NATURE INDEX

تَبَادُل المعرفة ركيزة جوهرية تعزِّز النهضة العلمية في المملكة

يسفِر التعاون مع المؤسسات الدولية المرموقة في مجال الأبحاث عن إنجازات علمية كبيرة، ويسهم في الارتقاء بجودة الإنتاج العلمي في المملكة.

نادية العوضي
  • Published online:

<p>استطاعت المملكة العربية السعودية ـ من خلال الترحيب بالباحثين الدوليين ـ إقامة علاقات تعاون مع جهات بحثية متعددة حول العالم، وهو ما عزَّز الإنتاج العلمي للمملكة.</p>

استطاعت المملكة العربية السعودية ـ من خلال الترحيب بالباحثين الدوليين ـ إقامة علاقات تعاون مع جهات بحثية متعددة حول العالم، وهو ما عزَّز الإنتاج العلمي للمملكة.

Karl-Josef Hildenbrand/DPA/Alamy Live News


إنَّ المؤسسات العلمية في المملكة العربية السعودية ماضيةٌ في سعيها الحثيث نحو الوصول إلى شركاء بحثيين حول العالم؛ من أجل التعاون مع باحثي المملكة. ففي عام 2015، اشترك علماء ينتمون إلى مؤسسات سعودية في أوراق بحثية مع أقرانهم من 89 دولة في دوريات تَضَمَّنها مؤشر Nature.

وقد تمَّت غالبية هذه الأوراق البحثية المشتركة مع مراكز بحثية عالمية مرموقة، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية، والصين، والمملكة المتحدة هي أكثر ثلاث دول تعاونَت معها المملكة بصورة مكثفة بين عامي 2012، و2015، ولكنْ حلَّت ألمانيا في عام 2015 محل المملكة المتحدة. ووفقاً لمؤشر Nature، زاد خلال السنوات الأخيرة تعاوُن السعودية مع كل الشركاء الدوليين الذين يحتلون المراكز العشرة الأولى في المؤشر. وتَحَقَّق أكثر هذه الزيادة في الأبحاث المشتركة مع الولايات المتحدة الأمريكية، غير أن الأبحاث المشتركة بين السعودية والصين قد تضاعفت هي الأخرى ثلاث مرات في الفترة نفسها، وفقًا لدرجة التعاون التي تحسب مجموع الأوراق البحثية الثنائية للمملكة العربية السعودية بالتعاون مع الجامعات الأخرى.

يعكس تنامي انخراط السعودية في التعاون الدولي النموَّ الذي حققته المملكة في إجمالي عدد الأوراق البحثية التي أحصاها مؤشر Nature، خاصة في الكيمياء، والعلوم الفيزيائية. وعند التركيز على تفاصيل تخصصات الأوراق البحثية، نجد أن اختيار الدول التي تفضِّل السعوديةُ التعاون معها لا يعكس بالضرورة النمط العام للتعاون العلمي. ففي الكيمياء، على سبيل المثال، لا تزال ألمانيا هي ثاني أكبر متعاوِن بعد الولايات المتحدة الأمريكية، وقبل كل من الصين، وكندا.

مؤسسات كبرى، وأنماط مختلفة


كبر الصورة


الجهتان السعوديتان البارزتان في التعاون الدولي المتزايد للمملكة هما «جامعة الملك عبدالعزيز» في مدينة جدة، على الساحل الغربي للمملكة، و«جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية» في مدينة ثول، التي تقع على بعد 135 كيلومترًا شمال جدة.

شَكَّلَت الأوراق البحثية المشتركة لجامعة الملك عبدالعزيز مع المؤسسات الأمريكية %49 من كل درجات التعاون البحثي المشترك بين المؤسسات السعودية والأمريكية في عام 2015، بينما كانت نسبة الأوراق البحثية المشتركة مع الجامعات الصينية والبريطانية هي %54، و%21 على التوالي من درجات التعاون بين الجامعات السعودية ونظيراتها في هاتين الدولتين.

