تحقيق إخباري

القـارة المنسِيَّـة

الاكتشافات الأحفورية في الصين تتحدى الأفكار الخاصة بتطور الإنسان الحديث، وأقرب أقربائنا.

جين كيو
  • Published online:


DeAgostini/Getty

على أطراف العاصمة الصينية بكين، يقع جبل صغير من الحجر الجيري، يُسمى «تل عظام التنين» Dragon Bone Hill، ويشرف على الحيز العمراني الممتد في محيطه. ويؤدي أحد الممرات ـ الواقع على طول الجانب الشمالي منه ـ إلى مجموعة من الكهوف المسوَّرة، التي تجذب 150 ألف زائر سنويًّا، من طلاب المدارس إلى المتقاعدين من أصحاب الشَّعْر الأشيب. كان ذلك هو المكان الذي اكتشف فيه الباحثون في عام 1929 جمجمة شبه مكتملة، موغلة في القِدَم، أُطلق عليها اسم «إنسان بكين»، وقَدَّروا عمرها بنصف مليون سنة تقريبًا، لتكون بذلك واحدة من أقدم الرفات البشرية المكتشَفة على الإطلاق. وقد ساعدت الجمجمة في إقناع كثير من الباحثين بأن البشرية نشأت أولًا في آسيا.

منذ ذلك الحين، تلاشت الأهمية المحورية لإنسان بكين. وعلى الرغم من أن الوسائل الحديثة المستخدَمة في قياس العمر قد نسبت الحفرية إلى فترة زمنية أقدم، تصل إلى 780 ألف سنة، إلا أن تلك العينة قد توارت وراء اكتشافات في أفريقيا أسفرت عن العثور على رفات لأقارب البشر القدماء، تعود إلى حقب أقدم بكثير. وقد دعَّمت تلك الاكتشافات من مكانة أفريقيا، بوصفها مهد البشرية، أي المكان الذي خرج منه البشر المحدثون وأسلافهم، وانتشروا في أرجاء المعمورة، كما أسهمت الاكتشافات ذاتها في إقصاء آسيا إلى مكان أشبه بطريق تطوُّري مسدود، ولكن قصة إنسان بكين ظلت تطارد أجيالًا عديدة من الباحثين الصينيين، الذين ناضلوا لفَهْم علاقته بالبشر المحدثين. يقول وو شينجي، عالِم الإحاثة بمعهد الحفريات الفقارية ومستحاثات البشر التابع للأكاديمية الصينية للعلوم في بكين IVPP: "إنها قصة بلا نهاية"، إذ تؤرق الباحثين تساؤلات بشأن ما إذا كان نسل إنسان بكين ورفقائه المنحدرين من نوع الإنسان المنتصب (Homo erectus) قد تلاشى وانقرض، أم أنه قد تطوَّر إلى نوع أحدث، وما إذا كان ذلك النسل قد أسهَم في تشكيل الحوض الجيني الخاص بالشعب الصيني الحديث، أم لا.

وحرصًا من الصين على استكشاف جذور شعبها، قامت في العقد الماضي بتسريع جهودها؛ للكشف عن أدلة حول وجود البشر الأوائل عبر أنحاء البلاد. كما تقوم حاليًّا بإعادة تحليل المكتشَفات الأحفورية القديمة، وتخصيص عشرات الملايين من الدولارات سنويًّا لأعمال التنقيب والحفر. وتقوم الحكومة الصينية حاليًّا بإنشاء مختبر بتكلفة 1.1 مليون دولار أمريكي في معهد الحفريات الفقارية ومستحاثات البشر، مخصَّص للعمل على استخلاص الحمض النووي القديم DNA، وتحديد تسلسله الجيني.

يتزامن هذا الاستثمار مع بدء علماء مستحاثات أسلاف البشر في شتى أنحاء العالم في إيلاء مزيد من الاهتمام للحفريات الآسيوية، ودراسة مدى ارتباطها بأشباه البشر الأوائل (hominins)، وهي مخلوقات أوثق ارتباطًا بالبشر منها بحيوانات الشمبانزي. وقد أوضحت المكتشَفات التي تم العثور عليها في الصين وأنحاء أخرى من آسيا أنّ تشكيلة مدهشة من الأنواع البشرية كانت في وقت من الأوقات تجوب القارة، متحديةً الأفكار التقليدية بشأن التاريخ التطوري للبشرية.

