تحقيق إخباري

فن خلط المعادن

يعمل علماء المعادن على إنتاج جيل جديد من السبائك بخواص رائعة.. أقوى، وأصلب، وأكثر مرونة.. وذلك باستخدام وصفة جديدة بسيطة.

جياوشي ليم
  • Published online:

<p>يمكن استخدام السبائك عالية القصور الحراري في صنع رِيَش المحركات النفاثة، التي ترتفع درجة حرارتها بشكل أكبر.</p>

يمكن استخدام السبائك عالية القصور الحراري في صنع رِيَش المحركات النفاثة، التي ترتفع درجة حرارتها بشكل أكبر.

Jason Edwards/Getty


للوهلة الأولى، يبدو الجهاز كما لو كان يبني نموذجًا مصغرًا لمدينة. حلقة من الفوهات تُطْلِق أربعة نفثات من مساحيق معدنية نحو شعاع ليزر مُوَجَّه إلى أسفل، حيث يقوم بدمج حبيبات المعدن المتصادمة، وسط توهُّج برتقالي اللون. ومن ثم، تجمد الحبيبات المختلطة على الطرف النامي لعمود صغير من سبيكة معدنية. وعندما يصل ارتفاع العمود إلى 1-2 سم؛ تنزاح المنصة التي تُمْسِك به جانبًا، ويبدأ الجهاز بناء عمود آخر بجوار الأول تمامًا. وفي نهاية الأمر، يبدو الناتج كنموذج لغابة من ناطحات السحاب.

إن هذه الأبراج التي تُنتج في مختبر «إيميز» Ames في ولاية أيوا الأمريكية تعكس في الواقع تحولًا كبيرًا في نظرة الباحثين للسبائك المعدنية. فالوصفة الأساسية ـ التي استُخدمت في نطاقات مختلفة، بدايةً من السيوف والنصال القديمة، حتى توربينات المحركات النفاثة الحديثة ـ تتلخص في أخذ معدن مفيد، ومَزْجه بقليل من هذا العنصر أو ذاك؛ لتحسين خصائصه. ومن الأمثلة التقليدية على ذلك.. إضافة الكربون إلى الحديد؛ لإنتاج الفولاذ.

والجهاز الموجود في مختبر «إيميز» ينتِج عيِّنات تجريبية من سبائك ذات «قصور حراري عالٍ»، تتكون من أربعة أو خمسة عناصر، أو أكثر، مختلطة معًا بنسب متساوية تقريبًا. هذه الوصفة ـ التي تبدو بسيطة ـ قد تسفر عن سبائك أخف وأقوى من نظيراتها التقليدية، في حين تتصف بمقاومة أكبر للتآكل، أو الإشعاع، أو التلف الشديد. ويأمل الباحثون أن تؤدي هذه الطريقة في النهاية إلى إنتاج سبائك معدنية لها خواص مغناطيسية أو كهربائية لم يسبق لها مثيل، مما يؤدي إلى بزوغ أجيال جديدة تمامًا من التكنولوجيا.

يقول يونج تشانج، عالِم مواد بالمختبر الوطني الرئيس للمعادن والمواد المتطورة بجامعة العلوم والتقنية في بكين SKL: «بحثنا في كل شيء تقريبًا حول السبائك المعدنية التقليدية. وفيما يتعلق بالسبائك عالية القصور الحراري، يُعتبر هذا العِلْم جديدًا جدًّا». وفي الحقيقة هو جديد جدًّا لدرجة أنه لم تتمكن أيٌّ سبيكة من مثل تلك السبائك من الخروج من المختبَر إلى السوق، لكنْ هناك باحثون يعملون على تحقيق ذلك، حيث يتطلعون إلى تطبيقات محتملة، بدايةً من تبطين الأفران عالية الحرارة، حتى مواد للطيران، تمتاز بخفة فائقة في الوزن. وقد اجتذبت البحوث في هذا المجال تمويلات من وكالات بحثية في الصين، وأوروبا، والولايات المتحدة، وأماكن أخرى.

