افتتاحيات

التصـويب نحـو الطـاقة

يُعَدّ قرار ألمانيا بإبطاء وتيرة التوسع في إنتاج الطاقة الخضراء قرارًا صائبًا

  • Published online:

في يوم مشمس وعاصف من شهر مايو الماضي، ولمدة بضع ساعات قرب منتصف النهار، قامت ألمانيا بدفع الأموال للمواطنين، مقابل استخدامهم للكهرباء. إن استثمار البلاد في الطاقة المتجددة قد أثمر عن الكثير، لدرجة أن مصادر الطاقة الخضراء اقتربت من إنتاج ما يكفي من الكهرباء لتلبية الطلب المحلي. ولأن بقية البِنْيَة التحتية للطاقة ـ كالمحطات النووية، ومحطات الفحم والغاز كانت قد أُقيمت بالفعل؛ فقد أسفر الفائض المؤقت عن انخفاض الأسعار في السوق الآنية في ألمانيا إلى قِيَم سلبية، وذلك في الثامن من مايو الماضي. ولفترة وجيزة، كان العملاء التجاريون كلما استخدموا كهرباء أكثر؛ كسبوا أموالًا أكثر.

ومثلما أثار قرارُ اعتماد أسعار الفائدة السلبية ـ وهو ما تفرضه البنوك من رسوم على العملاء لإيداع المال ـ تساؤلات كثيرة حول حالة الاقتصاد العالمي، استُخدمت كذلك أحداث الثامن من مايو لانتقاد التحول في سياسة الطاقة في ألمانيا، أو ما يطلق عليه بالألمانية Energiewende.

يُلْقٍي منتقدو هذا التحول باللوم على الدعم السخي لمصادر الطاقة المتجددة، بما في ذلك ضمان الشراء من المنتجين بسعر أعلى من سعر السوق، وإعطاء أولوية الشبكة لطاقة الرياح، والطاقة الشمسية؛ إذ أدَّى ذلك إلى اختلال السوق الغريبة تلك، وكذلك فواتير الكهرباء المنزلية المرتفعة نسبيًّا في ألمانيا. وفي الواقع، يدفع المستهلكون من القطاع الخاص في البلاد أكثر من 20 مليار يورو (ما يعادل 23 مليار دولار أمريكي) كرسوم إضافية سنوية للتعريفات التفضيلية الثابتة التي تذهب إلى المنتجين الفرديين. وفي استجابة منها للانتقادات، وافقت الحكومة الألمانية في آخِر شهر مايو الماضي على الحدّ من نطاق التوسع في الطاقة المتجددة، وإبطاء وتيرته خلال العقد القادم.

لقد زاد إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة ـ بما في ذلك الطاقة الكهرومائية ـ بمعدل ثلاثة أضعاف في ألمانيا على مدى العقد الماضي. وتوفِّر ألمانيا الآن ـ في معظم أيام الأسبوع ـ ما يقرب من ثلث إنتاج الكهرباء المحلي. ويُعَدّ النمو الذي بلغ %19 في توليد الطاقة المتجددة العام الماضي هو النمو الأكبر على مدار 10 سنوات على الأقل. أما من ناحية قدرة إنتاج الطاقة المتجددة، فتحتل ألمانيا المركز الثالث على العالم، بعد الصين والولايات المتحدة، لكن نصيب الفرد الواحد ـ البالغ 1.1 كيلو وات ـ يجعل الـ92 جيجا وات التي أنتجتها البلاد في عام 2015 تمثل أكثر من ضعف نصيب الفرد من الطاقة المتجددة في أي اقتصاد كبير آخر.

