أخبار

المصير المجهول لعلماء بريطانيا، بعد صدمة استفتاء «الخروج»

الباحثون يضغطون من أجل البحث العلمي، بينما تتهيأ بريطانيا للانفصال عن الاتحاد الأوروبي.

  • ليسون أبوت
  • دانْيِل كريسي
  • ريتشارد فان نوردن
  • Published online:

<p>ألقى تصويت المملكة المتحدة على الخروج من الاتحاد الأوروبي بظلال كثيفة من الشكوك في أرجاء القارة. </p>

ألقى تصويت المملكة المتحدة على الخروج من الاتحاد الأوروبي بظلال كثيفة من الشكوك في أرجاء القارة.

Neil Hall/Reuters


بينما لم تهدأ بعد العاصفة التي خلّفها تصويت الممملكة المتحدة في الشهر الماضي على الخروج من الاتحاد الأوروبي، إلا أن الباحثين في بريطانيا بدأوا بالفعل الاستعداد لعواقب هذه النتيجة.

ففي 23 يونيو، صوَّت %52 من المشاركين في استفتاء المملكة المتحدة للخروج من الاتحاد الأوروبي. ولا أحد يعلم على وجه اليقين تأثير هذا «الخروج» على البحث العلمي، ولكنّ كثيرًا من الباحثين يخشون من حدوث ضرر طويل الأمد.

وبخلاف الآثار الاقتصادية العاجلة، واحتمال فَقْد تمويل الاتحاد الأوروبي ـ الذي يوفر حوالي %16 من المال الذي تحتاجه الأبحاث العلمية الجامعية في المملكة المتحدة ـ يخشى العلماء من فقدان حرية الانتقال والحركة بين المملكة المتحدة وباقي القارة.

«شاركتُ أمس في ندوة مهنية تتغنى بمزايا المملكة المتحدة كمكان رائع حافل بالفرص للعلماء والباحثين الشباب، لكنني أشعر بأن ذلك قد تغيَّر بين ليلة وضحاها»، كان هذا هو رأي فانيسا سانشو – شيميزو، باحثة إسبانية متخصصة في الأمراض المعدية في إمبيريال كوليدج لندن، ردَّت به على استطلاع دورية Nature الدولية، وهو الرأي نفسه الذي عبَّر عنه عدد كبير من العلماء.

وبدأ باحثون بالفعل في تعبئة الجهود؛ للضغط من أجل استمرار مشاركة المملكة المتحدة في برامج العلوم الأوروبية، وتعويض أي نقص في التمويل من الميزانية الداخلية. وكما يقول مايك جولزويرذي، الذي يقود حملة ’علماء من أجل الاتحاد الأوروبي‘: «نحتاج إلى مراقبة سريعة؛ لرصد عواقب الخروج مبكرًا، واتخاذ تدابير إصلاحية».

ويقول جون ومزلي، الرئيس التنفيذي لمجلس مرافق العلوم والتكنولوجيا في المملكة المتحدة: «إذا أراد العلماء التأثير على استراتيجية المملكة المتحدة في التفاوض، عليهم تحديد أولوياتهم بوضوح، والشروع في الدفاع عن هذه الأولويات بقوة»، مضيفًا أن الحصول على ضمانات بالبقاء ضمن برنامج «هورايزون 2020» الأوروبي للمِنَح البحثية ـ الذي تبلغ ميزانيته 74.8 مليار يورو (82.9 مليار دولار) ـ ينبغي أن يكون الهدف الأول ـ والوحيد ـ للعلماء في بريطانيا.

وحرص جامي مارتن ـ استشاري التعليم المستقل، الذي كان أحد مؤيدي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ـ على طمأنة العلماء القلقين. وكان أغلب الأكاديميين يحشدون جهودهم؛ من أجل الضغط لبقاء المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي. ويقول مارتن إن «الخبر السار الآن أن أشَدّ مؤيدي الخروج من الاتحاد الأوروبي يتفقون مع العلماء فيما يتعلق بالبحث العلمي». ويتضمن ذلك، على حد قوله، الانفتاح على الباحثين المتميزين من الدول الأخرى، وفهْم أهمية التمويل المستمر.