يقول دانييل ميراكل، عالم مواد في مختبر بحوث القوات الجوية في قاعدة القوات الجوية «رايت باترسون» في أوهايو: «إننا لا نتحدث عن فئة صغيرة من المواد، بل عن فلسفة عريضة للغاية لكيفية الجَمْع بين العناصر. إن فرصة العثور على شيء جديد ومثير عالية جدًّا». في العام الماضي، قَدَّر ميراكل وزملاؤە1 ما يمكن إنتاجه بنحو 313,560 سبيكة مختلفة، عن طريق جمع نِسَب متساوية تمامًا من 3، أو 4، أو 5، أو 6 عناصر معدنية من مجموعة تضم 26 عنصرًا فقط؛ كما يمكن زيادة الاحتمالات عن طريق تغيير النِّسَب أو توسيع خيارات العناصر.

ليس بالضرورة أن تنجح كل التركيبات، وذلك وفقًا لقول إيسو جورج، وهو مهندس مواد بجامعة الرور في بوخوم بألمانيا. ولا زال العلماء يتعلمون ويستكشفون ما يصلح للعمل، وما لا يصلح. يقول جورج: «إن المساحة المتوفرة للاستكشاف ضخمة حقًّا، وقد نظرنا إلى جزء ضئيل فقط من الكون».

طرأت فكرة السبائك عالية القصور الحراري لأول مرة على عالِم المعادن جين وي يه في عام 1995، بينما كان يقود سيارته وسط الريف التايواني. كانت فيزياء السبائك التقليدية مفهومة بشكل جيد في ذلك الوقت، كما يقول يه، الذي يعمل الآن في جامعة تسينج هوا الوطنية في هسينشو بتايوان. على المستوى الذري، لدى المعادن النقية هيكل بلوري منتظم، تُرَصّ فيه الذرات المتطابقة طبقةً فوق الأخرى. وفي كثير من الأحيان تنزلق تلك الطبقات على بعضها البعض بسهولة، الأمر الذي يجعل المعدن لَيِّنًا جدًّا لدرجة تجعله غير مفيد؛ ولهذا السبب.. نادرًا ما يُستخدم الذهب الخالص في صناعة الحليّ، إذ لن يتحمّل التلف الذي يسببه الاستخدام. أمّا إذا قام الصائغ بإضافة عنصر ذي حجم ذري مختلف؛ فسيقوم العنصر الدخيل بإرباك الطبقات بشكل عشوائي؛ مما يحدّ من ميلها للانزلاق فوق بعضها، ما تنشأ عنه سبيكة أصلب بكثير. ومن خلال الاختيار الصحيح للمركّبات، يمكن لعلماء المعادن صياغة خصائص أخرى أيضًا، مثل مقاومة التآكل، أو درجة الانصهار.

كان يه على دراية أيضًا بالمضاعفات المحتملة: إذا ما قمنا مثلًا بإضافة كمية أكبر من عنصر صناعة السبائك، قد تتوقف ذرّاته عن التوزع عشوائيًّا بين الطبقات، بل وستبدأ في التناوب مع ذرّات المعدن الأساسية بنمط أكثر انتظامًا، منتِجةً مركّبًا ضعيفًا وهَشًّا.

وقد أوحى له ذلك بفكرة مختلفة، إذ تساءل ييه: بدلًا من البدء بمادة ابتدائية واحدة، وإضافة كميات صغيرة من عنصر أو عنصرين، لِمَ لا نخلط كميات متماثلة من أربعة أو خمسة عناصر معًا، أو حتى أكثر من ذلك؟ إن عدد الطرق التي يمكن لمختلف الذرّات ترتيب نفسها بها سيزداد بشكل كبير؛ ما سيؤدي إلى ظهور ميل نحو الفوضى، أو «القصور الحراري العالي»، الذي سيطغى على أي انحياز لصالح بِنْيَة شبكة بلورية منتظمة. ونظرًا إلى أن كل عنصر من العناصر المخلوطة عشوائيًّا سيكون له حجم مختلف، ستقبع الذرات في مكانها، وستصبح أقل قدرة على الانزلاق فوق بعضها؛ ما يُنْشِئ مادة صلبة وقوية للغاية (انظر: «صلبة وقوية»).

Source: Adapted from fig. 4 in Gludovatz, B. et al. Nature Commun. 7, 10602 (2016).


كانت الفكرة غريبة في ذلك الوقت، وأعطاها يه أولوية متأخرة، حتى في مختبره الخاص، إلى أن نجح فريقه البحثي في عام 2004 ـ لأول مرة ـ في خلط 5 إلى 10 عناصر معًا2؛ ما أدَّى إلى إنتاج سبائك أصلب بكثير من الفولاذ المقاوِم للصدأ. كما أعلنت مجموعة أخرى بشكل مستقل عن توصُّلها إلى نتائج مماثلة في الوقت نفسه تقريبًا3.


