أنباء وآراء

علم الأجنة البشرية: التغلُّـب على معوقـات عملية زرع الأَجِنَّـة

عادةً ما تكون المراحل المبكرة من تطور الإنسان كامنة داخل الرحم، إلا أن التقنيات المحسّنة لاستنبات الأجنة من مرحلة الكيس الأريمي تَعِد بتسهيل استكشاف هذه المراحل.

جانيت روسانت
  • Published online:

تُعَدّ دراسة التطور المبكر للأجنة البشرية بمثابة تحدٍّ. فالأجنة المتاحة قليلة العدد، وتخضع البحوث المتعلقة بها لقيود أخلاقية وقانونية كثيرة، لكن فهْم تطورات المرحلة الأولية أمر حيوي؛ لتحسين تقنيات الإنجاب، وتعزيز مستنبتات الخلايا الجذعية؛ من أجل الطب التجديدي، وفحص ودراسة مسألة خسارة الجنين في مراحل الحمل المبكرة. في بحثين نُشرا مؤخرًا، الأول لدجلنسرتي وزملائه1، والثاني لشهبازي وزملائه2 (ونُشر في دورية "نيتشر سِل بيولوجي" Nature Cell Biology)، يُظْهِر الباحثون أن الأجنة البشرية المشتقة من عمليات التلقيح الصناعي "IVF" يمكنها تنظيم نفسها في طبق "بتري"، مشكِّلة السلالات الخلوية المؤسِّسة للجنين وأنسجته الداعمة. وتُعَدّ تلك الخطوة هي الأولى نحو رؤية أكثر وضوحًا لبدايات الحياة البشرية.

في الثدييات ـ ومنها البشر ـ تتعرّض البويضة المُلَقَّحة لسلسلة من الانقسامات الخلوية خلال أيام النمو الأولى، مما يؤدي إلى تشكيل بِنْيَة تُسمى الكيس الأُرَيْميّ (الشكل 1). ويتم اتخاذ قرارات السلالة الخلوية الأولى في هذه المرحلة مع سلالة خلوية تُسمى الأرومة العلوية، سيتشكّل منها الجنين بأكمله، لتنفصل عن سلالتين ستنتجان الأنسجة غير الجنينية، أولًا: الأديم الظاهر المغذي، ثم الأديم الباطن البدائي. ومن ثم، يصدر الأديم الظاهر المغذي الخلايا التي تشكّل معظم المشيمة، في حين يشكّل الأديم الباطن البدائي بعض طبقات الكيس المُحِّيّ، الضروري لتزويد الجنين بالدم في المراحل المبكرة.

في المراحل المبكرة من تطور الجنين البشري، تشكل الخلايا بنية تعرف باسم الكيس الأريمي، تتألف من ثلاثة سلالات خلوية – الأديم الظاهر الذي سيشكل الجنين، والأديم الظاهر المغذي والأديم الباطن البدائي اللذيْن يدعمان نموه. في الجسم الحي، بعد حوالي 12 يومًا من التلقيح، يكون الكيس الأريمي قد انغرس في الرحم وخضع للقرارات الأولى للسلالة الخلوية. تشكل الأرومة العلوية تجويف أمنيوسي وكتلة خلوية تسمى الشريط البدائي، الذي سينتج طبقات النسيج الثلاث الرئيسية. وتشكل الخلايا المشتقة من الأديم الباطن البدائي كيسًا محيًا، يشارك في تزويد الدم في المراحل مبكرة. أما الخلايا المشتقة من الأديم الظاهر المغذي فتشكل البني الخارجية. وقد عمد دجلينسرتي وزملاؤه1 وشهبازي وزملاؤه2 إلى استنبات الكيس الأريمي البشري داخل المختبر؛ حيث تتكون بنى وأجواف مشابهة، على الرغم من أن علاقاتها المكانية اختلفت عن نظيراتها في الجسم الحي. إضافة إلى ذلك، لاحظ دجلنسرتي وزملاؤه نوع من الخلايا لم يُحدد من قبل، ووصفوه بالأديم الظاهر المغذي للكيس المحي، على الرغم من عدم وضوح منشئه بعد. (الجنين المستنبت مقتبس من المرجع 1).

كبر الصورة


إنّ الآليات الكامنة وراء تخصص السلالة الخلوية في مرحلة الكيس الأريمي مفهومة جيدًا في الفئران، وقد افْتُرِض أن هذه المسارات محفوظة تطوّريًّا؛ حتى نشأت الشكوك حول هذا الافتراض3. فعلى الرغم من أن كثير من الجينات التي توجّه قرارات السلالات الخلوية في الأجنة الفأرية يُعبَّر عنها بالسلالات نفسها في البشر، إلا أن توقيت البدء والمسارات التحضيرية المنظِّمة للتعبير عنها تختلف فيما بين الأنواع5,4.

