NATURE INDEX

انطلاق سريع على طريق النجاح

تتطلع المملكة العربية السعودية إلى تحقيق طموح كبير، بفضل خطة مستدامة وموارد مالية كافية لدعمه.

باكينام عامر
  • Published online:

ربما لا يزال التطور العلمي الذي تحقِّقه المملكة العربية السعودية في مهده، ولكن المملكة الغنية بالنفط تخطو خطوات واسعة فيما يتعلق بالاستثمار في البحوث ونَشْرها، مع طموح واضح لِلِّحاق يومًا ما برَكْب شاغلي المراتب العليا.

<p>طلاب جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية يستهِلُّون عامًا دراسيًّا جديدًا استهلالًا احتفاليًّا، حيث تركت هذه الجامعة ـ حديثة النشأة نسبيًّا ـ بصمتها سريعًا على مؤشر Nature.</p>

طلاب جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية يستهِلُّون عامًا دراسيًّا جديدًا استهلالًا احتفاليًّا، حيث تركت هذه الجامعة ـ حديثة النشأة نسبيًّا ـ بصمتها سريعًا على مؤشر Nature.

KAUST


في عام 2012، كان العدد الكسري المعدَّل للمملكة العربية السعودية في مؤشر Nature هو 52.84؛ مما جعلها تأتي في مرتبة خلف تركيا، وإيران، والمكسيك، وشيلي، وجنوب أفريقيا. وفي السنوات الأربع التالية حققت المملكة زيادة مقدارها %86.8؛ ليصل العدد الكسري المرجَّح لها إلى 98.67؛ لتتخطى جميع تلك الدول، وتتنافس مع شيلي والأرجنتين على المستوى العالمي. وتحتل المملكة حاليًّا المرتبة 31 عالميًّا فيما يتعلق بالعدد الكسري المرجح، وذلك صعودًا من المرتبة رقم 39 في عام 2012.

وحققت المملكة ارتفاعًا أكبر في مجالات بحثية بعينها. ففي الكيمياء ـ على سبيل المثال ـ تجاوزت دولًا ذات تأثير علمي كبير، مثل فنلندا، وأيرلندا، مع ارتفاع العدد الكسري المرجَّح لها في هذا المجال إلى 66.54، بزيادة تقترب من ثلاثة أضعاف ما حققته في عام 2012.

ومن ناحية المؤسسات، قفزت جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية ـ الصرح العلمي الرائد للبلاد ـ قفزة مثيرة للإعجاب فيما يخص العدد الكسري المرجَّح لها في الفترة ما بين عامي 2012، و2015؛ مما جعلها تحفر لنفسها مكانًا يؤهلها لمنافسة المراكز البحثية المرموقة في أمريكا وأوروبا.

في أربع سنوات فقط، ارتفع العدد الكسري المعدَّل للجامعة، ليصبح أعلى من مما حققته مؤسسات مرموقة، منها، على سبيل المثال، لا الحصر: المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية «CERN»، ومختبر بروكهافن الوطني «BNL»، وجامعة جورجيا بالولايات المتحدة، وجامعة دريسدن التقنية بألمانيا. وكانت النواتج البحثية في جميع هذه المؤسسات تفوق بصورة كبيرة الناتج الخاص بجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية في عام 2012، ولكن الانطلاقة المبهرة التي حققتها الجامعة منذ ذلك الحين جعلت عددها الكسري المعدَّل يرتفع إلى 72 في عام 2015، متخطِّيَة تلك المؤسسات البارزة.

تسانِد طموحَ المملكة نحو تطوير البحث العلمي إجراءاتٌ عملية. فمنذ عام 2008، بدأت البلاد في تطبيق استراتيجية متعددة المستويات؛ بهدف إصلاح بِنْيَتها التحتية في مجال العلوم، وبناء مختبرات ذات مواصفات عالية، وتوفير المِنَح البحثية في المجالات ذات الأولوية في العلوم التطبيقية، والربط بين العلوم والصناعات التي تقود حركة الاقتصاد.

<p>يستفيد الباحثون السعوديون من المختبرات العصرية المتطورة، والتمويل السخي، اللذين أسهَمَا في تعزيز مسيرة البحث والتطوير في البلاد.</p>

يستفيد الباحثون السعوديون من المختبرات العصرية المتطورة، والتمويل السخي، اللذين أسهَمَا في تعزيز مسيرة البحث والتطوير في البلاد.

