NATURE INDEX

الاستفادة القصوى من الخبرات المحلية

التعاون المشترك مع الدول المجاورة يسهم في حل المشكلات المشتركة، ويعزِّز تكوين الشبكات الإقليمية.

نادية العوضي
  • Published online:

<p>بدأت جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية تقوم بدور أكثر إيجابية على المستوى المحلي بفتح مرافقها البحثية الممتازة أمام الباحثين من المؤسسات البحثية الأخرى في السعودية.</p>

بدأت جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية تقوم بدور أكثر إيجابية على المستوى المحلي بفتح مرافقها البحثية الممتازة أمام الباحثين من المؤسسات البحثية الأخرى في السعودية.

KAUST


في عام 2011، نَشَرَ فريقٌ ضَمَّ 17 باحثًا ـ جميعهم من المقيمين في المملكة العربية السعودية، وسلطنة عُمَان ـ ورقة بحثية في دورية Nature Genetics، حددوا فيها ـ للمرة الأولى ـ طفرة جينية تتسبب في شكل نادر من اضطراب المناعة الذاتية، يُعْرَف باسم «الذئبة الحمراء»، أو «الذئبة الحمامية الجهازية» (systemic lupus erythematosus (SLE. وكان هذا التعاون تحت إشراف فوزان الكريع، عالِم الجينات في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث في الرياض بالمملكة العربية السعودية.

استكمل مركزُ الأبحاث هذا الإنجاز ببحث آخر في عام 2013، عندما كَشَفَ فريق الكريع عن دور هيليكيز الحمض النووي الريبي في تطور «المتلازمة الفموية الإصبعية الوجهية» orofaciodigital syndrome. ومؤخرًا، في مطلع عام 2015، حَدَّد فريق بحثي من مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث، وجامعة الملك سعود طفرةً جينية مرتبطة بـ«اضطراب ضمور أعصاب الدماغ منذ الولادة» congenital cranial dysinnervation disorder. ويمثل هذا الاتجاه في الدراسات حالة غير مألوفة من التعاون البحثي المشترك على المستوى السعودي والإقليمي. وبينما يَكشِف مؤشرُ Nature التعاون المتزايد في الأبحاث المشتركة بين المملكة العربية السعودية، والولايات المتحدة الأمريكية، وآسيا، وأوروبا، تبدو الأبحاث المشتركة على مستوى المملكة العربية السعودية، وبينها وبين دول الشرق الأوسط الأخرى متقطعة.

وتُعتبَر مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث، وجامعة الفيصل ـ التي ينتمي إليها الكريع أيضًا ـ من بين المؤسسات السعودية القليلة التي أبدت نمطًا مقصودًا وثابتًا من التعاون في الأبحاث المشتركة على المستوى المحلي والإقليمي، تلك الأبحاث التي أثمرت عن دراسات منشورة في دوريات مرموقة، رَصَدَها مؤشر Nature. وخلال عام 2015، حققت ست مؤسسات فقط ـ من إجمالي 16 مؤسسة شاركت في أبحاث مشتركة محلية وإقليمية ـ إنتاجًا علميًّا بارزًا في مؤشر Nature. وتَبَوَّأَت «مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث» الصدارةَ في الأبحاث المشتركة على المستوى السعودي. أما جامعة الملك سعود، وهي ثاني أكبر مؤسسة سعودية من حيث المشارَكة في الأبحاث المحلية خلال عام 2015، فقد تفوقت على كل المؤسسات السعودية في تحقيق أكبر إنتاج علمي من الأبحاث التعاونية مع دول المنطقة خلال السنة نفسها.