يُغرس الكيس الأٌرَيْميّ في بطانة الرحم بعد خمسة أيام فقط من التلقيح في الفئران، وبعد سبعة أيام في البشر. تلك فترة حيوية، تبدأ فيها الخلايا المشتقة من الأديم الظاهر المغذي بالتفاعل مع الرحم، ويتطور الجنين نحو الخطوة التي ربما كانت الأكثر أهمية في عملية النمو: وهي تكوّن المُعَيْدَة gastrulation، التي تقوم فيها مجموعة الخلايا المشتقة من الأرومة العلوية ـ والتي تسمى الشريط البدائي ـ بخلق الطبقات الخلوية الأساسية الثلاث، التي تُشتق منها كل البِنَى الجسدية.

في الفئران، تصدر إشارات من الأديم الباطن البدائي، والأديم الظاهر المغذي؛ لتحفيز البدء في تشكيل الشريط البدائي6، لكن ظلّت هذه الفترة من النمو في البشر صندوقًا مبهمًا تمامًا. تأتي المعلومات الوحيدة المتاحة من مقاطع عرضية نادرة في الأجنة البشرية، وأجنة الرئيسيات غير البشرية، مثل قردة الريسوس. وتُظهِر تلك الدراسات8,7 أن هناك اختلافات كبيرة بين تطور الرئيسيات، وتطور الفئران، مع انغراس الجنين في الرحم. والأمر الأبرز هو أن الأرومة العلوية لدى الفئران تشكّل بِنْيَة تشبه الكأس، على أحد جانبيها يتشكل الشريط البدائي، والطَّيَّات الأمنيوسية (التي ستشكل لاحقًا الأغشية الأمنيوسية الممتلئة بالسائل). وبالمقارنة، يشكل الأديم الظاهر البدائي أولًا في الرئيسيات تجويفًا أمنيوسيًّا مركزيًّا، ثم يتسطح ليشكل قرصًا ينشأ منه الشريط البدائي من طرف واحد (الشكل 1). وهكذا، فإن العلاقات المكانية بين السلالات الخلوية تختلف من نوع إلى آخَر.

إن تطوير استراتيجية لاستنبات الأجنة البشرية في المختبر في بدايات الفترة التي تلي مرحلة الغرس يمكن أن يحسِّن من فهْمنا لأهمية هذه الاختلافات. وباستخدام نظام تم تطويره لاستنبات أجنة الفئران9، عمد دجلنسرتي وزملاؤه، وشهبازي وزملاؤه إلى فعل ذلك تحديدًا، إذ قاموا بأخْذ الأجنة البشرية الناتجة عن عملية تلقيح صناعي ـ بعد ما يعادل حوالي 13 يومًا بعد التلقيح ـ وزرعوها في جسم حي. ويبدو أن استخدام وسط مغذي مُحَسَّن، ووجود ركيزة أفضل لارتباط الجنين كانا المحفِّز الأوّليّ لحدوث هذه التطورات.

وتذكر المجموعتان أن الكيس الأريمي يلتصق بالطبق، والأديم الظاهر المغذي ينتشر ويبدي علامات تشير إلى حدوث تمايز إلى أنواع متخصصة من الخلايا المشيمية، كما ينفصل الأديم الباطن البدائي عن الأرومة العلوية. وقد وجد شهبازي وزملاؤه أن جوفًا مركزيًّا صغيرًا يتشكل داخل الأرومة العلوية، لأن السلالة الخلوية ـ في الغالب ـ تعيد تنظيم نفسها إلى بِنْيَة مستقطبة بشكل شعاعي. ويُعَدّ ذلك بمثابة تذكِرةٌ بالطريقة التي يُعتقد أن التجويف الأمنيوسي يتشكل بها في الأجنة البشرية، والأجنة الخاصة بقردة الريسوس8,7، برغم أن غياب واسمات جزيئية جيدة للنسيج الأمنيوسي يمنع الوصول إلى تحديد هذه البِنْيَة.

