تحقيق إخباري

القوة العظمى الكامنة في عمليات وضع التسلسل الجينومي

البداية، استحوذت الصين على عمليات تسلسل الحمض النووي.. وتريد الآن أنْ تهيمن على الطب الدقيق أيضًا.

ديفيد سيرانوسكي
  • Published online:

Sim Chi Yin/VII


قبل ست سنوات، كانت الصين في صدارة مجال تسلسل الحمض النووي على مستوى العالم، وذلك بفضل شركة واحدة؛  هي BGI في مدينة شنزن. في ذلك الوقت، فور شرائها 128 آلة من أسرع آلات التسلسل في العالم، قيل إنها باتت تمتلك أكثر من نصف السعة العالمية لفك رموز الحمض النووي. وكانت تعمل على جمع جيش من الشباب الواعد المختص بنظم المعلومات الحيوية، متعاونةً مع كبار الباحثين حول العالم، كما قامت بالكشف عن تسلسلات جينومات مخلوقات عدة؛ بدءًا من البشر القدماء، حتى حيوان الباندا العملاق. وسرعان ما اكتسبت سمعة جيدة كمصنع ذي قوة ضاربة ـ بنيوية أكثر من كونها فكرية ـ في مجال دراسات الجينوم، لكن بعد مرور ست سنوات، اختلف المشهد تمامًا. ففي شهر يوليو 2015، ترك جون وانج ـ العالِم الأكثر شهرة في الشركة، وأحد قاداتها ذوي الرؤية الثاقبة ـ منصبه؛ والآلة التي كانت قد منحت الشركة القدرة على الهيمنة على المجال باتت قديمة. وفي نوفمبر، واجهت الشركة عقبات عدة أثناء محاولاتها تطوير جهازها الخاص لتسلسل الجينوم الكامل بنطاق صناعي. وفي الوقت ذاته، زادت مبيعات النظام المنافِس المسمى «إكس سيريز» X series ، الخاص بشركة «إيلومينا» Illumina، رافعًا سرعة أداء عمليات التسلسل، ومخفِّضًا أسعارها على مستوى العالم.

وبذلك.. ظهرت شركات منافسة لشركة BGI، مجهَّزة بأحدث أدوات التسلسل، أبرزها شركة «نوفوجين» Novogene في بكين، التي أسسها في عام 2011 ريكيانج لي، الذي كان يشغل في السابق منصب نائب رئيس شركة BGI. ورغم أن BGI ربما لم تعد تمتلك الهيمنة المطلقة التي كانت تمتلكها في السابق، إلا أنها لا تزال تَدَّعِي امتلاك السعة الأكبر لعمليات التسلسل على مستوى العالم، إضافة إلى طموحاتها العلمية الكبرى، التي تتضمن وضع التسلسل الجينومي لمليون شخص، ومليون نوع من النباتات والحيوانات، ومليون نظام بيئي ميكروبي. وبذلك كله تُولَد الصين من جديد اليوم، بقوة ضاربة في هذا المجال، وقاعدة عمل أوسع.

ومن شأن هذه الريادة أن تغذِّي مبادرة الطب الدقيق، البالغة ميزانيتها مليارات الدولارات، التي ستستمر لمدة 15 سنة، إذ أعلنت عنها الصين في شهر مارس الماضي كمنافِسة لمبادرة أخرى مماثِلة في الولايات المتحدة. فإذا حققت هذه الجهود أهدافها؛ يتوقع الأطباء أن يتمكنوا حينها من استخدام جينوم كل شخص وفسيولوجيا جسمه؛ لاختيار العلاج الأفضل لمرضه. أما الآن، فتهدف شركات التسلسل إلى استنباط فوائد طبية من وفرة البيانات الجينومية المتاحة.