حيرة في الاختيار

مِن هنا، بدأ المجال في التحرك بسرعة. ففي عام 2009، قام4 تشانج بوصف سبيكة تتكون من الكوبالت، والكروم، والنحاس، والحديد، والنيكل، والألومنيوم، كانت أقوى من الألومنيوم النقي بأكثر من 14 مرة، لكنها كانت أكثر ليونة بحوالي 3 مرات (الليونة هي قدرة المعدن على التمدد، دون أن ينكسر). وفي عام 2011، قام5 يه بابتكار سبيكة من الكوبالت، والكروم، والحديد، والنيكل، والألومنيوم، والتيتانيوم، كان لها ضِعف مقاومة التضرر من الاحتكاك الخاصة بالفولاذ التقليدي المقاوِم للتلف. وفي عام 2014، قام6 جورج وفريقه بإعداد سبيكة من الكوبالت، والكروم، والحديد، والمنجنيز، والنيكل، يمكن تبريدها لدرجات حرارة أقل من النيتروجين السائل، دون أن تصير هشة. ويمكن الاستفادة من تلك المادة في صنع الأوعية المبرِّدة، وخطوط أنابيب الغاز الطبيعي، وفي غير ذلك من تطبيقات منخفضة الحرارة، مثل المَركبات الفضائية.

ومع ذلك.. قد يكون أفضل ما في السبائك عالية القصور الحراري ـ والعدد الهائل من الاحتمالات ـ في كثير من الأحيان هو ذلك التحدي الأكبر الذي تحمله للباحثين. ومع وجود أكثر من 80 عنصرًا معدنيًّا في الجدول الدوري، حسب قول ميراكل، «هناك عدد كبير جدًّا من السبائك التي لا بد من اختبارها، ولا يوجد ما يكفي من الوقت». وفي عمله على السبائك عالية القصور الحراري، التي يمكن استخدامها لمحركات وهياكل الطائرات، يبحث ميراكل عن مواد أخفّ وزنًا وأكثر مقاومة للتآكل من أي شيء آخر متوفر حاليًّا، وأكثر قدرة على الحفاظ على قوتها في درجات الحرارة العالية أيضًا. وللتعامل مع وفرة الخيارات، يركِّز ميراكل على عناصر معينة، مثل النيوبيوم، والتنتالوم، والكروم، لها درجات انصهار عالية.

ومن الاستراتيجيات الأخرى الممكن اتباعها.. محاولة تكرار خصائص السبائك التي يُعرف عنها أنها تعمل بشكل جيد. على سبيل المثال.. هناك أنواع من الفولاذ، ليست مجرد خليط عشوائي من الذرات، بل تحتوي على عقد صغيرة من المركّبات التي تتشكل مع التبريد السريع للفولاذ. ورغم أن مثل هذه البِنْيَة المركّبة أقل استقرارًا من الخليط العشوائي، إلا أنها تمنح الفولاذ ليونة عالية. ومن ثم، استخدم جيم طاسان ـ عالِم معادن بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كمبريدج ـ تلك المعلومات لمَزْج الحديد، والمنجنيز، والكوبالت، والكروم معًا؛ منتِجًا سبيكة عالية القصور الحراري7، تمتاز بصلابة وليونة عاليتين جدًّا في الوقت نفسه، وهما صفتان بَدَتَا في وقت من الأوقات غير متوافقتَين بالمرّة. يقول طاسان: «ليس من المنطق أن نتخلَّى عن كل ما نعرف».

أما ناطحات السحاب الصغيرة في مختبَر «إيميز»، فهي تمثل نهجًا آخر أكثر انتظامًا، إذ يستطيع الجهاز صنع ما يصل إلى 30 عمودًا في أقل من ساعة بخلطة من مواد خام مختلفة بعض الشيء لكل عمود، كي يتمكن الباحثون من اختبار خصائص عديد من السبائك بشكل سريع. فمثلًا، يقود ماثيو كريمر ـ عالِم مواد بمختبر «إيميز» ـ مشروعًا لاكتشاف سبائك عالية القصور الحراري، يمكنها تحمُّل درجات الحرارة العالية، ومقاومة التآكل، وقد تساعد محطات توليد الطاقة على العمل عند درجات حرارة أعلى، وأن تصبح أكثر كفاءة.