وخلال الفترة بين عامي 2012، و2015، حصلت «مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث»، وجامعة الفيصل، وجامعة الملك سعود ـ وهي أكبر ثلاث مؤسسات سعودية في مجال الأبحاث المحلية المشتركة خلال هذه الفترة ـ على نسبة %31، و%36، و%5 على التوالي من درجة التعاون الإجمالية لكل منها في الأبحاث المشتركة على المستوى المحلي، مقارنةً بنسبة %0.5 من الأبحاث المشتركة المحلية في كل من جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، وجامعة الملك عبدالعزيز، وهما من أكبر المؤسسات البحثية في المملكة العربية السعودية تعاونًا مع الجهات الدولية. يقول الكريع في هذا الصدد: «أحاول التركيز على المواهب المحلية والعربية، لأني ـ كمُوَاطِن صالح ـ أشعر بمسؤوليتي تجاه تطوير البِنْيَة التحتية للأبحاث في المنطقة».

«لا أرى سببًا للاعتقاد أن التعاون المشترك المحلي والإقليمي يؤدي إلى ضَعْف جودة الإنتاج البحثي».

ويُؤْمِن الكريع تمامًا بوجود ثروة من المواهب في المملكة العربية السعودية والمنطقة. ويقول عن ذلك: «لا أرى سببًا للاعتقاد أن التعاون المشترك المحلي والإقليمي يؤدي إلى ضَعْف جودة الإنتاج البحثي، بل على العكس من ذلك.. أرى أننا قد نشرنا عددًا كافيًا من الأوراق البحثية التعاونية في دوريات عالية التأثير؛ للقضاء على هذه الأسطورة تمامًا».

في عام 2015، اشترك الباحثون في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث في أوراق بحثية تعاونية ناجحة مع 12 مؤسسة إقليمية، منها ـ على سبيل المثال، لا الحصر ـ جامعة إسطنبول في تركيا، وجامعة الكويت، وست مؤسسات في المملكة العربية السعودية، منها جامعة الملك سعود، ومستشفى الملك خالد التخصصي للعيون، وجامعة الفيصل. ومن ناحية أخرى، لم تتعاون جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية بحثيًّا سوى مع خَمْس مؤسسات فقط من المنطقة، وثلاث مؤسسات فقط من المملكة العربية السعودية في العام نفسه.

من جانبه، يرى جان فريشيه ـ نائب رئيس جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية ـ أنَّ نَقْص الأبحاث المشتركة مع المؤسسات السعودية والإقليمية أمرٌ يُؤسَف له. وعَلَّلَ ذلك قائلًا: «بصراحة، أعتقد أن ذلك كان خطأً من جانبنا. وما حدث هو أننا عندما أنشأنا جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، كنا منشغلين للغاية بتشغيل الجامعة (فقط)، لدرجة أنه لم يكن لدينا وقت لكي ننظر حولنا». وأضاف قائلاً: «وهذا الأمر لم يحدث عن قصد، أو عمد، ولكنه لن يستمر هكذا».

كبر الصورة


تغيير الوجهة نحو الداخل

يقول جان فريشيه إنّ هذا الوضع بصدد التحول، ففي نوفمبر من عام 2015، دعت جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية الباحثين من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن؛ لمناقشة مشروعات الأبحاث المشتركة المحتمَلة في مجالات الأمن الإلكتروني «السَّيْبَرِيّ»، والحوسبة المتقدمة، وهندسة البترول. كما تنفِّذ جامعة الملك عبدالله برنامجًا ضخمًا خاصًّا بالجينوم مع «مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث»، وتدعمه مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية.

تقوم مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية أيضًا بتمويل مشروع تقوده جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية في مجال «الإضاءة بتقنية الحالة الصلبة» solid state lighting، يتضمن التعاون مع جامعة كاليفورنيا في سانتا باربارا، وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وجامعة عفت (وهي جامعة خاصة للنساء فقط في جدة، تقع على الساحل الغربي للمملكة). وقد حصل خمسة من الباحثين في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية على مِنَح صغيرة من «مؤسسة قطر»؛ لإجراء البحوث بالتعاون مع الباحثين في قطر.

