تحقيق إخباري

رسّام الخرائط الكيميائية

يَستخدِم بيتر دورستين مطياف الكتلة؛ لرسم خريطة لعالَم الميكروبات.

بول تاليس
  • Published online:

يمكن للطرق التي ابتدعها بيتر دورستين أن تكشف ما تقوم به الميكروبات في المجتمعات المعقدة.

يمكن للطرق التي ابتدعها بيتر دورستين أن تكشف ما تقوم به الميكروبات في المجتمعات المعقدة.

Sandy Huffaker


لو استثنينا جهاز المشي، فلن نجد في مكتب بيتر دورستين ـ الكائن في جامعة كاليفورنيا، سان دييجو (يو سي إس دي) ـ ما يميزه؛ إذ توجد به طاولة دائرية، حولها الكراسي المتراصة، وخزانة كتب محشوة بالدوريات العلمية، والأبحاث، والكتب، وبعض لوحات التكريم له، ولأبحاثه.

لكن دورستين يحب أن يتيح لزوّاره نظرة عن قرب؛ فيستدعي على شاشة حاسوبه نموذجًا ثلاثي الأبعاد للمكان، ليرى الزائرون أربعة أشخاص يجلسون حول الطاولة ـ أحدهم هو دورستين نفسه ـ وتبدو هيئتهم كما لو كان أحدهم لطخهم بطلاء زاهٍ. ولإنتاج مثل هذه الصورة، مسح باحثون كل الأسطح الموجودة في الغرفة ـ بما فيها الأشخاص ـ عدة مئات من المرات، ثم قاموا بتحليل هذه العينات باستخدام مطياف الكتلة؛ لكي يتعرفوا على المركبات الكيميائية الموجودة في كل موضع من الغرفة.

وتكشف هذه الصورة الكثير عن المكان، وعن الأشخاص الموجودين فيه.. فهناك اثنان من العاملين مع دورستين، لديهما شراهة لشرب القهوة؛ ولذا.. يلطخ الكافيين يديهما ووجهيهما، (فضلا عن بقعة كبيرة على الأرضية لبقايا قهوة انسكبت منذ زمن). أما دورستين نفسه، فلا يحتسي القهوة، لكنه خلّف آثاره في المكان كله، بداية من منتجات العناية الشخصية إلى بديل للسكر، لم يدرك هو نفسه أنه استخدمه أم لا. كما فوجئ كذلك بوجود طارد الحشرات «دي إي إي تي» على عدد من الأسطح التي لمسها؛ إذ لا يذكر أنه استخدم هذه المادة الكيميائية منذ ستة أشهر على الأقل.

كما ظهرت توقيعات لسكان المكتب الآخرين: وهي الميكروبات التي تستوطن الجلد البشري. ظل دورستين يستخدم مطياف الكتلة؛ لدراسة الجزيئات الصغيرة، أو الأيضات، التي تفرزها الميكروبات، ولكي يحصل على صورة أوضح للكيفية التي تتكون بها مجتمعات الميكروبات وتفاعلها -مع الميكروبات الأخرى، ومع مضيفيها من البشر، ومع البيئات التي تستوطنها.

قام دورستين بتحليل المجتمعات الميكروبية في النباتات، ومياه البحر، والقبائل النائية، وفي الرئات البشرية المريضة، وغيرها، في محاولة للاستماع لمحادثاتها الكيميائية؛ ليعرف كيف يخبرون بعضهم البعض بالأماكن الجيدة، أو السيئة، التي يمكن استيطانها، أو الطريقة التي يتصارعون بها على المناطق. ويمكن لهذه الأبحاث أن تعرِّفنا على ميكروبات لم يسبق التعرف عليها من قبل، والجزيئات المفيدة التي تنتجها، كالمضادات الحيوية مثلًا.

«تطبيقات هذه المقاربة البحثية واسعة للغاية»، حسب قول كيتي بولارد، عالمة الجينات المقارنة في معهد جولدستون في جامعة كاليفورنيا، سان فرانسيسكو. ولأنه يتعذر استزراع عديد من الميكروبات، أو دراستها بصورة مباشرة، تشرح لنا هذه العالمة أن «هذه المقاربات التي تحلل هذه الكائنات الحية في مواضعها تغيِّر من قواعد اللعبة تمامًا»، كما أنها تخاطب بعض أهداف المبادرة القومية للميكروبات، التي تبلغ تكلفتها 521 مليون دولار أمريكي، وأعلن عنها مكتب سياسات العلوم والتقنية في البيت الأبيض خلال شهر مايو الماضي. وقد كان دورستين حاضرًا أثناء الإعلان عنها.