Fayez Nureldine/AFP/Getty Images


وتهدف الاستراتيجية ـ التي تنقسم إلى أربع مراحل، من المقرر الانتهاء من تنفيذها بحلول عام 2030 ـ إلى «رؤية المملكة العربية السعودية تتبوأ موقع الريادة في القارة الآسيوية، ومنحها قوة اقتصادية، قوامها العلم» حسب قول عبدالعزيز السويلم، نائب رئيس مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية «KACST» لدعم البحث العلمي.

كبر الصورة


وتركز استثمارات المملكة في المجال العلمي على البحوث التطبيقية التي تخدم مباشرة المصالح الصناعية للبلاد، وتحديدًا قطاع النفط والطاقة، ولكن حتى في المجالات التي تتميز فيها المملكة بالقوة (علوم الكيمياء والفيزياء) لا يزال العدد الكسري المعدَّل للمملكة متواضعًا، مقارنةً باللاعبين الكبار في آسيا، مثل الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية.

«يمكن للمملكة العربية السعودية أن تنظر إلى بعض الاقتصادات الناشئة التي حققت نجاحًا كمصدر للإلهام».

ولتتمكن المملكةُ من السباحة بشكل آمِن مع هذه الحيتان الكبيرة، يمكنها الاستفادة من تجارب الاقتصادات الناشئة الناجحة في آسيا.

يمكن أن تكون الهند أحد مصادر الإلهام، فبالإضافة إلى التطورات العلمية والتقنية متعددة التخصصات، التي حَسَّنَت ناتجها البحثي في المؤشر من 736.5 إلى 901.4 في غضون السنوات الأربع الماضية، فإن عملاق شبه القارة الهندية قد نجح في الانضمام إلى النادي الحصري للدول التي دشنت بعثات فضائية ناجحة.

ومثلها في ذلك مثل المملكة العربية السعودية، تركِّز المؤسسات البحثية الهندية على مجال الكيمياء، بينما يفوق الناتج البحثي الإجمالي لتلك المؤسسات نظيراتها السعودية بما يقرب من سبعة أضعاف (تجاوَز ناتج الهند 472 في عام 2015، في حين كان ناتج المملكة 66.5).

وبوسع المملكة أن تطمح إلى تحقيق التفوق نفسه الذي وصلت إليه الهند في مجال الكيمياء، وذلك بالنظر إلى أن ظروف عمل الباحثين في المملكة مواتية بصورة أفضل.

تُعَدُّ بيئة البحث العلمي في الهند أبعد ما تكون عن المثالية. وبالتالي، لا يستطيع تمويل البحوث أن يواكب التضخم، والتباطؤ العام، اللذين يمر بهما اقتصاد البلاد. وإضافة إلى ذلك.. يقول معلِّقون ينتمون إلى المجتمع البحثي الهندي إن عمليات التمويل تستغرق وقتًا طويلًا، وتتسم بالبيروقراطية، كما إن طلبات المنح التي تقابَل بالرفض تتلقى ردود فعل محدودة بشأن أسباب الرفض. وفي الوقت ذاته، يضمن التدفق المستمر لعائدات النفط في المملكة العربية السعودية توفير التمويل للمَرافق والمنشآت البحثية الحديثة في البلاد.

وفي حين أن معدل الإنفاق على العلوم قد زاد زيادة طفيفة في الهند، التي خصصت 1.19 مليار دولار أمريكي لهذا الغرض للسنة المالية القادمة (2016-2017)، فإن البلاد لديها حوالي 700 جامعة، و200 ألف باحث بدوام كامل، ينهلون جميعًا من معين التمويل نفسه. وفي المقابل، أعلنت المملكة عن ميزانية للتعليم والتدريب، قدرها 50.9 مليار دولار أمريكي للعام القادم، تشمل التعليم العالي والبحث العلمي. وفي حين يبلغ إجمالي عدد السكان في المملكة 30 مليونًا فقط، فإن عدد الباحثين بدوام كامل ـ الذين يتنافسون على الموارد المتاحة ـ أقل بكثير من نظيره في الهند.

ومن بين مسيرات الصعود المُبْهِر، التي ربما تتطلع المملكة إلى محاكاتها، نموذج «سنغافورة» التي لديها بالمثل عدد سكان أقل، وتمكنت من الصعود إلى مرتبة متقدمة في المؤشر. وكما هو الحال في المملكة، تركِّز سنغافورة أيضًا على بحوث الكيمياء، كما أنها وضعت استراتيجية وطنية للعلوم (من القمة إلى القاعدة) للمراكز البحثية لديها. ويمتلك البَلَدان مشروعات تعاون وثيق مع أكبر الجامعات حول العالم، كما يرحبان بالباحثين الأجانب في إطار جهودهما لدفع حركة الابتكار.