<p>الأبحاث الوراثية من أهم التخصصات التي تعزِّز التعاون في الأبحاث العلمية على المستوى المحلي والإقليمي في السعودية.</p>

الأبحاث الوراثية من أهم التخصصات التي تعزِّز التعاون في الأبحاث العلمية على المستوى المحلي والإقليمي في السعودية.

KFSH&RC (top)/KAU (bottom)

ورغم ما سبقت الإشارة إليه.. ستظل هذه المشروعات البحثية المحلية والإقليمية صغيرةً، بالمقارنة بالأبحاث المشترَكة التي تنفِّذها جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية مع المؤسسات الدولية. يقول جان فريشيه: «لدينا أهداف طموحة، ونرغب في تصنيفنا كـ«مؤسسة مرموقة»؛ وذلك يحفِّزنا دائمًا للتعاون مع الأفضل».

وقد ينطبق هذا التعليل على المؤسسات السعودية الأخرى، التي تبحث عن التعاون مع المؤسسات المرموقة في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، أكثر مما تبحث عن التعاون مع المؤسسات القريبة، حيث لا تزال مستويات الإنتاج العلمي متواضعة. ويعترف الكريع بأن هناك نقصًا في الحافز الذي يدفع الباحثين السعوديين وفي دول المنطقة للتعاون معًا، فهُم غالبًا ما يفضِّلون نشر أوراق صغيرة في دوريات ليست مشهورة، لأن ذلك يساعدهم على الترقي إلى درجات وظيفية أعلى، بدلًا من التعاون مع باحثين آخرين، والنشر في دوريات عالية التأثير، الأمر الذي يفسِّر قِلَّة ظهور الأوراق البحثية المشترَكة في مؤشر Nature. ويضيف الكريع قائلًا: «هناك أيضًا نَقْصٌ كبير في التدريب الذي يؤهل الباحثين للعمل الجماعي».

يرى أحمد الزتحري ـ وهو باحث مصري في كيمياء المواد، عمل من قبل في جامعة الملك سعود ـ أن المكاسب التي سيجنيها الباحثون السعوديون من التعاون مع أقرانهم في المنطقة ليست كبيرة. ويقول عن ذلك: «هم يعيشون بالفعل بالقرب من عدد كبير من العرب»، ويقصد بذلك الأعداد الكبيرة من العرب القادمين من الدول العربية المجاورة، ويقيمون في السعودية. ويتابع أحمد الزتحري قائلًا إن المؤسسات السعودية ـ في الغالب ـ قادرة على استقطاب الباحثين العرب للعمل لديها؛ لما تمتاز به من مرافق وتسهيلات ممتازة، وتمويل كبير للأبحاث، وأجور سخية.

كبر الصورة


أبحاث مشتركة متكافئة

يبدو أن الكريع قد تَوَصَّل إلى سر التعاون الإقليمي الناجح، الذي يؤدي إلى النشر في دوريات مرموقة عالية الجودة. ويقول عن ذلك: «لقد كنتُ محظوظًا للغاية بالتعاون مع مجموعة من الأفراد الموهوبين والمخلصين الذين عملوا معي في المختبر. وفي الحقيقة، يرجع إليهم الكثير من الفضل في الإنجازات التي حققناها»، مؤكِّدًا أن أعضاء فريقه جميعًا لديهم شعور قوي بالمسؤولية عن المشروعات البحثية التي يعملون بها.

وقد شَنَّ الكريع انتقادًا لاذعًا لما أسماه بـ«الاتجاه السائد» في شحن عَيِّنات المرضى إلى الباحثين المتعاونين في الدول الأخرى. وقال مستنكِرًا: «ربما يخدم هذا الاتجاه كل باحث على حدة بنشر اسمه في دوريات شهيرة، ولكن ذلك سيدمِّر منظومتك البحثية في الداخل. إِذَن، أيّ بِنْيَة تحتية بحثية تلك التي تأمل في بنائها، إذا كنتَ تسنِد إلى آخرين مهمةَ التحقيق العلمي بالكامل؟»، واستطرد قائلًا: «بالنسبة لي، أرى أنّ التعاون الحقيقي يقوم على التكافؤ في التبادل الفعلي للخبرة من كلا الطرفين المتعاونَين. وكم يسعدني للغاية اختيار خبير يوافق على إجراء اختبار، تتوفر الخبرة اللازمة له في مختبره، (أو مختبرها)».