وفي هذا المجال المنطلق بسرعة البرق، استطاع دورستين أن يميز نفسه، عن طريق بناء أدوات مفيدة، وتعاون مثمر. تقول جانيت جانسون، مديرة قسم العلوم الحيوية في مختبر باسيفيك نورثويست الوطني في ريتشلاند، واشنطن، إن «بيتر مهتم حقًّا،  كما إنه مبدع جدًّا». وتتذكر جانسون زيارتها لجامعة كاليفورنيا في سان دييجو في شهر إبريل الماضي، عندما سألها دورستين عما إذا كان ممكنًا أن يمسح يدها؛ لكي يحصل على عيِّنة يستطيع استخدامها في واحد من أبحاثه. «قلت له: أجل، أود أن أفعل ذلك. أرغب في أن أشارك بطريقة ما في هذه الدراسة»، مضيفةً: «إنه نوع مثير وشيق من العلوم، يحب الناسُ أن يشاركوا فيه».


روك آند رول

نشأ دورستين في هولندا، وأصبح مولعًا بتسلق الصخور حينما زار أصدقاء عائلته في توكسون، أريزونا، عندما كان عمره 16 عامًا.  وبسبب الطبيعة المسطحة لبلده الأم، قدم دورستين أوراقه للدارسة في جامعة أريزونا الشمالية في فلاجستاف، مدفوعًا في المقام الأول بقربها من الأبراج الحجرية العديدة الواقعة في منطقة الزوايا الأربع، التي تلتقي فيها ولايات أريزونا، ونيومكسيكو، وكولورادو، ويوتاه. وفي الجامعة، درس دورستين الجيولوجيا والكيمياء، لكنه كان مصممًا على السعى وراء شغفه بالتسلق، إلا أنه بعد فترة قصيرة من التخرج في عام 1998، مر بتجربة أثناء تسلقه للجانب الذي يبلغ طوله 900 متر من جبل الكابيتان في منتزه يوزيمايت، كاليفورنيا، جعلته يعيد النظر في خطته.

كان يتشبث بصخرة على ارتفاع قدره 50 مترًا عن آخر نقطة تثبيت، عندما أدرك أنه إذا ما حدث وأفلتت يداه الحبل؛ فإنه سيهوي لمسافة 100 متر، قبل أن يشده حبل السلامة ويسحقه على الجرانيت. يقول دورستين إنّ ما أزعجه لم يكن الشعور بالخوف، بل انعدام الإحساس به. «فكرتُ في أنني إذا ما ظللتُ أفعل ما كنت أفعله؛ فإن خاتمتي لن تكون حسنًة»، حسب ما يتذكر. و«لذا.. هبطتُ».

وفي هذا اليوم، قاد سيارته إلى المنزل في فلاجستاف، وشرع في ملء استمارات التقديم للدراسات العليا. وانتهى به المطاف في جامعة كورنيل في إثاكا، نيويورك، حيث درس الكيفية التي تنتج بها الميكروبات الجزيئات الصغيرة، من قبيل فيتامين ب1. وفي تلك الجامعة تعرَّف دورستين لأول مرة على مطياف الكتلة.

ويشمل مطياف الكتلة بصورة عامة تكسير الجزيئات المعقدة، ومن ثم تأيينها، وقياس كتلة هذه الشظايا الناتجة، التي يمكن عن طريقها حساب مكونات الجزيئات الأصلية. ويستخدم دورستين تَمَاثُل الرمز الشريطي، إذ ينتج مطياف الكتلة بطاقة تعريف مميزة لكل مركب كيميائي موجود في العينة.

