أخبار

لقاحات الأورام الشخصية تُشْعِل الجدل

إقبال وحماس على الأمر، وسط مخاوِف من أن يتّضح أنّ تلك العلاجات أصعب وأعقد مِن أنْ يتم تصنيعها.

هايدي ليدفورد
  • Published online:

سعيًا إلى التزام الدقة الطبية القصوى، طُرحت مؤخرًا فكرة في الأوساط البحثية الطبية عن ابتكار لقاحات مقاوِمة للسرطان، تُصَمَّم خصيصًا للمريض، بناءً على الطفرات التي تحتويها أورامه. وإذ تُظْهِر التجارب الإكلينيكية المبكرة احتمالات واعدة، قد تصبح هذه الفكرة المتطرفة يومًا ما أمرًا عاديًّا، إذا تَمَكَّن مطوِّرو العقاقير من زيادة سعة إنتاج أدويتهم المصمَّمة بشكل شخصي للمرضى، وتسريع عملية إنتاجها.

تَصَدَّر هذا الموضوع نقاشات الاجتماع السنوي للجمعية الأمريكية لبحوث السرطان في نيو أورليانز بلويزيانا، الذي عُقِد على مدار أربعة أيام من 16 إلى 20 إبريل الماضي؛ حيث استعرض الباحثون البيانات الأولية الصادرة من التجارب الإكلينيكية المبكرة، التي تشير إلى أنه بوسع اللقاحات المصممة شخصيًّا تحريض استجابات مناعية في مواجهة الخلايا السرطانية. ويبدو الباحثون متفائلين بأن هذه النتائج سوف تُتَرْجَم إلى فوائد للمرضى؛ فعلى مدار العام الماضي، قاموا بضخّ الأموال في الشركات الناشئة المختصة بالتقنيات الحيوية، التي تسعى نحو هذا النهج.

على الجانب الآخر، يُبْدِي بعض الباحثين قلقًا بشأن الحماس المفرط، ويرونه حماسًا مبكِّرًا جدًّا لنهجٍ ما زال يواجه العديد من التحديات التقنية. يقول درو باردول، المتخصص في علم المناعة الخاص بالأورام في جامعة جون هوبكينز في بالتيمور بولاية ميريلاند: "ما يذهلني حقًّا هو ما يمكن أن أسميه "طفرة غير منطقية"".

إن فكرة وجود لقاح يعالج السرطان فكرة جذابة في أساسها. فهناك بروتينات أورام، إما طفرات، أو يتم التعبير عنها بدرجات مختلفة عمّا يحدث في الأنسجة الطبيعية، وهو ما يعني أنّ جهاز المناعة يستطيع تمييز هذه البروتينات غير الطبيعية، باعتبارها أجسامًا غريبة، وذلك إذا انتبه لوجودها بواسطة لقاح يحتوي على أجزاء من البروتين الطافر. وعندها؛ سيتمكن جيش الخلايا التائية الخاص بجهاز المناعة من البحث عن الخلايا السرطانية التي تحمل هذا البروتين، وتدميرها.

ما يذهلني حقًّا هو ما يمكن أن أسميه "طفرة غير منطقية".

وحتى الآن، كانت نتائج التجارب الإكلينيكية التي أُجريت على مدار عقود من البحث في لقاحات علاج السرطان مخيبة للآمال، إلا أن التقدم الذي حلّ في السنوات الأخيرة أعاد بث الأمل في المجال من جديد. ويشمل هذا التقدم طرح مجموعة من الأدوية التي تعمل على زيادة تأثير لقاحات السرطان. كما أظهرت عمليات تسلسل الحمض النووي في جينومات الأورام تنوُّعًا شديدًا في الطفرات التي تُنتِج بروتينات يمكن أن تعمل باعتبارها "مستضدات". والمستضدات هي جزيئات تُنبِّه جهاز المناعة لوجود الورم.

في العام الماضي، نَشَرَ باحثون تقارير تفيد بأنهم نجحوا في تحريض استجابة مناعية في ثلاثة أشخاص مصابين بسرطان الجلد، عن طريق تطعيمهم بلقاح مصمَّم خصيصًا للمستضدات الورمية، المحتمَل أن تكون لديهم (B. M. Carreno et al. Science 348, 803–808; 2015). لم يتّضح بعد تأثير اللقاحات على نمو الأورام، لكن في نهاية العام الماضي أعلنت عدة شركات عن نِيَّتها الانضمام إلى المجال. وقد خصصت الشركة الناشئة "جريتستون أونكولوجي" Gritstone Oncology ـ ومقرها في إمريفيل بكاليفورنيا ـ 102 مليون دولار أمريكي للعمل في هذا المجال، كما خَصَّت شركة "نيون ثيرابيوتكس" Neon Therapeutics ـ ومقرها في كمبريدج بولاية ماساتشوستس ـ 55 مليون دولار لهذا الأمر، إضافة إلى شركة تُدعى "كابيرنا" Caperna، انبثقت عن شركة التكنولوجيا الحيوية الشهيرة "موديرنا ثيرابيوتكس" Moderna Therapeutics، ومقرها في كمبريدج أيضًا.

حواجز وموانع

تشهد المجموعات الأكاديمية حراكًا سريعًا أيضًا.. ففي اجتماع الجمعية الأمريكية لبحوث السرطان، قام المتخصص في علم المناعة، روبرت شرايبر ـ من جامعة واشنطن في سانت لويس بولاية ميزوري ـ باستعراض ست دراسات تُجرى حاليًّا في مؤسسته على أمراض سرطانية متنوعة، بدءًا من سرطان الجلد، حتى سرطان البنكرياس. كما استعرضت كاثرين وو ـ من معهد دانا فاربر للسرطان في بوسطن بولاية ماساتشوستس ـ بيانات تشمل علامات إيجابية لاستجابة الخلايا التائية للقاح سرطان الجلد، إلا أن الأمر يستغرق من فريق وو 12 أسبوعًا لإنشاء لقاح، بينما يتطلب الأمر من فريق جامعة واشنطن حوالي 8 أسابيع. ومن شأن ذلك ـ بحسب تصريح وو ـ أن يؤدي إلى اقتصار العلاج على السرطانات التي تنمو ببطء.

وهناك سبب أيضًا لاختيار الكثير من الباحثين سرطان الجلد في تجارب إثبات المبدأ.. وهو أن أورام سرطان الجلد تُعتبر بمثابة مأوى لكثير من الطفرات، ممّا يزوِّد الباحثين بفرصة سخية لاختيار الطفرات التي قد تقوم بدور المستضدات. ويخشى بعض الباحثين ألّا تكون فكرة اللقاحات الشخصية مناسبة للأورام التي تحتوي على عدد أقل من الطفرات.

وحاليًّا، يساور باردول القلق من التحول السريع في المجال، الذي سيترك خلفه عقودًا من البحوث التي تمت على المستضدات التي قد تكون مشترَكة بين الأورام المختلفة. وتلك الأعمال لم تثبت صحتها بعد من خلال الأبحاث الإكلينيكية، لكنْ قد يكون إنتاجها ونشرها على نطاق واسع عمليةً أبسط وأسهل. يقول باردول عن اللقاحات الشخصية: "سأكون أسعد شخص في العالم، إذا ثبت أنّني مخطئ فيما أعتقد حيال الأمر.. لكني أعتقد أنّ برغم ذلك.. يجب على المرء أن يكون مدركًا لمواطن التحديات".