من ناحية أخرى، تمثِّل الأوراق المشتركة التي شاركت فيها جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية %27، و%23، و%44 على التوالي من درجات التعاون مع المؤسسات الأمريكية، والصينية، والبريطانية في العام نفسه، غير أن تحليل إسهامات هاتين الجامعتين في الأوراق المشتركة يكشف عن أنماط فريدة.. فبين عامي 2012، و2015، كانت درجة التعاون في جامعة الملك عبدالعزيز أكبر من مثيلتها جامعة الملك عبدالله للعلوم التقنية، غير أن إسهام جامعة الملك عبدالعزيز في كل أوراقها البحثية المشتركة ظل دائمًا أقل من جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية.

قد يكون تعدُّد الجهات أو الجامعات على الأوراق البحثية أحد العوامل التي أسهمت في ذلك، فعندما ينسب المؤلفون لعدة مؤسسات في الأوراق البحثية، يقسم مؤشر Nature الدرجة بين الجامعات المذكورة، من خلال القياس بالعدد الكسري (FC). وكلما تعددت الجامعات التي ينتسب إليها أحد المؤلفين؛ قَلَّ العدد الكسري الذي تحصل عليه كل جامعة، وبالتالي تقل الدرجة الإجمالية للتعاون في كل جامعة أو مؤسسة على حدة.

تركِّز جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية ـ بوجه خاص ـ على استقطاب الأساتذة والباحثين الدوليين للعمل بها. يقول جان فريشيه، نائب الرئيس للأبحاث في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية: «عندما نقوم بتعيين الباحثين، فإننا حقًّا نبحث عن الالتزام. نرغب في أن يعرفوا أننا نسعى لتحقيق التفوق والتميز. إننا نوفر لهم بيئة بحثية رائعة هنا. وبصفة عامة.. عندما نقوم بتوظيف الباحثين والأساتذة، فإننا نفعل ذلك لكي يعملوا معنا بدوام كامل».

التعاون مع الأفضل

«الآن، وقد وقفت الجامعة على قدميها كمؤسسة قائمة، فإننا نحاول أن نجعل الباحثين يختارون مَن يتعاونون معهم».

عندما تأسست جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية في عام 2009، أطلقت برنامجًا للتعاون الدولي مع جامعات عالمية عديدة؛ للإسهام في ترسيخ أقدامها، وتوظيف الباحثين، وبناء المختبرات. وكما يوضح فريشيه، يُعزى لهذا البرنامج ـ الذي انتهى في عام 2015 ـ الفضل في إنتاج الجامعة لأوراق بحثية مشتركة عديدة، أحصاها المؤشر بالتعاون مع فرنسا، وسنغافورة، والولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة. ويستطرد فريشيه قائلًا: «لم يكن هذا نموذجًا مستدامًا على المدى البعيد، فقد كانت الأمور كلها تتم في الدوائر العليا. كان البرنامج يتلقى المشورة والنصائح من الأكاديميين، غير أنه لم يكن لدينا أحد لتوجيه البرنامج. أما الآن، وقد وقفت الجامعة على قدميها كمؤسسة قائمة، فإننا نحاول أن نجعل الباحثين يختارون مَن يتعاونون معهم».

يقول فريشيه إن الجامعة تشجع الباحثين على التعاون مع أفضل الخبراء في مجالهم، ويضيف قائلًا: «ينبغي أن تكون العلاقة تكاملية.. فنحن لا نريد أن يصعد أحدهم على كَتِفَي شخص آخر. وفي التعاون البحثي المشترك، ينبغي أن يقدِّم الطرفان شيئًا ما، ونحن حقًّا نبحث عن تكامل الخبرات». ويبدو أن هذه الاستراتيجية قد آتت ثمارها.. فعند التعاون في الأوراق البحثية مشتركة التأليف، التي أحصاها مؤشر Nature، كانت جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية تسهم فيها بالقدر نفسه مثل الشركاء الدوليين.

<p>تتناول أبحاث مشتركة عديدة بين جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، والمؤسسات العلمية الدولية، التحديات الإقليمية، مثل أبحاث الأغشية الاصطناعية لتنقية المياه في مركز الأغشية والمواد المسامية المتقدمة.</p>

تتناول أبحاث مشتركة عديدة بين جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، والمؤسسات العلمية الدولية، التحديات الإقليمية، مثل أبحاث الأغشية الاصطناعية لتنقية المياه في مركز الأغشية والمواد المسامية المتقدمة.