بدأ دورستين دراسة ما بعد الدكتوراة في مختبر نيل كيلهر، عالِم الكيمياء البيولوجية في جامعة إلينوي في أوربانا شامبين، مدفوعًا باهتماماته بالتقنية. وكان كيلهر رائدًا لجهود استخدام مطياف الكتلة «من أعلى إلى أسفل»، التي تحلل بموجبها البروتينات من غير أن تفكك باستخدام القياس. وتسمح هذه المقاربة للباحثين بتعريف التعديلات الصغيرة التي حدثت للبروتينات، غير أنها عملية بطيئة. وخلال شهرين من وصوله إلى إلينوي، تَمَكَّن دورستين من تطوير مقاربة أسرع، سمحت له بفحص بعض الإنزيمات الضخمة بشكل منظم1. يقول: «ما قمنا به في الأساس هو اختصار عمل سنين إلى يومين». وانتهى الأمر بدورستين إلى تأليف 17 بحثًا في عامين. يقول كيلهر: «يتميز بيتر بهذا المزيج الفريد من الابتكار والحيوية، إضافة إلى مقدرة فائقة على إكمال المشروعات» حسب قول كيلهر، الذي يعمل الآن بجامعة نورثويسترن في إلينوي.

انضم دورستين إلى جامعة كاليفورنيا، سان دييجو في عام 2006، إلا أن البداية الحقيقية بالنسبة له كانت حينما صادق بالمر تيلور، عميد مدرسة الصيدلة في الجامعة حينها، على شراء جهاز مطياف الكتلة من نوع مالدي-توف (اختصار لامتزاز الليزر بمساعدة مصفوفة/تأين زمن الطيران)، الذي سمح لدورستين بالقيام بالتصوير عن طريق مطياف الكتلة، الذي يقول عنه إنه «غيّر العالَم من حوله».


محاربو الفضاء

وإضافة الى التعرف على الجزيئات في عيِّنة ما، يمكن للتصوير عن طريق مطياف الكتلة أن يوفر معلومات مكانية. ويَستخدِم جهاز مالدي-توف الليزر لتسخين الجزئيات وتأيينها. وبمسح ذلك الليزر عبر عينة ثنائية الأبعاد، يصبح بمقدور الباحثين أن يحصلوا على «صورة» تُظْهِر تحديدًا أين تكمن الجزيئات في العينة. ويمكن استخدام هذه التقنية للتعرف على المؤشرات الحيوية في شرائح الأورام، وتحديد موضعها، لكن شغف دورستين بالميكروبات جعله يتساءل عما إذا كان من الممكن أن يأخذ مستعمرات بكتيرية في طبق «بتري»، ويقوم بمسحها مباشرة؛ ليرى نواتج أيضها.

لم يسبق لأحد القيام بذلك. ويشك دورستين أن مَن سبقوه خافوا من أن تتعرض أجهزة مطياف الكتلة الباهظة خاصتهم للاتساخ. «والواقع أنّ وضْع الميكروبات مباشرة على الجهاز سلوك ينم عن عدم النظافة». لذا.. فقد بدأ بتجربة بسيطة، إذ طلب من الطالبة الجامعية ساره ويتز أن تقوم بمسح مستعمرة من البكتيريا العصوية.

والصور التي حصلت عليها «لم تكن الأجمل»، حسب قول دورستين، إلا أنها دلَّت على نجاح العملية. وقام  بإرسال الصور إلى بول ستريت، عالِم الأحياء الدقيقة، الذي كان قد انضم لتوه إلى هيئة التدريس في جامعة تكساس إيه آند إم في كوليج ستيشن. يقول دورستين: «أنا واثق من أنه كان فاغرًا فاه». وقام الفريقان باستخدام مطياف الكتلة، لتصوير مستعمرات البكتيريا العصوية الرقيقة والبكتيريا المتسلسلة التي استزرعت جنبًا إلى جنب. وباستكشاف المواضع التي تفاعلت فيها هذه المستعمرات، تمكَّن الباحثون من التعرف على الجزيئات التي تستخدمها الميكروبات للتنافس مع بعضها البعض2.

يقول دورستين إن تصوير حرب التسلح هذه جعلته يعود بتفكيره إلى عام 1928، حينما استطاع ألكسندر فليمنج أن يعزل البنسلين من الفطر الذي قتل البكتيريا الموجودة في أحد الأطباق. ومطياف الكتلة يستطيع أن يفصح عن كيمياء هذه التفاعلات بسرعة، ولربما استطاع كذلك أن يسرع من وتيرة البحث عن مضادات حيوية جديدة.

