس الكهربي الخاصة بهم؛ لكن بدلًا من استخدام عدد N من الذرات، قاموا باستخدام عدد N من الحالات في ذرة واحدة من ذرات رايدبيرج. وقد نجح الأمر، إذ إن الفرق في الطاقة بين الحالات المتاخمة هو نفسه؛ مثله مثل المسافات بين درجات السلم. وبالتالي، فإن فرق الطاقة بين الدرجة السفلية والدرجة رقم N هو نفس فرق الطاقة بين وجود عدد N من الذرات في الحالة الأرضية، وعدد N من الذرات على درجة السلم الأولى. وقد استخدم الباحثون أشعة الليزر والمجالات الكهربائية النبضية؛ للوصول إلى حالة قطة شرودنجر التي تؤدي إلى تعزيز الطاقة بعدد مضاعف من القيمة N؛ وبالتالي تحسين الحساسية المطلوبة للقياس الكهربي بمقدار عدد مضاعف من N. إنّ إعداد هذه الحالة هو الجزء الأصعب في الأمر، إلا أن الباحثين بارعون في ذلك، ويُظْهِرون أن بإمكانهم التغلب بسهولة على الحد الكمي القياسي لجهاز الاستشعار الخاص بهم.

ومن خلال تطبيق ما لديهم من خبرة في عالم الكَمّ في القياس الكهربي، فتح فاكون وزملاؤه فصلًا جديدًا في علم القياس الكمي. فجهاز الاستشعار الخاص بهم حجمه كبير إلى حد ما (يمتد إلى أمتار عدة)، ويعمل فقط في ترددات الموجات الميكروية، إلا أن نتائجهم تُظهِر بشكل لافت كيف يمكن لحالة قطة شرودنجر أن تسمح بالقيام بقياسات أكثر دقة. وبالإضافة إلى ذلك.. فإن عملهم يضع أجهزة القياس الكهربي الذرية ـ المصمَّمة بشكل كَمِّي ـ في مصاف أفضل الساعات الذرية وأجهزة قياس المغناطيسية. وعلى الأرجح.. سيسفر المزيد من العمل عن أجهزة تتفوق في الأداء على أفضل أجهزة القياس الكهربي الموجودة حاليًّا، وربما تظهر له تطبيقات أخرى في الرادار الكمي، وعلم الفلك أيضًا.

  1. Facon, A. et al. Nature 535, 262–265 (2016).
  2. Dickerson, S. M., Hogan, J. M., Sugarbaker, A., Johnson, D. M. S. & Kasevich, M. A. Phys. Rev. Lett. 111, 083001 (2013).
  3. Chou, C. W., Hume, D. B., Koelemeij, J. C. J., Wineland, D. J. & Rosenband, T. Phys. Rev. Lett. 104, 070802 (2010).
  4. Muessel, W., Strobel, H., Linnemann, D., Hume, D. B. & Oberthaler, M. K. Phys. Rev. Lett. 113, 103004 (2014).
  5. Mohapatra, A. K., Bason, M. G., Butscher, B., Weatherill, K. J. & Adams, C. S. Nature Phys. 4, 890–894 (2008).
  6. Sedlacek, J. A., Schwettmann, A., Kübler, H., Löw, R., Pfau, T. & Shaffer, J. P. Nature Phys. 8, 819–824 (2012).