يقول وو: "يميل علماء غربيون كثيرون إلى رؤية الحفريات والقِطَع الأثرية الآسيوية من منظور ما كان يحدث في أفريقيا وأوروبا"، ويضيف قائلًا إنّ هاتين القارتين الأخريين قد جَذَبَتَا المزيد من الانتباه عبر التاريخ في دراسات التطور البشري، نظرًا إلى قِدَم الاكتشافات الحفرية التي عُثر عليها هناك، ولقربهما من مؤسسات الأبحاث الكبرى في مجال علم مستحاثات البشر، "ولكن من الواضح بشكل متزايد أن الكثير من المكتشَفات الآسيوية لا يمكن أن تتلاءم مع السرد التقليدي لقصة تطوُّر البشرية".

يتفق كريس سترِنجر ـ عالِم مستحاثات أسلاف البشر بمتحف التاريخ الطبيعي في لندن ـ مع هذا الرأي، ويقول: "كانت القارة الآسيوية ـ وما زالت ـ قارة منسية، ولطالما تم التقليل من الدور الذي لعبَتْه في تطوُّر البشرية".


قصة تطوُّر

تبدأ قصة الإنسان العاقل (Homo sapiens) بصيغتها المعتادة من أفريقيا، وتختلف التفاصيل الدقيقة من رواية إلى أخرى، ولكن تظل الشخصيات والأحداث الرئيسة بشكل عام كما هي، ويظل العنوان دائمًا واحدًا: "الخروج من أفريقيا". ويَرِد في هذه الرؤية التقليدية لتطور الإنسان أن الإنسان المنتصب قد نشأ للمرة الأولى في أفريقيا منذ أكثر من مليوني عام. (انظر: «مساران لتطور البشر»)، ثم حدث في وقت ما، منذ ما يزيد على 600 ألف سنة، أنْ نشأ نوع جديد يُعرف باسم «إنسان هايدلبرج» Homo heidelbergensis الذي عُثر على أقدم بقاياه في إثيوبيا. ومنذ حوالي 400 ألف سنة، غادر بعض أفراد إنسان هايدلبرج أفريقيا وانقسموا إلى فرعين: اتجه الفرع الأول إلى الشرق الأوسط وأوروبا، حيث تطوَّر أفراده إلى إنسان النياندرتال (Neanderthals)، بينما يَمَّمَ الفرع الثاني نحو الشرق، حيث تطوَّر أفراده إلى إنسان دينيسوفان (Denisovans)، وهي مجموعة اكتُشفت للمرة الأولى في سيبيريا في عام 2010. أما البقية الباقية من أفراد إنسان هايدلبرج في أفريقيا، فقد تطوروا في نهاية الأمر منذ ما يقرب من 200 ألف سنة إلى «الإنسان العاقل» H. sapiens الذي نعرفه حاليًّا، ثم ما لبث هؤلاء البشر الأوائل أن قاموا بتوسيع مداهم إلى أوراسيا منذ 60 ألف سنة، حيث حلوا محلّ أشباه البشر الأوائل المحليين، مع حدوث قدر ضئيل من التزاوج بين النوعين.

مِن بين السمات المميّزة لإنسان هايدلبرج ـ الجد المشترك المحتمَل لإنسان النياندرتال، وإنسان دينيسوفا، والإنسان الحديث ـ أن أفراده يمتلكون مزيجًا من الملامح البدائية والحديثة. ومثل غيره من السلالات الأقدم، فإن إنسان هايدلبرج يمتلك جبهة عريضة، وليس لديه ذقن، ولكنه يشبه الإنسان العاقل بأسنانه الأصغر، وجمجمته الأكبر حجمًا. ويرى معظم الباحثين أن إنسان هايدلبرج ـ أو ما يشبهه ـ شكل انتقالي بين الإنسان منتصب القامة، والإنسان العاقل.


وللأسف، تتميز الأدلة الأحفورية لتلك الفترة التي تمثل فجر الجنس البشري بشُحِّها، وكذلك بغموضها في أغلب الأحيان. فتلك الفترة هي الحلقة الأكثر غموضًا في تاريخ تطوُّر البشرية، حسب ما يقول راسل سيوشون، عالِم مستحاثات البشر بجامعة أيوا في مدينة أيوا، ويضيف: «ولكن لتلك الفترة أهمية محورية في فهْمنا للأصول البعيدة للبشرية".