Theodore Alexandrov/Dorrestein Lab


قرر دورستين أن يحول وجهة تركيز الأبحاث في مختبره ـ بشكل شبه حصري ـ إلى هذه الطرق، وكان حينها باحثًا في بداية حياته المهنية، وثبّطه كل من عرفه تقريبًا عن القيام بهذه المخاطرة الكبيرة، إلا أن تيلور دفعه لتقديم أوراق التثبيت الوظيفي من غير إبطاء. يقول تيلور : «مقدرة بيتر على التفكير خارج الصندوق في المجالات التحليلية والحاسوبية كانت بادية للعيان. إنّ أبحاثه انطلقت بسرعة شديدة».

والمشكلة في تفحُّص العينات القذرة أنها تنتج بيانات فوضوية. ومسح الميكروبات ينتج آلاف الرموز الشريطية، لكن يصعب ـ إلى حد كبير ـ معرفة ما ترمز إليه؛ إذ لم يتم تذييلها. يقول دورستين: «الأمر يعادل النظر أسفل عمود الإنارة»، مضيفًا: «يمكننا فقط أن 'نرى' الجزيئات التي تم التعرف عليها من قبل. أما الغالبية العظمى من هذه المركّبات، فلم يتم التعرف عليها بعد». ويمثل هذا الأمر تحديًا كبيرًا في هذا المجال، حسب قول جانسون، الذي يقول إنه «من الممكن تحليل الخواص بواسطة مطياف الكتلة، لكن من الصعب جدًّا أن يتم التعرف على طبيعة هذه الخواص».

وللمساعدة في إعطاء معنى لهذا الكَمّ من البيانات، عمل دورستين مع نونو بانديريا، عالِم البيولوجيا الحاسوبية في جامعة كاليفورنيا، سان دييجو، على مقاربة تمكِّنهما من تصنيف الرموز الشريطية والمركّبات المرتبطة بها، حسب علاقاتها بالجزيئات التي تم تعليمها3. وتسمح هذه المقاربة للباحثين بالتنبؤ الحاسوبي ببِنَى وخصائص آلاف المركّبات الأيضية، إلا أنه ما زال هناك شح في الشرح. ورغم أن آلاف الأشخاص حول العالم يجرون أبحاثهم على مطياف الكتلة، إلا أن أغلبهم يشرح فقط الجزيئات القليلة التي يهتمون بها.

لذا.. وبداية من عام 2014، بدأ دورستين وطالِب الدراسات العليا في مختبر بانديريا، مينجسن وانج، في تطوير طريقة لجمع هذه الشروح. وأطلقا موقع التشبيك العالمي للجزيء الاجتماعي للمنتج الطبيعي، وهو بمثابة مستودع وأداة تحليل البيانات، يمكِّنا الباحثين من الكشف عن العلاقات ما بين الجزيئات ذات الصلة، وتجميع المتشابهة منها، ومقارنة حزم البيانات. يقول جانسون «هذا أمر استحدثه دورستين في هذا المجال، وساعد الكثيرين حقًّا».


العمل الجماعي

أحد مفاتيح نجاح دورستين هو تعاونه مع الباحثين الآخرين، ومنهم  روب نايت، أحد روّاد حقل تتابع الحمض النووي DNA، والحمض النووي الريبوزي RNA للميكروبات، ويعمل في المبنى المقابل لمختبر دورستين. وقد وحّد العالِمان جهودهما، بحيث دمجا الكشف عن التتابع مع مطياف الكتلة. وفي العام الماضي، أخذت باحثة ما بعد الدكتوراة في مختبر دورستين، أمينة بو سليماني، عيِّنات من متطوع ومتطوعة من 400 موضع من جسميهما، مرتين. وذهبت إحدى العينات من كل موضع إلى مختبر نايت، لكي يتم التعرف على تتابع الميكروبات فيها، بينما ذهبت العينات المقابلة لقياسها بمطياف الكتلة؛ للتعرف على الجزيئات  الكيميائية، والطبيعية، والصناعية، التي توجد مع الميكروبات.