وللقيام بذلك.. لا تكفي بيانات التسلسل وحدها؛ ولذا.. يتجاوز بعض الشركات الصينية عمليات التسلسل ذات القوة المفرطة، لاستنباط مدى أهمية عوامل أخرى، مثل نمط الحياة المتبع لفهم المخاطر المرتبطة بالمرض والعثور على علاجات له. يقول هانيس سماراسون، مدير العمليات، والمؤسس المشارك لشركة «ووشي نكستكود» WuXiNextCODE، وهي شركة مقرها في كمبريدج بولاية ماساتشوستس، مختصة بالجينومات، وتُعتبر جزءًا من شركة «ووشي آبتيك» WuXi AppTec في شنجهاي: «ما يميز الصين هو أن طموحها حيال برنامج الطب الدقيق يفوق ذلك الموجود في الولايات المتحدة بعدة درجات. إنهم في الصين مفعمون بالحيوية، ومتفتحون للآراء المختلفة؛ فتجد فكرة دمج دراسات الجينوم في مجال الرعاية الصحية هناك واقعًا حقيقيًّا».

 

ظهور الآلة

إنّ الطاقة الحديثة الكامنة وراء عمليات التسلسل يعود الفضل فيها بدرجة كبيرة إلى جهاز واحد، هو HiSeq X Ten الخاص بشركة «إيلومينا»، الذي سُميّ كذلك لأنه يباع على شكل مجموعات من عشر وحدات. وعندما طُرح الجهاز في الأسواق في عام 2014، كانت إحدى المجموعات المطروحة قادرة على وضع تسلسل الجينوم البشري بتكلفة تقارب 1000 دولار أمريكي، وكانت تستطيع إنجاز حوالي 18,000 جينوم بشري كل عام. لذا.. رأت شركات أخرى أرادت منافسة شركة BGI في ذلك فرصة جيدة؛ وانطلقت فورًا لاغتنامها.

كانت شركة «نوفوجين» هي الأولى في ذلك. وباتباع نمط مماثل لذلك الخاص بشركة BGI، دأب مؤسِّسها لي على جمع عدد كبير من المتخصصين في نظم المعلومات الحيوية؛ لوضع بيانات التسلسل وتفسيرها، كجزء من مشروعات البحوث الأساسية التعاونية المجراة على القرد ذي الأنف الأفطس Rhinopithecus roxellana1، والقطن من نوع Gossypium hirsutum2، وغير ذلك من النباتات والحيوانات الأخرى. وباستخدام الجهاز نفسه، قامت عدة شركات أخرى ـ من بينها «ثي فارما تك» WuXi PharmaTech، و«كلاود هيلث» Cloud Health، الموجودتان في شنجهاي ـ بصَبّ تركيزها الأكبر على تقديم خدمة التسلسل لشركات الأدوية، أو الشركات المختصة بالجينومات الشخصية.

وتتسارع وتيرة النمو باستمرار، إذ أضافت شركة «نوفوجين» مجموعة أخرى من مجموعات X Ten في شهر أبريل، كما يقول جيسون جانج جين - المدير العام لشركة Cloud Health - أن الشركة ستضيف مجموعتين أخرتين هذا العام. وفي الغالب بحلول نهاية العام سيكون لدى الصين 70 وحدة على الأقل، بينما تقول شركة «إيلومينا» أنه بالفعل بنهاية العام الماضي كان قد بيع 300 وحدة على مستوى العالم.

ومن جانبها، تحاول شركة BGI اللحاق بركب الجميع؛ فقامت في عام 2013 بشراء شركة «كومبليت جينوميكس» Complete Genomics، الكائنة في ماونتن فيو بكاليفورنيا، في محاولة لابتكار آلات تسلسل خاصة مطوَّرة، لاستخدامها ضمن أعمالها الخاصة، وبيعها للآخرين. وفي يونيو من العام الماضي، أعلنت الشركة عن نظام أسمته «ريفولوسيتي» Revolocity، في محاولة للتماشي مع جهاز HiSeq X، لكن في شهر نوفمبر، بعد أن تلقت ثلاثة طلبات للجهاز، قامت الشركة فجأة بتعليق المبيعات، وبقيت على أسطولها المتقادم المكوَّن من 128 آلة من آلات HiSeq 2000 الخاصة بشركة «إيلومينا»، ومجموعة من آلات وضع التسلسل الأحدث الخاصة بعدة شركات مختلفة، بما في ذلك آلات خاصة بها هي ذاتها.