وقد لاحظت المجموعتان أيضًا تجويفًا آخر في الأديم الباطن البدائي المنتشر، واعتبرتاه معادِلًا لتجويف الكيس المُحِّيّ. يذكر دجلنسرتي وزملاؤه أن الخلايا المبطِّنة لهذا التجويف تعبِّر عن جينات مميزة خاصة بالخلايا المشتقة من الأديم الظاهر المغذي. ويعتقد المؤلفون أن يكون ذلك نوعًا من الخلايا التي لم يسبق تحديدها من قبل، والتي أسموها الأديم الظاهر المغذي للكيس المحي، لكن تشير المقارنة مع الوصف التشريحي7 إلى أن هذه الخلايا على الأرجح قد اشْتُقّت من الأديم الباطن البدائي، ربما مع طريقة تعبير جيني مختلفة عن مثيلتها في الفئران. وقد أدَّت إطالة أمد المستنبتات لأكثر من 12 يومًا إلى انهيار التجويف، وإلى نمو غير منظم، على الرغم من استمرار تمايز الأديم الظاهر المغذي.

وعلى الرغم من أن هذه الدراسات تمثل خطوات نحو فهْم أوثق لنمو الإنسان أثناء فترة الغرس، إلا أن ثمة العديد من القيود التي ما زال يتعين التغلّب عليها.. فالأجنة المستنبتة مسطّحة إلى حد كبير، وثنائية الأبعاد، ولذا.. فهي نماذج معيبة بشكل واضح للنمو الجنيني الطبيعي ثلاثي الأبعاد، إضافة إلى أن التحديد الصريح لأنواع الخلايا والتجاويف والبِنَى في المستنبتات يشكل تحديًا. وقد يساعد تحليل تعبير هذه المظاهر على نطاق الجينوم على ضبط النظام.

إن طريقة الاستنبات تلك قد تمكِّن الباحثين من سبر دور جزيئات التأشير الصادرة من الأنسجة خارج الجنينية في نمذجة الأرومة العلوية. وبمقارنة هذه النتائج بجزيئات التأشير المستكشَفة في مستنبتات الخلايا الجذعية الجنينية التي تحاكي أحداث تكوُّن المُعَيْدة10، قد نتمكن من الوصول إلى فهم أفضل للطريقة التي نحفّز من خلالها الخلايا الجذعية البشرية؛ لتتمايز إلى أنواع من الخلايا تمتلك إمكانات علاجية. وتطوير نظام استنبات ثلاثي الأبعاد للكيس الأريمي ـ يشبه النظم "شبه العضية" المستخدَمة لنمذجة أنسجة أكثر نضجًا ـ قد يقدم الكثير من المعلومات كذلك. وإذا كانت العلاقات الطوبولوجية بين أنواع الخلايا المختلفة أكثر طبيعيةً في مثل هذه المستنبتات ثلاثية الأبعاد، فقد يمكِّن ذلك من تكوُّن المُعَيْدة في المختبر.

في الوقت الراهن، واستنادًا إلى اتفاق دولي، فإن استنبات الأجنة البشرية محدود بـ14 يومًا من النمو فقط، أو حتى بداية تشكُّل الشريط البدائي، أيهما أقرب. أمّا إذا كان تكوُّن المُعَيْدة قابلًا للتحقيق في المختبر، فما عساه أن يكون تأثير ذلك على قانون الأربعة عشر يومًا هذا؟ إن المستنبتات المحسّنة والأطول أمدًا من شأنها أن تقدِّم معلومات مهمة في مجال علم الأحياء البشري الأساسي، مما يعزّز من معدلات نجاح عمليات التلقيح الصناعي، وفهْم تمايز الخلايا الجذعية. ومع ذلك.. فإن تطوير نظم الاستنبات تلك سيثير مجددًا الجدل حول موضع الحدود الأخلاقية الموضوعة على نمو الجنين البشري داخل المختبَر.

  1. Deglincerti, A. et al. Nature 533, 251–254 (2016).

  2. Shahbazi, M. N. et al. Nature Cell Biol. http://dx.doi.org/10.1038/ncb3347 (2016).

  3. Rossant, J. Development 142, 9–12 (2015).

  4. Blakeley, P. et al. Development 142, 3151–3165 (2015).

  5. Petropoulos, S. et al. Cell http://dx.doi.org/10.1016/j.cell.2016.03.023 (2016).

  6. Tam, P. P., Loebel, D. A. F. & Tanaka, S. S. Curr. Opin. Genet. Dev. 16, 419–425 (2006).

  7. Enders, A. C., Schlafke, S. & Hendrickx, A. G. Am. J. Anat. 177, 161–185 (1986).

  8. Luckett, W. P. Am. J. Anat. 144, 149–167 (1975).

  9. Bedzhov, I., Leung, C. Y., Bialecka, M. & Zernicka-Goetz, M. Nature Protocols 9, 2732–2739 (2014).

  10. Warmflash, A., Sorre, B., Etoc, F., Siggia, E. D. & Brivanlou, A. H. Nature Meth. 11, 847–854 (2014).