امتنع المتطوعون في هذه الدراسة عن الاستحمام، أو استخدام مواد التجميل لمدة ثلاثة أيام، إلا أن النمط الكيميائي المميز لمئات الأنواع من الميكروبات في العينات كان مغمورًا بكيماويات منتجات النظافة والتجميل4. ورغم ذلك.. استطاع الباحثون أن يجدوا روابط بين مجتمعات الميكروبات والكيمياء الموضعية. فعلى سبيل المثال.. ارتبطت البكتيريا الموجودة في منطقة المهبل بمركّبات ذات صلة بالالتهاب. ويقول دورستين إن مثل هذا الترابط يمكن أن يُستخدم لتوليد فرضيات عن التفاعلات ما بين الميكروب والمضيف.

وتقوم بو سليماني حاليًّا بتحليل عينات من أيادي متطوعين، ومن أغراضهم الشخصية، مثل هواتفهم المحمولة. وقد أظهر هذا البحث ـ الذي لم يصل بعد إلى مرحلة النشر ـ أن الناس يتركون توقيعات كيميائية دائمة على كل جسم يلمسونه، مثل تلك التوقيعات الواضحة في صورة مكتب دورستين.

ويعتقد بو سليماني ودورستين أن هذه الطريقة قد تصلح للتطبيق في مجال علوم الأدلة الجنائية، إذ يمكن أن تؤخذ عينة من المشتبه فيه؛ لتحديد ما إذا كان التوقيع الكيميائي لجلده ـ أو لجلدها ـ يتطابق مع ما تم رصده في مسرح الجريمة، أم لا. كما أنه في حال غياب أدلّة، سواء حمض نووي، أو بصمات؛ فيمكن للمركّبات الكيميائية التي يخلفها وراءە أن تمدنا بمعلومات عن نمط حياته: رسم توضيحي مركّب من المنتجات التي يستخدمها، وخليط الميكروبات التي يحملها. تقول بوسليماني: «وربما يساعد التوقيعُ الكيميائي المحقِّقين على تضييق دائرة مَن وُجِدوا في المكان».

وفي العام الماضي، شكل دورستين فريقًا مع عالمة الأحياء الدقيقة في جامعة نيويورك، ماريا دومينيجز-بيلو، وآخرين من الراغبين في رؤية كيف يبدو الجلد البشري وتنوعه الميكروبي عند الأشخاص الذين نشأوا في حِلٍّ من قيود العالَم المتقدم. وقاموا لهذا الغرض بتجميع عيِّنات من القبائل النائية.. واحدة من قرب مانوس في البرازيل، وأخرى من سلالة الهدزا في تنزانيا، وقارنوها بالعينات من أشخاص غير قبليين، لكنهم يعيشون على مقربة من هذه القبائل. وباستخدام تقنيات مطياف الكتلة التي طوَّرها دورستين، وجدوا أن الأشخاص الذين ينتمون إلى القبائل لديهم مجتمعات ميكروبية أكثر تنوعًا، وكيمياء جلدية أكثر غِنًى من نظرائهم الذين يعيشون نمط حياة أحدث. وكَشَفَ هذا البحث ـ الذي ما زال مستمرًا ـ عن بعض المفاجآت أيضًا، حسب قول دورستين، إذ اتضح أن جلود بعض الأشخاص من إحدى القرى البرازيلية تحتوي على مقدار من المركّبات الصيدلانية، مما يدل على أنهم على اتصال بالغرباء بدرجة تفوق ما كان متوقعًا.

ولدورستين طريقة في الانحناء إلى الأمام، ويكاد يقف على أطراف أصابعه من فرط الحماس حين يتحدث عن التقنية، وكيف يمكن أن تساعد في تقييم صحة المحيطات، أو في رفع درجة فعالية الزراعة، التي هي أحد الأسباب الرئيسة لانبعاثات الغازات الدفيئة، لكن حينما يُسأل عن الكيفية التي يختار بها المشروعات التي يرغب في دراستها، فإن أول ما يذكره هو أبحاثه على صحة البشر. «وبالنسبة لنا، فهذا تطبيق واضح جدًّا ومباشر لما نقوم به. فنحن نريد أن نساعد المرضى»، حسب قوله.