العنصر البشري

ما زال وقت خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي أمرًا غير معلوم، فليس هناك موعد محدد لكي تنفذ الحكومة البريطانية «المادة 50» من معاهدة لشبونة للاتحاد الأوروبي، ولكنها فور البدء في ذلك ستُطْلِق سلسلة من المفاوضات، يجب أن تكتمل خلال عامين. وقال العديد من المدافِعين والمؤيدين للخروج من الاتحاد الأوروبي إنه لا يوجد أي داع للبدء في ذلك على الفور، ومن الممكن البدء أولًا في المفاوضات غير الرسمية مع بقية دول الاتحاد الأوروبي.

مايك جولزويرذي يريد مراقبة دقيقة للبحث العلمي في المملكة المتحدة؛ لرصد أي آثار سلبية بسبب نتائج الاستفتاء.

مايك جولزويرذي يريد مراقبة دقيقة للبحث العلمي في المملكة المتحدة؛ لرصد أي آثار سلبية بسبب نتائج الاستفتاء.

Gavin Black Photography


ويرى المؤيدون لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أن المملكة المتحدة بإمكانها السماح باستقطاب الباحثين المهرة والمدرّبين، مع تخفيض إجمالي أعداد المهاجرين. وطالب أنصار حملة «الخروج» بنظام الهجرة المعتمِد على النقاط، على غرار أستراليا؛ الأمر الذي سيوفر فرصًا متكافئة أمام الباحثين كافة، سواء من الاتحاد الأوروبي، أم من غيره.

وليس واضحًا ما إذا كانت المملكة المتحدة ستستمر كوجهة جاذبة للباحثين المتميزين، أم لا. يقول البعض إنهم يشعرون بأن وجودهم غير مرحَّب به في البلد، بسبب التصويت، والحملة السابقة له، الأمر الذي تجلَّى في الخطاب المشحون حول الهجرة.

المال

حتى المختبرات التي يعمل بها باحثون بريطانيون فقط قد تشعر بوطأة نتائج التصويت. فخلال العقد الماضي، ضخَّت صناديق التمويل البحثي الأوروبية نحو 8 مليارات يورو في المملكة المتحدة، التي تلقّت جامعاتها ومؤسساتها البحثية النصيب الأكبر من القروض والمِنَح الأوروبية من بنك الاستثمار الأوروبي، إذ بلغ إجمالي ما حصلت عليه منذ عام 2005 أكثر من 2.8 مليار جنيه استرليني، وهو ما يعادل %28 من إجمالي قروض البنك للتعليم العالي والبحوث خلال هذه الفترة. ويقول ريتشارد ويليس، المتحدث الرسمي باسم بنك الاستثمار الأوروبي، إنه لا تراجع عن القروض المتفق عليها، لكن الغموض يكتنف مصير القروض التي لم يُبَتّ في أمرها بعد.

وقد تعهَّد أبرز أنصار ومؤيدي «الخروج» قبل التصويت «باستمرار تلقِّي الجامعات والعلماء» في المملكة المتحدة لمبالغ التمويل من الاتحاد الأوروبي، دون أدنى تغيير.

ومن الممكن أن تتفاوض بريطانيا على شروط مماثلة للاتفاقيات التي تربط 15 دولة أوروبية من غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ببرنامج هورايزون 2020، ولكن ذلك لن يكون ممكنًا، إذا قررت المملكة المتحدة تقييد حرية حركة الأفراد، مثلما طالَب عديد من مؤيدي «الخروج من الاتحاد الأوروبي». فسويسرا هي إحدى الدول المنتسِبة إلى برنامج هورايزون 2020، لكن باحثيها تعرضوا للاستبعاد من الاستفادة الكاملة من مزايا البرنامج، بعد التصويت في استفتاء 2014 على تقييد الهجرة.