يقوم بمساعدة الفريق دوين جونسون، وهو عالِم نظري بالمختبر، كان قد أنشأ في عام 1995 خوارزمية للتنبؤ بخصائص السبائك التقليدية قبل صنعها8؛ وفي عام 2015، قام جونسون بتضخيم نطاق الخوارزمية؛ لتشمل السبائك عالية القصور الحراري9. تقيِّم تلك الخوارزمية مدى انجذاب كل عنصر في السبيكة إلى الآخر، أو تنافره؛ ومن ثم تستخدم تلك المعلومات للتنبؤ بما إذا كان مزيج من العناصر سيشكل مُرَكَّبًا، أم محلولًا صلبًا، أم خليطًا من الاثنين. ومن شأن ذلك أن يمكِّن فريق كريمر من تحديد السبائك التي تستحق المزيد من الدراسة. وبعد ذلك.. يُعاد إدخال النتائج التجريبية في الخوارزمية؛ للتحقُّق من صحة الخوارزمية؛ ولتحسينها.

هذا.. وتظل هناك عدة عقبات، ينبغي التغلب عليها؛ من أجل المضي قُدُمًا بالبحوث في مجال السبائك عالية القصور الحراري. فحتى الآن، ينصَبّ التركيز على تحسين الخصائص البنيوية، كالقوة مثلًا، والأعمال التي تمت على تطوير سبائك بخصائص «وظيفية» محددة كانت أقل بكثير، وتشمل التوصيل أو الاستجابة للمجال المغناطيسي، وهو تطوُّر يمكن أن يؤدي إلى ظهور تطبيقات في نطاقات أخرى، كعملية التبريد، والأجهزة الإلكترونية.

ومع ذلك.. هناك احتمالات عديدة لم تُستكشَف بعد، خاصةً مع بدء الباحثين في مدّ الفكرة لما يتخطى تعريفها الأصلي بكثير، فتشانج مثلًا يقوم بخلط المعادن مع عناصر محددة، مثل الكربون، والنيتروجين، والسيليكون، في محاولة لتطوير مواد سيراميكية جديدة؛ تتحمل درجات الحرارة العالية؛ لاستخدامها في تطبيقات الطاقة الشمسية.

وقد بدأ علماء آخرون ـ منهم طاسان، وييه ـ في إجراء تجارب على سبائك تحتوي على عناصر مخلوطة بنِسَب عالية، لكن متفاوتة. وتشير نتائجهم الأوّلية إلى أن سبائك كثيرة من تلك السبائك لا تزال تحتفظ بكل الخصائص التي تجعل السبائك عالية القصور الحراري مرغوبةً في المقام الأول. فمثلًا، قام يه بتحضير مجموعة من المواد الصلبة ـ التي تتكون بنسبة %50 من النيتروجين، أو الكربون، أو الأكسجين ـ مع خليط من عناصر أخرى، كالألومنيوم، أو السيليكون، أو التيتانيوم، يمكنها مقاومة الخدش. ويمكن استخدام تلك المواد لطلاء أجزاء الآلات وأدوات التقطيع؛ لتوفير حماية طويلة الأمد. يقول جورج: «نملك الآن مجالًا غنيًّا جدًّا للاستكشاف».

  1. Senkov, O. N., Miller, J. D., Miracle, D. B. & Woodward, C. Nature Commun. 6, 6529 (2015).

  2. Yeh, J.-W. et al. Adv. Eng. Mater. 6, 299–303 (2004).

  3. Cantor, B., Chang, I. T. H., Knight, P. & Vincent, A. J. B. Mater. Sci. Eng. A 375–377, 213–218 (2004).

  4. Wang, F., Zhang, Y., Chen, G. & Davies, H. A. Int. J. Mod. Phys. B 23, 1254–1259 (2009).

  5. Chuang, M.-H., Tsai, M.-H., Wang, W.-R., Lin, S.-J. & Yeh, J.-W. Acta Mater. 59, 6308–6317 (2011).

  6. Gludovatz, B. et al. Science 345, 1153–1158 (2014).

  7. Li, Z., Pradeep, K. G., Deng, Y., Raabe, D. & Tasan, C. C. Nature http://dx.doi.org/10.1038/nature17981 (2016).

  8. Althoff, J.D., Johnson, D.D. & F. J. Pinski Phys. Rev. Lett. 74, 138 (1995).

  9. Singh, P., Smirnov, A. V. & Johnson, D. D. Phys. Rev. B 91, 224204 (2015).