تتراوح تقديرات حصة الصين من السعة العالمية لعمليات التسلسل بين %20، و%30، وهي نسبة لا تزال أقل مما كانت عليه عندما كانت شركة BGI في أوجها، لكنها من المتوقع أن ترتفع بشكل سريع. يقول ريتشارد دالي، المدير العام لشركة «دي إن إيه نيكسوس» DNAnexus الكائنة في ماونتن فيو، وتقدم منصات سحابية من أجل الدراسات واسعة النطاق للجينوم: «تتزايد سعة عمليات التسلسل بشكل سريع في كل مكان، لكنها ترتفع في الصين بسرعة أكبر من أي مكان آخر».

ولا تزال شركة BGI تملك في جعبتها جهازًا آخر، هو BGISEQ-500، وهو أشبه بأداة لسطح المكتب، يتم استخدامها في المختبرات البحثية. يستند هذا الجهاز أيضًا إلى تكنولوجيا شركة «كومبليت جينوميكس»، ومن المتوقع إطلاقه في العام الحالي. يقول ييوو هي ـ رئيس الأبحاث العالمي الجديد في شركة BGI ـ إنه يمكن لهذا النظام أن يضع تسلسل الجينوم البشري مقابل 1000 دولار. ونظرًا إلى صغر حجمه، وزيادة المرونة في الاستخدام، من شأنه أن يلبي حاجة الصين المتزايدة لعمليات التسلسل من أجل الاستخدمات الإكلينيكية. يقول هي: «ستُجرى عمليات تسلسل كثيرة في المستشفيات خارج معاهد البحوث». وهو يتوقع أن تخفض الشركة سعر عملية تسلسل الجينوم البشري الواحد إلى 200 دولار في السنوات القليلة المقبلة. ويضيف: «تُعَدّ الصين هي المكان الأكثر إثارة لإجراء بحوث الطب الحيوي».


الجينومات في مجملها

أرسل الإعلان عن برنامج الطب الدقيق موجة من الإثارة بين عمالقة عمليات التسلسل في الصين. ومن المفترض أن تُنفق الأموال على تحسين التقنيات، وعلى عمليات التسلسل، ومشاركة وتحليل أكثر من مليون جينوم بشري، إضافة إلى تطوير الأدوية وأساليب التشخيص من البيانات، واستخدام هذه النتائج لتحديد خدمات الرعاية الطبية المقدمة. وقد اصطفت المستشفيات والأطباء كفريق واحد إلى جانب شركات التسلسل؛ من أجل التوصل إلى مقترحات للعمل، طامعةً في الحصول على حصة من الأموال.

سيتم تقسيم المليون جينوم البشري بين مجموعة متنوعة من الدراسات، وستشمل مجموعات من 50,000 شخص، كل منهم يعاني إما من مرض التمثيل الغذائي، أو من سرطان الثدي، أو سرطان الأمعاء، أو أي حالة أخرى. كما ستكون هناك مجموعات تمثّل شمال ووسط وجنوب الصين، «لإلقاء نظرة على الخلفيات الجينية المختلفة للمجموعات الثانوية من السكان»، كما يقول لي. وثمة مشروعات مماثلة في أماكن أخرى أيضًا، من ضمنها مشروع في المملكة المتحدة، يقوم بتسلسل 100,000 جينوم، وآخر في الولايات المتحدة، تبلغ ميزانيته 215 مليون دولار، ويهدف إلى تغطية مليون جينوم، لكن ستظل للصين بعض المزايا، حسب قول المراقبين، كدعم الحكومة القوي لها مثلًا؛ إذ وعدت الحكومة بأنها على مدى السنوات الخمس المقبلة ستقوم بإضافة عديد من أدوية الطب الدقيق ومنتجات التشخيص الجزيئي إلى قائمة التأمين الطبي الوطنية، تأكيدًا على أن تكاليف البحوث التي تتكبدها الشركات ستستردها، إذا أنتجت مثل هذه المنتجات. يقول دالي: «هناك تقبُّل أكبر لعمليات التسلسل، ورغبة في الاستثمار فيها في الصين».