«أيّ بِنْيَة تحتية بحثية تلك التي تأمل في بنائها، إذا كنتَ تسند إلى آخرين مهمةَ التحقيق العلمي بالكامل؟».

ويُذْكَر أنّ مصطفى صالح ـ عالِم الوراثة العصبية ـ كان أحد الأساتذة الذين دَرَّسُوا من قبل لفوزان الكريع في جامعة الملك سعود، وكان أحد الباحثين السعوديين البارزين الذين اشتركوا في أبحاث علمية ـ رَصَدَها مؤشر Nature ـ بالتعاون مع باحثين آخرين من السعودية ودول المنطقة. وفي عام 2015، بلغت نسبة الأبحاث السعودية المشتركة %5 فقط من إجمالي أبحاثها التعاونية. ويرى مصطفى صالح أن عِلْم الوراثة من أحد العوامل الأساسية وراء الأبحاث السعودية المشتركة على المستوى المحلي والإقليمي. وبالفعل، بين عامي 2012، و2015، كانت الأبحاث المشتركة في علوم الحياة ـ التي تَمَّتْ بالتعاون بين المؤسسات السعودية ونظيراتها في الداخل، وفي دول المنطقة ـ هي الأوفر حظًّا في رصد مؤشر Nature.

تضمَّنَت الأبحاث التعاونية التي شارك فيها مصطفى صالح مع باحثين في السعودية والمنطقة أوراقًا متعددةَ المؤلِّفين، أَسْهَم فيها باحثون من المملكة العربية السعودية، وتركيا، والأردن. وتناولت هذه الأوراق «ضمور الشبكية» retinal dystrophy، و«الشلل النصفي التشنجي الوراثي» hereditary spastic paraplegia. وفَسَّرَ صالح ذلك قائلًا: «أَبْدَى الباحثون المتعاونون في تركيا والأردن الاهتمامَ نفسه بالاضطرابات العصبية الوراثية المتنحية جسديًّا autosomal recessive neurogenetic disorders؛ لانتشارها في المملكة العربية السعودية ودول المنطقة». ومن أبرز دول المنطقة في المؤشر، التي تعاوَن معها الباحثون من السعودية بين عامي 2012، و2015: مصر، وتركيا، وقبرص.

يقول الكريع إن «مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث» لها تاريخ كبير من الإنجازات البحثية. ففي أواخر التسعينات، كان محمد راشد من بين الروّاد في استخدام «قياس الطيف الكتلي» mass spectrometry في فحص الاضطرابات الأيضية الوراثية في الأطفال حديثي الولادة. ويقول الكريع إن فريقه في «مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث» نشروا أول خريطة جينية في المنطقة، تم إعدادها بالمواهب المحلية فقط. وحَدَّدت الدراسة التحوُّر المسؤول عن اضطراب نادر، هو متلازمة التشوُّه الجسدي «وود هاوس ساكاتي» Woodhouse–Sakati، التي ظهرت لأول مرة ضمن العائلات السعودية التي تقتصر في الزواج على الأقارب. وكان فريقه أول مَن استخدم تسلسل الإكزوم المحلي في رسم خريطة لجين مرض جديد في المنطقة.

أَشار الكريع إلى أن هذه الاكتشافات تقدِّم نماذج رائعة للمواهب المحلية. ويقول عن ذلك: «إذا لم نتعاون معًا كمجتمع من الباحثين في السعودية ودول المنطقة، لا أعرف كيف سنُرَوِّج لأنفسنا ككيان أمام المجتمع البحثي الدولي».