أخبار

خطـأ برمجي يُفشِـل القمـر الصنـاعي اليـابـاني «هيتـومي»

وكالة الفضاء اليابانية تعلِن عن فقدان قمر صناعي خاص بالأبحاث الفلكية.

ألكسندرا ويتز
  • Published online:

<p>وكالة استكشاف الفضاء اليابانية تحقق في الأسباب التي أدت إلى فشل «هيتومي».</p>

وكالة استكشاف الفضاء اليابانية تحقق في الأسباب التي أدت إلى فشل «هيتومي».

STR/AFP/Getty


يُعَدّ «هيتومي» ـ الذي أُطلق بنجاح في 17 فبراير الماضي ـ هو القمر الصناعي الفلكي الأبرز في اليابان، لكنه خرج عن السيطرة بعد خمسة أسابيع، ربما بسبب خطأ هندسي أساسي. أدَّى ارتباك في توجيه «هيتومي» في الفضاء، وفي محاولته التحكم في دورانه حول نفسه ـ على ما يبدو ـ إلى إصدار نظام التحكم الخاص به أمرًا لأجهزة الدفع النفاث بالإطلاق في الاتجاه الخاطئ؛ مما أدَّى إلى تسريع دوران القمر الصناعي، بدلًا من إبطائه.

في 28 إبريل الماضي، أعلنت وكالة استكشاف الفضاء اليابانية «جاكسا» عن فَقْد القمر الصناعي، الذي كلَّفها 31 مليار ين ياباني (286 مليون دولار أمريكي). وقد انفصل عن الجسم الرئيس للقمر «هيتومي» ما لا يقل عن عشر قطع، من بينها مجموعتا الألواح الشمسية التي أمدت القمر الصناعي بالطاقة الكهربائية.

كان يُنظر إلى «هيتومي» باعتباره مستقبِل الدراسات الفلكية بالأشعة السينية. يقول ريتشارد ماشوتزكي، عالِم الفلك في جامعة ميريلاند في كوليدج بارك: «إنها مأساة علمية».

هذا.. إلا أن «هيتومي» تَمَكَّن من إنجاز أحد أهم الأرصاد الفلكية قبل وقوع الحادث، وذلك بالتقاطه حركات الغازات في تشكيل نجمي في كوكبة «حامل رأس الغول». كان الجهاز الذي نجح في الرصد ـ وهو بمثابة مطياف عالي الدقة ـ مستخدَمًا في البحوث على مدى ثلاثة عقود، وفُقد إصداران سابقان منه في مهمات فضائية مُنِيَت بالفشل.

بدأت مشكلات «هيتومي» التقنية في الأسابيع التي تَلَتْ إطلاقه، مع نظام «التعقب النجمي» الخاص به، وهو واحد من عدة أنظمة مصمَّمة للحفاظ على القمر الصناعي موجَّهًا في الفضاء بشكل صحيح. كان نظام التعقب يعاني أعطالًا كلما مر فوق الساحل الشرقي لأمريكا الجنوبية، في المنطقة المعروفة بـ«شذوذ جنوب الأطلسي». في تلك المنطقة، تميل الأحزمة الإشعاعية المغلفة للأرض إلى الهبوط قليلًا نسبيًّا داخل الغلاف الجوي؛ مما يعرِّض الأقمار الصناعية لجرعات زائدة من الجسيمات عالية الطاقة.

لم يكن ممكنًا أن تكون تلك مشكلةً خطيرة في حد ذاتها، ولكن أعطال نظام التعقب النجمي فتحت الباب لسلسلة من الإخفاقات المتتالية. ففي الساعة 3:01 صباحا بتوقيت اليابان، يوم 26 مارس الماضي، بدأ «هيتومي» مناورة مبرمَجة مسبقًا لتغيير وجهة الرصد من «سديم السرطان» إلى مجرّة «ماركاريان 205». أدَّت أعطال نظام التعقب النجمي خلال هذه العملية إلى تحوُّل «هيتومي» إلى نظام آخر بديل، تَمَثَّل في مجموعة من الجيروسكوبات، المصمَّمة لقياس الاتجاه في الفضاء. كانت هذه الجيروسكوبات تعطي قياسات خاطئة، أَوْحَت بأن القمر الصناعي كان يدور بمعدل 20 درجة في الساعة تقريبًا. ومن ثم، بدأت المحركات الدقيقة المعروفة باسم «عجلات رد الفعل» في العمل؛ لمنع الدوران المفترَض.