تتزايد سعة عمليات التسلسل بشكل سريع في كل مكان، لكنها ترتفع في الصين بسرعة أكبر من أي مكان آخر

ومِن المقرر أن تفتتح شركة BGI في سبتمبر المقبل البنك القومي الصيني للجينات، وهو مرفق يمتد على مساحة خمسة هكتارات فى مدينة شنزن، سيتضمن ملايين العينات من البشر، والحيوانات، والنباتات، والميكروبات. وقد وضعته الحكومة المركزية في عهدة شركة BGI على أن يتيح البنك بعض العينات والبيانات للباحثين في جميع أنحاء العالم. وتقوم الشركة بتجميع قاعدة البيانات الخاصة بها، المستنبَطة من مليون جينوم بشري، وستتداخل ـ إلى حد ما ـ مع المشروع الوطني؛ وسوف تحقق الهدف قبل أي جهة أخرى في العالم، كما يتوقّع هي. يقول: «يمكننا الوصول إلى الهدف بشكل أسرع، بسبب شراكتنا مع الحكومة والمستشفيات والجامعات، لأننا نستطيع التحرك بشكل أسرع من اتحادات أخرى كبيرة، خاصة أننا نمتلك آلة التسلسل الخاصة بنا.. فهذه ميزة كبيرة».

إنّ إدراك مدلولات مليون جينوم بشري هو بمثابة تحد كبير، كما يقول وانج، الذي استقال من شركة BGI؛ ليؤسس شركة أخرى تُسمى «أي كربون إكس» iCarbonX فى شنزن. وتخطط الشركة لجمع بيانات تسلسل جينومات أكثر من مليون شخص، كبداية، فضلًا عن معلومات بيولوجية أخرى، بما في ذلك التغيرات في مستويات البروتينات ونواتج الأيض، وصور الدماغ، والمجسات الحيوية لرصد مستويات الجلوكوز مثلًا، وحتى استخدام مراحيض ذكية تستطيع رصد البراز والبول آنيًّا، يسميها وانج «نموذج رقمي منك»، وهو يخطط لاستخدام الذكاء الاصطناعي؛ لدمج كافة البيانات؛ بهدف تقديم رعاية طبية تتناسب مع جينات كل فرد وحالته الفسيولوجية. وبعد أقل من سنة، جمع وانج أكثر من 100 مليون دولار، جزء كبير منه أتى من شركة «تينسينت» Tencent في شنزن، التي تقف وراء تطبيق «وي تشات» WeChat للتواصل الاجتماعي، حيث يقول وانج إنه سيساعد في بناء منصة جمْع البيانات.

وقد بدأت الصين بالفعل في استكشاف الطرق الأخرى التي يمكن لعلم الجينوم أن يفيد الصحة من خلالها. ففي شهر مارس، احتفلت شركة BGI بالمرة المليون التي تقوم فيها بإجراء اختبار NIFTY، وهو مسح للكشف عن تسلسل الحمض النووي الجنيني الجوال في دم الأم؛ لاكتشاف عيوب في الكروموسومات، مثل تلك المسبِّبة لمتلازمة داون3. وإضافة إلى ذلك.. يسير علم الوراثة المتعلق بالسرطان أيضًا في طريقه بشكل جيد، ففي العام الماضي قامت شركة «كلاود هيلث» Cloud Health بإدخال البيانات الجينومية المجمَّعة من حوالي 15,000عينة ورمية إلى أكثر من 100 شركة مختصة بعلم الوراثة في الصين؛ للمساعدة في التشخيص، والتأكد من أن المرضى يتناولون أدوية العلاج الكيميائي المناسبة. ويبدو أن سوق الاختبارات الجينومية باهظة الثمن ينمو حاليًّا بما يناسب الطبقة الوسطى في البلاد، إذ يقول دالي: «في الصين ثمة 100 مليون شخص يتجاوز دخلهم الآن 50,000 دولار».

أما بالنسبة إلى وانج، فإن عملية التسلسل نفسها أصبحت قديمة. «إن دراسات الجينوم مهمة، لكنها لا تشكل سوى جزء صغير من حل اللغز. إن السمات المعقدة كلها، والاضطرابات العصبية التنكسية، والسرطان، والسكري، كلها تفوق علم الوراثة. فإذا كنا نتحدث فقط عن دراسات الجينوم، والبيانات الضخمة، دون معلومات إكلينيكية، فلن يكون ذلك كافيًا».

  1. Zhou, X. et al. Nature Genet. 46, 1303–1310 (2014).
  2. Zhang, T. et al. Nature Biotechnol. 33, 531–537 (2015).
  3. Dan, S. et al. Prenat. Diagn. 32, 1225–1232 (2012).