Anastasia Khrenova/KAUST


ويتابع فريشيه بقوله أيضًا إن جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية حَثَّت الباحثين على إنفاق حتى %40 من الميزانية الخاصة بالأبحاث على التعاون الخارجي. كما حثَّت الجامعة مراكزها البحثية على إنفاق %20 من ميزانيتها؛ لجلب الخبرات التي تفتقدها الجامعة الشابة من الخارج.

كبر الصورة


وفي إطار نموذج التعاون الجديد، تموِّل جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية حاليًّا ستة برامج متعددة التخصصات حول أبحاث المِجَسَّات. يقول فريشيه: «إننا لا نسعى فقط لإعداد برنامج علمي مهم وجدير بالاحترام، ولكننا نحرص أيضًا على توسيع قدرة باحثينا على الإبداع والابتكار، إذ نحثهم دائمًا على التفكير بطرق غير تقليدية، وندفعهم للتفكير في شيء لم يفكروا فيه من قبل، لأنه ليس في مجالهم».

وبالنظر إلى مجال الكيمياء، يبين المؤشر أن درجة التعاون بين جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، والمؤسسات البريطانية ـ التي تمثل ثالث أكبر مجموعة بعد الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا ـ قد زادت من 2.5 في عام 2012 إلى 10.8 في عام 2015. وحتى الآن، كانت إمبريال كوليدج لندن هي أكبر مؤسسة بريطانية متعاوِنة مع جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية في مجال الكيمياء، كما توضح البيانات في عام 2015 أن التعاون مع إمبريال كوليدج لندن يمثل أكبر مشارَكة بصفة عامة لجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية.

وتتسق إنجازات جامعة الملك سعود البحثية في العاصمة الرياض ـ وهي ثالث أكبر مساهم في المؤشر ـ مع اتجاهات الأبحاث في المملكة، غير أنها خلال عام 2015 زادت من تعاونها البحثي مع المؤسسات الروسية، مما جعل من روسيا أفضل شريك مختار للتعاون بعد الصين، والولايات المتحدة الأمريكية. والمؤسسات الثلاث الكبرى المتعاونة مع جامعة الملك سعود هي جامعة فودان في الصين، والأكاديمية الروسية للعلوم، وجامعة نوفوسيبيرسك، وتقع الأخيرتان في روسيا.

أحمد الزتحري، عالِم كيمياء المواد، له دور بارز في التعاون العلمي القائم بين جامعة الملك سعود، وجامعة فودان. وقد أنشأ علاقة وطيدة مع دونج يوان تشاو ـ وهو واحد من أكبر العلماء في العالم في مجال المواد ذات المسام متناهية الصغر (mesoporous materials) ـ في عام 2010 عندما كان الزتحري يعمل في مصر. وعندما انتقل للعمل في السعودية في عام 2012، انتقلت معه علاقته البحثية بتشاو، التي أثمرت عن الاشتراك في تأليف عدة أوراق بحثية معه، والإشراف المشترك على رسائل الدكتوراة لطلاب جامعة الملك سعود. واستمر هذا التعاون بين جامعة الملك سعود وتشاو، رغم انتقال الزتحري مؤخرًا إلى جامعة قطر.

وتلمس جامعةُ الملك سعود بوضوح مزايا التعاون البحثي مع الجامعات الدولية المماثلة. ومِثل الجامعات الشهيرة والبارزة، شهدت غالبية المؤسسات الأخرى ـ وعددها ثماني عشرة مؤسسة ـ التي أدى تعاونها مع مؤسسات دولية إلى ظهور أوراق بحثية منشورة في مطبوعات بمؤشر Nature ـ صعودًا في درجات التعاون. ويبدو أن هذه السياسة كانت مجدية ومثمرة للغاية للمملكة العربية السعودية، التي ستواصل سعيها لاستقطاب شركاء دوليين، ضمن جهودها الحثيثة لزيادة إنتاجها العلمي.