أخبار

لجنة خبراء تَدرِس «الاستخدام الرحيم للأدوية غير المعتمَدة»

ضغوط مواقع التواصل الاجتماعي تدفع شركات إلى البحث عن طريقة منصِفة لتوزيع علاجات تمثل الأمل الأخير للمرضى.

سارة ريردون
  • Published online:

<p>تلقى جوش هاردي عقارًا تجريبيًّا، بعدما أطلقت عائلته حملة موسعة على مواقع التواصل الاجتماعي الاجتماعي.</p><p></p>

تلقى جوش هاردي عقارًا تجريبيًّا، بعدما أطلقت عائلته حملة موسعة على مواقع التواصل الاجتماعي الاجتماعي.

Peter Cihelka/Free Lance-Star/AP


أرادت نانسي جودمان أن تقضي أطول وقت ممكن مع ابنها وهو في النزع الأخير، ولكن حتى مع تفشِّي الورم السرطاني في مخ جاكوب، الذي كان في العاشرة من عمره، وتدهور حالته، قضت جودمان شهورًا وهي تتصل بشركات الأدوية التي كانت بصدد تطوير عقاقير، مِن المحتمَل أن تساعد في علاجه.

إن قوانين «الاستخدام الرحيم للأدوية غير المعتمَدة» في الولايات المتحدة تجيز لشركات الأدوية أن تتيح عقاقير غير المصرَّح بها للمرضى الذين يكونون في حاجة ماسة إليها، ولكن شركات كثيرة تتيح القليل من المعلومات، أو لا توفِّر معلومات من الأساس عن كيفية طلب هذه العلاجات. وفي الغالب تتردد هذه الشركات في توفير الأدوية، استجابةً لمثل هذه الدعوات، ولا سيما إذا كان مخزون العقار محدودًا لديها، على الرغم من أن الحملات الصحفية التي تكون بالإنابة عن بعض المرضى يمكنها أحيانًا أن تحرج الشركات؛ لتضطرها  لتوفير العلاجات غير المصرح بها. وتشير روايات إلى أن المال والعلاقات لهما تأثير أيضًا.

وفي الوقت الحالي، يعكف المتخصصون في المبادئ الأخلاقية والطب على اختبار ما يأملون في أن يكون نظامًا أكثر إنصافًا لتوزيع العقاقير في حالة نقصها. وقد استُوحِيَت المقاربة ـ التي عُرضت في 6 يونيو الماضي في اجتماع الجمعية الأمريكية لعلم الأورام الإكلينيكي في شيكاجو، إلينوي ـ من الطريقة التي استُخدمت في ترتيب عمليات نقل الأعضاء حسب الأولوية. وفي إحدى حالات الاختبار، عمل الباحثون جنبًا إلى جنب مع شركة «جانسن» للأدوية؛ لتحديد كيفية توزيع الكمية المحدودة المتوفرة من عقار داراتوموماب Daratumumab، وهو عقار تجريبي لعلاج الورم النقوي المتعدد. وقد فحصت لجنة مكونة من عشرة أشخاص 76 طلبًا مجهولًا؛ لتحديد مدى احتمال أن يكون للدواء تأثير على كل شخص منهم؛ ليجيزوا في النهاية 60 طلبًا. ويقول آرثر كابلان، المتخصص في أخلاقيات علم الأحياء بمركز لانجون الطبي بجامعة نيويورك، الذي يقود هذا العمل: «من الصعب أن تقول لا، لأن الناس يموتون»، إلا أنه يرى أن وجود منهج منظم قد يساعد الشركات في اتخاذ قرارات حيادية.

لم تتلقّ حالة جودمان أي ردّ من ست شركات من بين الثماني شركات التي اتصلت بها، بينما رفضت الشركتان الأخريان أن تعطيا ابنها العقاقير التي تصنعها، لأنها لم تُختبر على الأطفال قطّ. وقد توفي جاكوب جودمان سنة 2009، وأسست والدته بعد ذلك جماعة مناصِرة لهذه القضية، تُسمى «أطفال ضد السرطان» في واشنطن العاصمة.

يقول آرون كاسيلهايم ـ الذي يدرس المبادئ الأخلاقية للرعاية الصحية في مستشفى بريجهام آند ويمين في بوسطن، ماساتشوستس ـ إن هناك أسبابًا مشروعة كثيرة تجعل الشركات تمتنع عن تقديم العقاقير غير المعتمَدة، منها أن أغلب الناس الذين يطلبون هذه العلاجات قد اشتد عليهم المرض، وتخشى شركات أن يقلل موتهم أثناء تلقيهم العقار من فرص إجازة المركَّب لدى إدارة الأغذية والأدوية الأمريكية. هذا.. إضافة إلى أن إتاحة العقاقير التجريبية للمرضى يثنيهم عن التسجيل في التجارب المنضبطة التي قد تقدم للمرضى أدوية وهمية، كما أنها ستجعل العقارات المتاحة للاستخدام في التجربة أقل. يقول أمريت راي، كبير الطاقم الطبي لشركة جانسن، في تيتوسفيل، نيوجيرسي: «تُعَدّ هذه الطلبات من أصعب القرارات التي أواجهها كطبيب. إنها بمثابة مقايضة، علينا أن ندرسها بعناية».

منذ عام 2014، سَنَّت 28 ولاية في الولايات المتحدة قوانين بشأن «الحق في التجربة»، تجيز للشركات تقديم العقاقير للمرضى، من دون تدخُّل جهات رقابية. ويُطْلِق كابلان عليها اسم «قوانين الشعور بالرضا»، لأن إدارة الأغذية والأدوية تجيز معظم الطلبات التي تتلقاها بشأن استخدام الأدوية غير المعتمَدة. هذا.. وليس معلومًا عدد الطلبات التي رفضتها الشركات، والتي لم تصل إلى إدارة الأغذية والأدوية أساسًا.