وازدادت القصة غموضًا مع تحليل الحفريات الصينية على مدار العقود الأربعة الماضية، حيث ألقت ظلالًا من الشك بشأن التطور الخطي من الإنسان منتصب القامة الأفريقي إلى الإنسان الحديث. تبيِّن تلك الحفريات أنه في الفترة ما بين 900 ألف و125 ألف سنة تقريبًا، كان شرق آسيا يعجّ بأشباه بشر «هومينين» يتمتعون بملامح يمكن أن تضعهم في مكانة وسط بين الإنسان المنتصب، والإنسان العاقل، حسب ما يقول وو.

يقول سيوشون: "تُعَدّ هذه الحفريات لغزًا كبيرًا، فهي تمثل بوضوح أنواعًا أكثر تطورًا من الإنسان المنتصب، ولكن لا يعرف أحد ماهية تلك المخلوقات، لأنه لا يبدو أنها تتماشى مع أيّ تصنيفات نعرفها".

وقد دفعت الخصائصُ الانتقالية لتلك الحفريات الباحثين ـ مثل سترِنجر ـ إلى إلحاقها بإنسان هايدلبرج. ولأنّ الحفرية الأقدم بين هذه الأشكال ـ التي كانت بمثابة جمجمتين، تم العثور عليهما في يون شيان بمقاطعة هوبي، يعود تاريخهما إلى 900 ألف سنة2،1 ـ فإن سترِنجر يفترض أن إنسان هايدلبرج ربما يكون قد نشأ في آسيا، ثم انتشر إلى القارات الأخرى.

ويزعم كثيرٌ من الباحثين ـ ومنهم معظم علماء الحفريات الصينيين ـ أن الحفريات التي عُثر عليها في الصين تختلف عن حفريات إنسان هايدلبرج التي جاءت من أوروبا وأفريقيا، بالرغم من بعض أوجه الشبه الواضحة. فهناك جمجمة شبه مكتملة، عُثر عليها في دالي بمقاطعة شانشي، يعود تاريخها إلى 250 ألف سنة، وتتميز بأن لديها قِحفًا أكبر، ووجهًا أقصر وعظام وَجْنَة أكثر انخفاضًا، مقارنةً بمعظم عيِّنات إنسان هايدلبرج3، مما يشير إلى أن ذلك النوع كان أكثر تطورًا.

وقد ظلت مثل هذه الأشكال الانتقالية في الصين لمئات الآلاف من السنين، حتى ظهرت أنواع تحمل من الصفات الحديثة ما دفع بعض الباحثين إلى إلحاقها بالإنسان العاقل. ومن بين أحدث تلك الأنواع: نوع تدل عليه سِنّتان، وعظام فك سفلي يعود تاريخها إلى ما يقرب من 100 ألف سنة، وتم الكشف عنها في عام 2007 بواسطة عالِم مستحاثات أسلاف البشر بـ«معهد الحفريات الفقارية ومستحاثات البشر»، ليو وو وزملائه4. تم العثور على الفك في جيرندونج، أحد الكهوف بمقاطعة جوانجشي، ويتميز بمظهر كلاسيكي يشبه الإنسان الحديث، ولكنه يحتفظ ببعض الملامح القديمة لإنسان بكين، مثل البنيان الأشد صلابةً، والذقن الأقل بروزًا.

ويعتقد معظم علماء الإحاثة الصينيين، وبعض مؤيديهم المتحمسين من الغربيين، أن الحفريات الانتقالية دليل على أن إنسان بكين هو الجدّ الأقدم للشعوب الآسيوية الحديثة. وفي هذا النموذج، الذي يُعرف بـ«التعددية الإقليمية» multiregionalism، أو الاستمرارية المصحوبة بالتهجين، نجد أن أشباه البشر المنحدرين من الإنسان المنتصب في آسيا قد تزاوجوا واختلطوا بالجماعات القادمة من أفريقيا ومن أجزاء أخرى من أوراسيا، ونشأت من ذريتهم أسلاف شعوب شرق آسيا الحديثة، كما يقول وو.