دوران «هيتومي»

بمجرد أن وصلت عجلات رد الفعل إلى أقصى دوران لها، وحتى لا تخرج عن السيطرة، كان مِن المفترَض أن يتدخل قضيب مغناطيسي؛ للتحكم فيها، ومنعها من التسارع. وكان يجب أن يكون هذا القضيب موجَّهًا بدقة في المستوى ثلاثي الأبعاد؛ ليقوم بدوره، ولكنه في النهاية فشل في إبطاء عجلات رد الفعل؛ فتسارَع دوران «هيتومي» أكثر فأكثر.

عندها، تحول «هيتومي» تلقائيًّا إلى الوضع الآمِن. وفي حوالي الساعة 4:10 صباحًا، انطلقت صواريخ الدفع في محاولة لوقف الدوران، ولكنْ تسببت قوة الدفع في زيادة تسارُع القمر الصناعي، لأن الأمر المُبرمَج الذي تم تحميله كان خاطئًا. (تم تحميل الأمر الخاطئ قبل بدء الرحلة بأسابيع، دون اختبار دقيق، وتقول جاكسا إنها تحقِّق في ذلك).

حدث كل هذا حين كان «هيتومي» على الجانب الآخر من الأرض بالنسبة إلى اليابان؛ وبالتالي لم يستطع التواصل آنيًّا مع وحدات التحكم الخاصة به، بينما في الولايات المتحدة، ذهب العلماء المنتمون إلى الفريق إلى بيوتهم يوم الجمعة الموافق 25 مارس الماضي، بعد أن احتفلوا بالبداية الناجحة للمهمة، ليستيقظوا صباح يوم السبت على رسالة إلكترونية مقتضَبة من مدير المشروع، تادايوكي تاكاهاشي، يخبرهم فيها أن المهمة في خطر.

التقطت التليسكوبات الأرضية صورًا لدوران «هيتومي» وهو يكمل دورة كاملة حول نفسه، مرة كل 5.2 ثوانٍ تقريبًا.


الفرص الضائعة

ساعد دان مكامون ـ وهو عالِم فلك في جامعة ويسكونسن ماديسون ـ في تصميم وبناء النسخة العلمية الأولية لهيتومي، التي كانت بمثابة مسعر أشعة سينية يمكنه قياس طاقة فوتونات الأشعة السينية بدقة شديدة. عمل مكامون على هذه التكنولوجيا لأكثر من ثلاثة عقود، حيث هَيَّأ إصدارات منها لتحلِّق مع بعثة «أسترو-إي» ASTRO-E، التي فشلت في الانطلاق في عام 2000، وخصّص بعضها الآخر للمركبة الفضائية «سوزاكو»، التي فشلت أجهزتها بعد أسابيع من انطلاقها في عام 2005؛ بسبب تسرُّب الهيليوم.

يقول مكامون إن الأمر سيكلِّف «ناسا» حوالي 50 مليون دولار أمريكي، ومن 3 إلى 5 سنوات أخرى، لبناء مسعر بديل. ومن المقرر أن تُرسل نسخة منه في بعثة «أثينا» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، التي لن تنطلق قبل عام 2028.

يقول ماكوتو تاشيرو ـ عالِم الفيزياء الفلكية في جامعة سايتاما في اليابان ـ إن المسعر هو الخسارة الكبرى.. فقد خسرنا بخسارته ما جمعه من بيانات تفصيلية غير عادية عن النجوم المتفجرة، والتشكيلات النجمية، والغازات بين المجرّات، وغير ذلك الكثير. يقول تاشيرو: «لقد خسرنا العِلم الجديد».

هذا.. وما زال بإمكان «هيتومي» أن يسهم في العلم.. فبالاستفادة من الفشل المبكر لسوزاكو، خطَّط علماء «هيتومي» لعملية رصد مبكر مهمة. فبعد حوالي 8 أيام من الإطلاق، سَلَّط «هيتومي» أشعَّته السينية على تشكيلة نجمية في كوكبة «حامل رأس الغول»، تبعد عن الأرض حوالي 250 مليون سنة ضوئية (77 مليون فرسخ فلكي). وبقياس سرعة تدفق الغاز من التشكيلة، تَمَكَّن «هيتومي» من الكشف عن كيفية تغيُّر كتلة التشكيلات النجمية على مر الزمن، بينما تُولد النجوم وتموت، وهو ما يمثل اختبارًا لعامل كوني مهم، معروف باسم «الطاقة المظلمة».

يقول ماشوتزكي إنّ بإمكان هذه الملاحظة الوحيدة أن تثمر مجموعة من الأوراق البحثية حول أرصاد «هيتومي». ويقول أيضًا: «حصلنا على ثلاثة أيام فقط من الرصد، وكنا نتطلع إلى عشر سنين».