تقول فيكي بوينجر ـ رئيسة جماعة مناصرة تسمى «ائتلاف في مواجهة سرطان الأطفال» في فيلاديلفيا، بنسلفانيا ـ إن تشريعات «الحق في التجربة» تسهم في سوء فهم المرضى للعوامل التي تُؤخذ في الاعتبار عند أخذ قرار إتاحة الدواء للمريض من عدمه . وتضيف: «إنها توحي بأن الشركات ـ إلى جانب إدارة الأغذية والأدوية ـ إما ملائكة رحمة، إذا أتاحت لهم الدواء، أو شياطين، إذا منعته عنهم».

وقد دفعت ضبابية الأمور وقلة التواصل مع الشركات كثيرًا من المرضى وعائلاتهم إلى إطلاق حملات على مواقع التواصل الاجتماعي؛ لضمان الحصول على عقاقير غير معتمَدة.

هذه الطلبات من أصعب القرارات التي أواجهها كطبيب

ولعل أشهر الحالات كانت في سنة 2014، حين شنّت عائلة جوش هاردي، في السابعة من العمر، حملة على موقع «فيسبوك» للحصول على دواء غير معتمَد مضاد للفيروسات، يُسمى برينسيدوفوفير brincidofovir؛ لعلاجه من عدوى كانت تمثل خطرًا على حياته. وقد رفضت شركة «تشيمريكس» Chimerix، بمدينة دورهام، نورث كارولينا ـ المنتجة للدواء ـ أن تعطيهم إياه، بدعوى أن إعطاء الدواء لجوش، وأي مقدِّم طلب يليه، سيقلل من كميات المركّب المتوفرة للتجربة الإكلينيكية المتواصلة. وفي غضون أيام، كانت صفحة حملة إنقاذ جوش على فيسبوك وتويتر معروضة على قنوات التلفاز المحلية. وسرعان ما أجرت شركة «تشيمريكس» تجربة إكلينيكية صغيرة، ليكون جوش أول مريض تُجرى عليه التجربة.

تقول إلينا جيراسيموف، التي تدير برنامج لدى جمعية «أطفال ضد السرطان»، يساعد آباء الأطفال الذين يعانون من مرض السرطان في تقديم طلبات رسمية للشركات للحصول على الأدوية: «فجأة، أدرك المديرون التنفيذيون أنّ هذا قد يحدث لهم في أيّ وقت». وتسعى إدارة الأغذية والأدوية لتسهيل هذه العملية، ففي الثاني من يونيو الماضي، أصدرت نماذج استمارات جديدة؛ لتسهيل ملء الْتِمَاسات استخدام أدوية غير معتمَدة.

يقول كينيث موك ـ المدير التنفيذي الأسبق لشركة تشيمريكس ـ إن عشرات الشركات استعانت به كمستشار في هذه القضايا منذ أن ترك الشركة. ونصيحته في هذا الصدد بسيطة، وهي أنه على كل شركة أن تضع نظامًا يتميز بالشفافية للتعامل مع طلبات استخدام العقاقير غير المعتمَدة ، تحت توجيه إدارة الغذاء والدواء. وهذا يتوافق مع نصيحة منظمة الابتكار البيوتكنولوجي، وهي جماعة صناعية في العاصمة  واشنطن، تشجع أعضاءها على وضع سياسات واضحة لتفسير ما إذا كانوا يتيحون استخدام العقاقير غير المعتمدة  ولمساعدة الأطباء على طلب العقاقير. يقول كاي هولكومب، نائب رئيس قسم السياسة العلمية بالمجموعة: «هذا أقل ما يمكننا تقديمه، لنسهّل على الناس التواصل معنا».

يعتزم كل من كابلان وراي اختبار نظامهما على علاج آخر في وقت لاحق هذا العام، ربما دواء للصحة النفسية، أو لقاح للأطفال. ويأمل كابلان أن يَسِير عدد أكبر من الشركات على هذا النهج، ويتخيل في يوم من الأيام إقامة لجنة استشارية لتقديم المساعدة للشركات الصغيرة فيما يتعلق بـ«الاستخدام الرحيم للعقاقير غير المعتمدة».

وينبِّه موك إلى أن هذه المقاربة قد لا تكون ملائمة لكل دواء أو شركة، ولكن ما يعجبه فيها أنها تتسم بالنزاهة والإنصاف. ويقول موك: «لو أن جوش كان رجلًا في السابعة والثلاثين من العمر، لم يكن ليحظى بالدعم نفسه الذي حظي به الولد الوديع الذي يبلغ من العمر سبع سنوات».

ويدعم المدافعون عن المرضى نظام كابلان لتوزيع الأدوية. وتقول بوينجر، «إن وضع الدواء في أيدي أناس يفهمون إمكانياته هو أمرٌ منطقي».

يريد الكثيرون أيضًا أن تقدِّم إدارة الأغذية والأدوية محفزات للشركات؛ لتتيح «الاستخدام الرحيم للعقاقير غير المعتمَدة». وحتى يحدث ذلك، أو حتى تتبنى الشركات برامج مثل برنامج كابلن، فربما تظل مواقعُ التواصل الاجتماعي التي تُطْلِق نداءات عامة الخيارَ الوحيد أمام بعض المرضى. وتقول جودمان: «سأفعل كل ما في وسعي؛ لأنقذ حياة ابني. سأفعل أيَّ شيء ليعيش جاكوب بضعة أشهر إضافية».