ومِن المقرَّر أن يضع التعديل المزمع لقانون الطاقة المتجددة في ألمانيا ـ الذي اتُّفِق عليه من حيث المبدأ في آخر شهر مايو الماضي ـ سقفًا لكمية الكهرباء المتجددة المنتَجة بحلول عام 2025، بحيث لا تتجاوز %45. وحسبما تطالب بروكسل، سيتم ربط الترويج المستقبلي لطاقة الرياح والطاقة الشمسية بمناقصات، من شأنها تفضيل المنتجين الذين يولِّدون طاقة متجددة بأدنى سعر عن غيرهم. ومما لا يثير الدهشة أن الخطة أزعجت عدة أطراف في قطاع الطاقة المتجددة، خاصة الشركات الصغيرة، والملايين من أصحاب المنازل الذين استثمروا في الألواح الشمسية المربِحة التي تُوضع على الأسطح؛ إذ تخشى تلك الأطراف فقدان الإيرادات، والفرص المتاحة لها في السوق. أما المُدَافِعون عن الطاقة الخضراء، فيقولون إن الإصلاحات تمثل امتيازًا لقطاع الوقود الأحفوري، وقد ترسل إشارة خاطئة إلى الدول التي تنظر إلى ألمانيا باعتبارها نموذجًا يُحتذى به. وفي العموم، ربما يبدو أن التحول في سياسة الطاقة ـ والاستثمار في الطاقة المتجددة بالتبعية في أماكن أخرى ـ قد فشل، أو أنه يفقد شعبيته السياسية الآن في هذه الأوقات العصيبة، لكن ذلك غير صحيح.. فقد تختلف الآراء بشأن أيِّ التدابير المالية والسياسية أنسب لتعزيز مصادر الطاقة المتجددة، لكن لن تعرقل خلافات الاقتصاد الخاص مشروعَ الحدّ من انبعاثات الكربون الأكبر قيد التنفيذ حاليًّا.

إنّ ما تُظْهِره حالة ألمانيا هو أن مثل هذا التحول يجب أن يكون مدعومًا بخطط شاملة للطاقة.. فدَمْج توليد الطاقة بشكل غير مركزي وسريع مع شبكات الكهرباء سيتطلب تحسين هذه الشبكات، وتوافر أدوات موثوقة للتنبؤ بالعرض والطلب، والتخزين الفعال، ومحطات تقليدية أكثر مرونة لتوليد الكهرباء، بيد أن العلم قد يساعد في ذلك.. ففي شهر إبريل الماضي، اعتمدت الحكومة الفيدرالية الألمانية برنامجًا، مدته 10 سنوات، بقيمة 400 مليون يورو لأبحاث التقنيات ـ كتقنيات الشبكة الذكية، وتخزين الطاقة، على سبيل المثال ـ التي ستكون مطلوبة من أجل إنشاء نظام جديد للطاقة، والدفع بمصادر الطاقة المتجددة؛ لتهيمن على السوق. فعلى الممولين أن يكفلوا أن تتناول المشروعاتُ المشكلات التي يواجهها المورِّدون ومستخدمو الكهرباء في ظل ظروف السوق الواقعية. وبرغم أن المشككين قد يحتفون بالمشكلات التي تظهر، بينما تشق مصادر الطاقة المتجددة طريقها إلى سوق الطاقة، إلا أن العبرة هنا بالدفع طويل الأجل للتوجه العام للدولة.

وبطبيعة الحال، ستستمر ألمانيا وغيرها من البلدان في الاعتماد على الفحم والغاز؛ لتلبية احتياجات الكهرباء لعدة عقود قادمة، على الأقل، لكن الإعانات الضخمة المقدَّمة (500 مليار دولار على مستوى العالم في عام 2014، مقابل 135 مليار دولار لمصادر الطاقة المتجددة) تعني أن طاقة الوقود الأحفوري ستتوافر بسعر منخفض للغاية. إن إنشاء نظام طاقة واقعي وملائم للمناخ من أجل المستقبل يتطلب إصلاحًا أكبر لأسواق النفط والفحم، بدلًا من إحداث تغييرات في قطاع الطاقة المتجددة فحسب.