المستقبل البعيد يثير قلقي إلى أقصى درجة

يقول ستيفين كاولي، الذي يدير «مركز كولهام للطاقة الانصهارية» في أبينجدن بالمملكة المتحدة: «المستقبل البعيد يثير قلقي إلى أقصى درجة». يدير المركز منشأة «توروس الأوروبية المشتركة» للانصهار النووي، بالإنابة عن المفوضية الأوروبية. وينتهي عقد إدارة منشأة «توروس الأوروبية المشتركة» في عام 2018، ولكن كاولي يبدي ثقته في تمديده، لأنه يقدِّم خبرة مهمة وأساسية لمشروع «المفاعل التجريبي النووي الحراري الدولي» (المعروف اختصارًا باسم ITER)، وهو مشروع دولي ضخم لتجربة الانصهار، يجري إنشاؤه في جنوب فرنسا. المشكلة الجوهرية ـ على حد قوله ـ تتمثل في أن المملكة المتحدة لن تستطيع المنافسة لاستضافة أي منشأة أوروبية ضخمة في المستقبل.

وفيما يتعلق بمشروع «ITER» نفسه، فإن الاتحاد الأوروبي هو من بين سبع جهات دولية كبرى مشارِكة في المشروع. وسيكون على المملكة المتحدة أن تعيد الانضمام، إمّا كدولة قائمة بذاتها، على غرار عضويتها في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية التي أنشأت المختبر الأوروبي لفيزياء الجسيمات، أو كعضو بنظام الانتساب، على غرار سويسرا.

السياسات

قد يعيد خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي رسم ملامح السياسات في الدول الباقية فيه.

لقد كانت ألمانيا، وإيطاليا، والنمسا من الدول التي عارضت تمويل الاتحاد الأوروبي لأبحاث الخلايا الجذعية البشرية. وطالبت دول أخرى ـ ومنها المملكة المتحدة، والسويد ـ بتمويل الأبحاث تحت إشراف أخلاقي ملائم؛ ليسفر الأمر في النهاية عن اتفاق يمكن بمقتضاه تمويل فِرَق التعاون البحثي، طالما أن الشركاء من الدول التي تحظر الأبحاث لا يتعاملون مع الخلايا الجذعية البشرية بأنفسهم. وحسب كريستين موميري، الباحثة في الخلايا الجذعية في مركز جامعة ليدن الطبي في هولندا، كانت المملكة المتحدة في «طليعة الدول التي أرشدتنا للوصول إلى طريقة مقبولة وعملية للتغلب على المشكلات التي واجهتنا. وكَوْن المملكة المتحدة لا تستطيع المشاركة في قرارات مثل هذه يشعرني بالعصبية».

يخشى العلماء الأوروبيون الآخرون على مستقبَل القواعد العلمية في دولهم، لو أدَّت نتائج التصويت في المملكة المتحدة إلى تعزيز الحركات الأخرى المناهِضة للاتحاد الأوروبي. فالسياسيون اليمينيون الذين يحظون بشعبية في فرنسا، وهولندا، والدنمارك بدأوا بالفعل ينادون بإجراء استفتاءاتهم الخاصة على الخروج من الاتحاد الأوروبي.

يقول جيمز ويلزدون ـ الباحث في سياسات العلوم في جامعة شيفيلد بالمملكة المتحدة ـ إن هناك مشكلة أكثر خطورة، يجب على الباحثين البريطانيين التعامل معها، بخلاف قضايا استمرار الحصول على تمويل الاتحاد الأوروبي والاستفادة من سياساتها، ألا وهي حقيقة أن أغلب الخبراء الأكاديميين، وجماعات الضغط من الباحثين وغيرهم من الخبراء طالبوا بالبقاء في الاتحاد الأوروبي، لكن الشعب تجاهلهم. ويستطرد قائلًا: «نحن إزاء قضية كبرى، تَوَفَّر حولها سَيْل من التحليلات الراسخة والأدلة التجريبية، لكن الشعب رفضها بنسبة %52. وهذا الأمر جدير بالدراسة الجادة، والتأمل، والبحث في الذات».