وتدعم هذه الفكرة أيضًا القِطَع الأثرية المكتشَفة في الصين. ففي أوروبا وأفريقيا تغيَّرت الأدوات الحجرية بشكل ملحوظ بمرور الوقت، ولكن أشباه البشر في الصين استخدموا الأدوات الحجرية البسيطة نفسها في الفترة ما بين 1.7 مليون سنة، حتى 10 آلاف سنة مضت تقريبًا. ووفقًا لقول جاو زينج، عالِم الآثار بمعهد الحفريات الفقارية ومستحاثات البشر، فإن ذلك يشير إلى أن أشباه البشر المحليين قد تطوروا بشكل مستمر بتأثير بسيط من مجموعات خارجية من السكان.


هل للسياسة دور؟

يرى بعض الباحثين الغربيين أن ثمة ما يدل على دعم النزعة القومية لدى علماء الحفريات الصينيين لفكرة الاستمرارية. يقول أحد الباحثين: "الصينيون لا يقبلون بفكرة أن الإنسان العاقل قد تطوَّر في أفريقيا. إنهم يريدون إرجاع أصل كل شيء إلى الصين".

يرفض الباحثون الصينيون من جانبهم مثل تلك الاتهامات. يقول وو: "ليس للأمر علاقة بالنزعة القومية. الأمر كله يتعلق بالأدلة، التي تتمثل في الحفريات الانتقالية والقطع الأثرية. كل شيء يشير إلى استمرارية التطور في الصين من الإنسان المنتصب إلى الإنسان الحديث".

ونموذج الاستمرارية المصحوبة بالتهجين تقابِله البيانات الجينية الكاسحة التي تشير إلى أفريقيا، بوصفها منبع البشر المُحْدَثِين. تبيِّن دراسات أُجريت على المجموعات السكانية الصينية أن %97,4 من التكوين الجيني لتلك المجموعات يعود إلى أسلاف البشر المحدثين من أفريقيا، في حين تأتي البقية الباقية من أشكال منقرضة، مثل إنسان النياندرتال، وإنسان دينيسوفا5. يقول لي هوي، عالِم الوراثة السكانية بجامعة فودان في شنجهاي: "لو كانت هناك إسهامات ذات قيمة من الإنسان المنتصب الصيني؛ لكانت قد ظهرت في البيانات الوراثية". ويرد وو على ذلك الرأي بقوله إن الإسهام الجيني من أشباه البشر القدماء (archaic hominins) في الصين مِن الممكن أن يكون قد فُقِد، لأنه لم يتم استخلاص أي حمض نووي منها بعد.

يقول كثيرٌ من الباحثين إن هناك طرقًا أخرى لتفسير الحفريات الآسيوية، بدون اللجوء إلى مبدأ الاستمرارية المصحوبة بالتهجين. على سبيل المثال.. يمكن اعتبار أشباه البشر ـ الذين تم اكتشافهم في كهف جيرندونج ـ دليلًا على هجرة جماعية كبيرة، قام بها البشر المحدثون الأوائل من أفريقيا، فيما بين 120 ألف، و80 ألف سنة مضت. وبدلًا من البقاء في بلاد الشام في الشرق الأوسط ـ كما كان يُعتقد سابقًا ـ كان بإمكان هؤلاء البشر الانتشار إلى شرق آسيا، حسبما يقول مايكل بتراجليا، عالِم الآثار في جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة.

وهناك أدلة أخرى تدعم هذه الفرضية، فقد أسفرت أعمال التنقيب في أحد الكهوف في داوشيان بمقاطعة خونان الصينية، عن العثور على 47 من الأسنان الأحفورية التي تبدو شديدة الحداثة، لدرجة أنها يمكن أن تكون قد جاءت من أفواه أشخاص معاصرين، ولكنها حفريات يبلغ عمرها 80 ألف سنة على الأقل، بل ربما يصل عمرها إلى 120 ألف سنة، وفقًا لتقرير أصدره ليو وزملاؤه في العام الماضي6. يقول بتراجليا: «ربما يكون هؤلاء المهاجرون الأوائل قد تزاوجوا مع مجموعات سكانية قديمة، على امتداد خط سير هجرتهم، أو في آسيا، وهو الأمر الذي يمكن أن يفسِّر السمات البدائية للبشر الذين عُثر عليهم في تشيندونج.