ويشعر منصور الغامدي ـ المشرف على الإدارة العامة للتوعية العلمية والنشر بمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية ـ بالتفاؤل حيال قدرة المملكة على عبور الفجوة الكبيرة الحالية في حجم الناتج العلمي بينها وبين بلاد أخرى، مثل الهند، وسنغافورة. يقول الغامدي: «المملكة العربية السعودية لديها خطة واضحة لتحقيق ذلك، وتمتلك الموارد اللازمة».

نمو مستقبلي

كبر الصورة


في عام 2012، كان ترتيب المملكة في المؤشر ـ بعدد كسري معدَّل بلغ 52.8 ـ يعني أنه يمكن مقارنتها بدول معينة، مثل جنوب أفريقيا، وتركيا، وإيران، وجميعها تتراوح بين 60، و70. في ذلك الوقت، كان العدد الكسري المعدَّل للمملكة يقل كثيرًا عن دول مثل المكسيك، والمجر، وشيلي، واليونان، والأرجنتين.

<p>يستفيد الباحثون السعوديون من المختبرات العصرية المتطورة، والتمويل السخي، اللذين أسهَمَا في تعزيز مسيرة البحث والتطوير في البلاد.</p>

يستفيد الباحثون السعوديون من المختبرات العصرية المتطورة، والتمويل السخي، اللذين أسهَمَا في تعزيز مسيرة البحث والتطوير في البلاد.

Top: KACST; Bottom: KAUST


وبعد أربع سنوات، أصبحت الآفاق البحثية السعودية أوسع، وصارت تتفوق على بلاد معينة في المؤشر، مثل الأرجنتين، والمكسيك، والمجر، بل صارت متعادلة مع دولة مثل شيلي. وقادت بحوثُ الكيمياء مسيرةَ الصعود السريعة للمملكة؛ لتجاوز تلك الدول، ولكن ما زال العدد الكسري المعدَّل للمملكة في مجالي علوم الحياة والعلوم الفيزيائية متأخرًا، حيث يبلغ 8.5، و31.5 على التوالي.

ورغم ذلك.. شَهِدَ عدد المقالات المنشورة في المملكة نموًّا مطردًا في هذين المجالين على مدار السنوات الأربع الماضية، مما يشير إلى الأهمية المتزايدة لمشروعات التعاون الدولي. وعلى ما يبدو.. فإن الباحثين السعوديين يرمون شباكهم على نطاق أوسع من ذي قبل، ويشاركون في نشر المزيد من المقالات، على حساب العدد الكسري المعدَّل المعتمد لهذه المقالات.

ورغم أن التعاون الدولي يؤتي ثماره، إلا أنه يجب على المملكة أن تواصل التركيز على رعاية المواهب المحلية، حسب قول ناصر العقيلي، عميد البحث العلمي في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن «KFUPM»، ومقرها وادي الظهران للتقنية في المنطقة الشرقية من المملكة. ويضيف العقيلي قائلًا إنه في السنوات الخمس القادمة ستركز البلاد على برنامج لبناء القدرات الوطنية.

كان قرارُ الحكومة السعودية بإنشاء برنامج ضخم للابتعاث في عام 2005 خطوةً أولى طيبة على الطريق. ويمكن القول إن هذا البرنامج هو الأكبر من نوعه على مستوى العالم، وقد تمكَّن من خلاله أكثر من 200 ألف شاب سعودي من الدراسة في الخارج؛ مما يجعل من الطلاب السعوديين في الولايات المتحدة رابع أكبر كتلة طلابية مغتربة، بعد الصين، والهند، وكوريا الجنوبية. وتأمل الحكومة أن يعود هؤلاء الطلاب لقيادة حركة الثقافة العلمية في البلاد.

«إن صعود المملكة العربية السعودية إلى أعلى المراتب يعتمد على «آلية تصحيح ذاتي»، تبدأ بطيئة، ولكنها تمضي نحو النمو المستدام».

وتسعى المملكة العربية السعودية كذلك إلى زيادة تركيزها على البحوث التطبيقية، باعتبار ذلك جزءًا لا يتجزأ من المرحلة الراهنة من استراتيجيتها الوطنية للعلوم، بينما تعمل على توفير التمويل الكافي للبحوث الأساسية أيضًا. يقول العقيلي إن رحلة المملكة العربية السعودية تتضمن ما يُطلق عليه اسم «آلية التصحيح الذاتي»، حيث تبدأ الدولة بداية بطيئة، ولكنها أكثر قابلية للاستدامة، فيما يخص إجراء البحوث عالية التأثير. وفي نهاية الأمر، قد يساعد التحولُ المستقبلي نحو البحوث الأساسية القدرات البحثية للمملكة؛ للوصول إلى مرحلة أكثر نضجًا.