وشكّل دورستين فريقًا أيضًا مع نايت، دووج كونراد ـ مدير عيادة التليف الكيسي للبالغين في جامعة كاليفورنيا، سان دييجو ـ وآخرين؛ لتطوير اختبار تشخيصي ميكروبي سريع. فالتليف الكيسي يتسبب في تراكم المخاط في الرئة، التي تصبح عرضة للإصابة المتكررة بالبكتيريا. وتتطلب هذه العدوى علاجًا سريعًا وصارمًا، عن طريق تعاطي المضادات الحيوية. وفي بعض الأحيان يمكن أن تطوِّر البكتيريا مناعة ضد هذه الأدوية. وقد استطاع دورستين ومعاونوه أن يوضحوا5 كيف أن تحليل بيانات مطياف الكتلة لعيِّنة من البلغم أُخذت من أحد مرضى التليف الكيسي يمكن أن تساعد في التعرف على مجتمعات ميكروبية لا تستطيع اختبارات الاستزراع الطبية التقليدية أن تتعرف عليها.

ويقوم لويس-فيليكس نوثياس-سكاليا ـ باحث ما بعد الدكتوراة، انضم إلى مختبر دورستين هذا العام ـ بإعداد خريطة لجلد المصابين بالصدفية، وهو مرض يُعتقد أن سببه يكمن في جهاز مناعي مفرط النشاط. ويقول نوثياس–سكاليا إنه إذا ما وُجدت بعض الجزيئات التي تنتجها بكتيريا معينة وقت اشتداد أعراض المرض، واختفت في وقت تعافي الجلد؛ فإن هذا قد يدلّنا على أدوية يمكنها أن تعالج هذا المرض، بل وتقي منه. وحتى مجرد القدرة على استخدام التغيرات الميكروبية للتنبؤ بمواعيد اشتداد المرض، قد تساعد المرضى على تقليل استخدامهم للأدوية التي تضعِف المناعة.

إنّ تحويل هذه التقنية كثيفة البيانات إلى فحوص معملية قياسية سوف يواجَه بتحديات كبيرة. يقول كونراد: «إن الساخرين سيقولون إنها شديدة التعقيد ، ولن يكون لها مستقبل»، مضيفًا: «وإلى درجة ما، أستطيع أن أتفهم ذلك، إلا أن هذه طريقة جيدة لإبقاء كل شيء على ما هو عليه».

ويرغب دورستين ـ دون شك ـ في تغيير ما عليه الحال، خصوصًا بالنسبة إلى حقل أبحاث الميكروبات المزدهر. وهو يرى أن هذا المنهج  يمر بمراحل.. ففي البداية، كان التركيز على تحديد هوية الميكروبات. وفي الطور الثاني، يكون العمل على تحديد طبيعة ما تقوم به هذه الميكروبات، باستخدام تقنيات معينة، من قبيل مطياف الكتلة.

إذَن، ما الذي يقود إلى إقامة هذه المجتمعات؟ وما هي العمليات الأيضية التي تحدث فيها، وما هي الكيفية التي تتفاعل بها هذه المجتمعات مع بعضها البعض ومع مضيفها؟ يقول دورستين: «إذا ما استطعت أن تفهم كل هذا بطريقة أساسية؛ فإنك تستطيع التحكم». وهذا هو الطور الثالث، حسب قوله، والمقصود به أخْذ زمام الأمور. وعن طريق مراقبة المجتمعات الميكروبية، هل من الممكن أن نضيف العناصر اللازمة لتغيير صحة شخص ما، أو تعديل مزاجه، أو قدراته الرياضية؟ يعتقد دورستين أن إجابة هذه الأسئلة موجودة أمام عينيه. وكل ما يحتاجه هو أن يمعن النظر فحسب.

  1. Dorrestein, P. C. et al. Biochemistry 45, 12756–12766 (2006).

  2. Yang, Y.-L., Xu, Y., Straight, P. & Dorrestein, P. C. Nature Chem. Biol. 5, 885–887 (2009).

  3. Watrous, J. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 109, E1743–E1752 (2012).

  4. Bouslimani, A. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 112, E2120–E2129 (2015).

  5. Quinn, R. A. et al. ISME J. 10, 1483–1498 (2016).