وهناك احتمال آخر، يتمثل في أن تكون هناك حفريات صينية ـ بما فيها جمجمة دالي ـ ما هي إلا إنسان دينيسوفان الغامض، وهو النوع الذي تم التعرف عليه من خلال الحفريات التي عُثر عليها في سيبيريا، والتي يزيد عمرها على 40 ألف سنة. لا يعرف علماء الحفريات كيف بدا إنسان دينيسوفان، ولكن دراسات الحمض النووي المأخوذ من أسنانهم وعظامهم تبيِّن أن هؤلاء السكان القدماء قد أسهموا في الجينوم الخاص بالبشر المحدثين، وبخاصة السكان الأصليين لأستراليا، وشعوب بابوا غينيا الجديدة وبولينيزيا، مما يشير إلى أن البشر من نسل إنسان دينيسوفان ربما جابوا قارة آسيا.

تُعَدّ ماريا مارتينيون توريس ـ عالمة مستحاثات أسلاف البشر بكلية لندن الجامعية ـ من بين أولئك الذين طرحوا فكرة أن بعض أشباه البشر الصينيين ينحدرون من إنسان دينيسوفان. وقد عملت توريس مع باحثي «معهد الحفريات الفقارية ومستحاثات البشر» على تحليل7 نُشر في العام الماضي لمجموعة من الحفريات، تم الكشف عنها في خوشياآو بمقاطعة هيبي، بما فيها أجزاء من عظام الفك، وتسع أسنان، يعود تاريخها إلى فترة ما بين 125 ألف، و120 ألف سنة. وتتميز الضروس بضخامتها، وجذورها القوية للغاية، وتجاويفها المعقدة، التي تذكِّرنا بخصائص إنسان دينيسوفان، حسبما تقول توريس.

وهناك فكرة ثالثة أكثر تطرُّفًا، ظهرت عندما قامت توريس وزملاؤها بمقارنة أكثر من 5 آلاف من الأسنان الأحفورية من أماكن متفرقة من العالَم، ووجد الفريق أن العيِّنات الأورآسيوية أكثر تشابهًا مع بعضها البعض من العيِّنات الأفريقية8. وتفترض هذه الدراسة وغيرها ـ ضمن التفسيرات الأحدث للجماجم الأحفورية ـ أن أشباه البشر الأوراسيويين قد تطوروا بمعزل عن نظرائهم في أفريقيا، خلال مدة زمنية طويلة، حيث يعتقد هؤلاء الباحثون أن أول مجموعة من أشباه البشر خرجت من أفريقيا منذ 1.8 مليون سنة، كانت بمثابة المصدر النهائي للإنسان الحديث. وقد استوطن نسل تلك المجموعة في الغالب منطقة الشرق الأوسط، حيث المناخ المناسب، ثم أنتجوا موجات من أشباه البشر الانتقاليين، الذين انتشروا في أماكن أخرى. وقد ذهبت مجموعة أورآسيوية إلى إندونيسيا، بينما كانت مجموعة أخرى سببًا في ظهور النياندرتال، وإنسان دينيسوفان، في حين غامرت مجموعة ثالثة بالعودة إلى أفريقيا، وتطوَّرت إلى الإنسان العاقل، الذي انتشر فيما بعد في أنحاء العالم. ووفقًا لهذا النموذج، نشأ البشر المحدَثون في أفريقيا، ولكن سلفهم المباشر نشأ في الشرق الأوسط.

لا تبدو الفكرة مقنِعة للجميع. يقول سفانتي بابو، عالِم الحفريات في «معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية» في ليبزج بألمانيا: "من المعروف أن التفسيرات الخاصة بالحفريات مثيرة للجدل"، ولكن الحمض النووي المأخوذ من الحفريات الأورآسيوية ـ التي يعود تاريخها إلى بداية الجنس البشري ـ يمكنه المساعدة في الكشف عما إذا كانت قصة ما ـ أو مزيج من القصص ـ هي الأصحّ، أم لا. وتقوم الصين حاليًّا بالدفع في هذا الاتجاه، فقد عادت كياومي فو ـ عالمة الحفريات، التي أجرت أبحاثها للدكتوراة مع بابو ـ إلى وطنها العام الماضي، لتنشئ مختبرًا في معهد الحفريات الفقارية ومستحاثات البشر؛ لاستخلاص الحمض النووي القديم وتحديد التسلسل الجيني له. ومن بين أهدافها العاجِلة أنْ ترى ما إذا كانت بعض الحفريات الصينية تنتمي إلى مجموعة إنسان دينيسوفان الغامضة، أم لا، فالضروس البارزة التي جاءت من خوشياآوسوف تكون هدفًا أول، وكما تقول فو: "أعتقد أن لدينا مشتبهًا به أساسيًّا هنا".


صورة مشوَّشَة

رغم التفسيرات المختلفة لسجل الحفريات الصينية، يتفق الجميع على أن قصة التطور في آسيا أكثر إثارة بكثير مما حسبه الناس من قبل، ولكن تظل التفاصيل مشوشة وغامضة، لأن عددًا قليلًا للغاية من الباحثين قاموا بالتنقيب في آسيا.

عندما بدأ الباحثون في التنقيب في القارة الآسيوية، كانت النتائج مذهلة. في عام 2003، أسفرت أعمال الحفر في جزيرة فلوريس بإندونيسيا عن العثور على أحد أشباه البشر بالغي الصغر9، أسماه الباحثون إنسان فلوريس (Homo floresiensis)، ولَقَّبُوه بـ«الهوبيت». يتميز ذلك المخلوق بتشكيلة متنوعة من الملامح الغريبة، التي ما زالت تثير جدلًا بشأن ما إذا كان شكلًا متقزمًا من الإنسان منتصب القامة، أم أنه ينتمي إلى سلالةٍ ما أكثر بدائية، استطاعت أن تشق طريقها من أفريقيا حتى جنوب شرق آسيا، وعاشت هناك حتى وقت حديث يُقَدَّر بـ600 ألف سنة. وفي الشهر الماضي، ظهرت مفاجآت إضافية من جزيرة فلوريس، حيث وجد الباحثون بقايا أحد أشباه البشر الشبيه بالهوبيت في صخور يعود تاريخها إلى حوالي 700 ألف سنة10.

سيسهم استخراج المزيد من الحفريات من شتى أنحاء القارة الآسيوية إسهامًا واضحًا في سد تلك الثغرات. كما يدعو كثيرٌ من علماء مستحاثات أشباه البشر إلى إتاحة فرصة أفضل للوصول إلى المكتشفات الموجودة، حيث يقتصر الوصول إلى معظم الحفريات الصينية ـ بما فيها بعض أفضل العينات حالًا، مثل جمجمتي يون شيان، ودالي ـ على حفنة من علماء الحفريات الصينيين ومعاونيهم. يقول سترِنجر: "سيكون من الرائع أن تتاح تلك الحفريات؛ لإجراء عموم الدراسات، عن طريق توفير نُسَخ مطابِقة، أو التصوير بالأشعة المقطعية". وإضافة إلى ذلك.. ينبغي قياس عُمْر مواقع الحفريات بشكل أكثر دقة، ويُفَضَّل الجمع بين وسائل قياس متعددة، حسبما يقول باحثون.

هذا.. ويتفق الجميع على أن آسيا ـ كبرى قارات العالم ـ ما زال لديها الكثير لتقدِّمه، فيما يتعلق بإزاحة الستار عن قصة الحياة الإنسانية. يقول بتراجليا: "إن مركز الجاذبية.. يتحول نحو الشرق".

  1. Li, T. & Etler, D. A. Nature 357, 404–407 (1992).

  2. Vialet, A. et al. Comptes Rendus Palevol. 9, 331–339 (2010).

  3. Wu, X. & Athreya, S. Am. J. Phys. Anthropol. 150, 141–157 (2013).

  4. Liu, W. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 107, 19201–19206 (2010).

  5. Hu, Y. et al. Preprint at http://arxiv.org/abs/1404.7766 (2014).

  6. Liu, W. et al. Nature 526, 696–699 (2015).

  7. Xing, S., Martinón-Torres, M., Bermúdez de Castro, J. M., Wu, X. & Liu. W. Am. J. Phys. Anthropol. 156, 224–240 (2015).

  8. Martinón-Torres, M. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 104, 13279–13282 (2007).

  9. Brown, P. et al. Nature 431, 1055–1061 (2004).

  10. van den Bergh, G. D. et al. Nature 534, 245–248 (2016).