NATURE INDEX

الاستغلال الأمثل للقدرة المالية

في منطقة تموج بالاضطرابات، تسعى المملكة العربية السعودية إلى تحقيق الاستفادة القصوى من حالة الاستقرار النسبي التي تتمتع بها، ومن ثروتها العظيمة من الموارد.

باكينام عامر
  • Published online:

<p>يُعَدُّ «مركز أبحاث هندسة الطاقة الشمسية والخلايا الضوئية» في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية رافدًا من روافد عديدة تصب في سعي الجامعة لإيجاد مصادر بديلة للطاقة.</p>

يُعَدُّ «مركز أبحاث هندسة الطاقة الشمسية والخلايا الضوئية» في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية رافدًا من روافد عديدة تصب في سعي الجامعة لإيجاد مصادر بديلة للطاقة.

Anastasia Khrenova/KAUST


في منطقةٍ تمزِّقها الصراعات، تمتلك قلة قليلة من دول الشرق الأوسط القدرة المالية والسياسية على وضع مسألة توسيع نطاقات البحث العلمي على رأس أولوياتها. ورغم ذلك.. فالمملكة العربية السعودية بصدد الاستفادة حاليًّا من التدفق الكبير لعائدات النفط؛ من أجل تمويل نهضة بحثية، تهدف إلى أن تصبح المملكة رائدة علميًّا على المستوى الإقليمي.

على مدار العقد الماضي، شهدت بيئة البحث العلمي في المملكة العربية السعودية تغيُّرًا جذريًّا، ليس فقط من ناحية تعظيم الإنفاق، وإنما أيضًا في طريقة إجراء الأبحاث. فقد أنشأت المملكة مراكز بحثية عصرية متطورة، وأقامت علاقات مع مؤسسات بحثية أجنبية مرموقة، كما قامت بتطوير استراتيجية علمية طموحة، تمتد حتى عام 2030.

وقد بدأت هذه الرؤية تؤتي ثمارها، فقد حققت المملكة معدَّل النمو الأسرع في العدد الكسري المعدَّل «WFC» في منطقة الشرق الأوسط، متفوقةً على جميع دول المنطقة. فمنذ عام 2012، ارتفع العدد الكسري المعدَّل للمملكة لأكثر من الضعف، من 46 إلى 99 بحلول عام 2015.

ريادة عربية

لا تواجِه المملكة ـ الغنية بالنفط ـ منافسة شديدة من جانب جاراتها من الدول العربية. ورغم أن القطاع البحثي يشهد نموًّا فعليًّا في دولتي الإمارات العربية المتحدة، وقطر، إلى جانب أنّ هناك جامعات غربية عريقة شرعت تنشئ لها فروعًا في هذين البلدين، لكن دولة الإمارات العربية المتحدة تأتي في المرتبة الثانية، حيث العدد الكسري المعدَّل لها 12، بفارق شاسع بينها وبين المملكة العربية السعودية المتصدِّرة.

وعلى الرغم من أن مصر ظلت لفترة طويلة هي الرائدة في مجال البحث العلمي على المستوى الإقليمي، إلا أن الاضطرابات السياسية التي عانتها البلاد مؤخرًا عرقلت حركة البحث العلمي، حيث تعرَّض العدد الكسري المعدَّل للرائدة السابقة للمنطقة لحالة من التراجع؛ قادتها إلى المرتبة الثالثة على المستوى العربي، خلف الإمارات، بعدد كسري معدَّل بلغ 9 في عام 2015، حيث لم تتمكن أي مؤسسة من المؤسسات الجديدة ذات التقنية العالية في مصر ـ مثل مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا ـ أو المعاقل العلمية العريقة ـ مثل جامعة القاهرة ـ من منافسة ذلك السيل من الفُرَص والمِنَح والمشارَكات البحثية في المملكة العربية السعودية.

أمّا في دول عربية أخرى، فقد أَجْهَضت الصراعاتُ الفرصَ المتاحة أمام تلك الدول لرعاية الجهود العلمية، مع خسارة كثير من هذه الدول للبِنْيَة التحتية، والتمويل، والخبرة المطلوبة لإقامة مشروعات بحثية، أو حتى لتوفير مستوى مناسب من التعليم الأساسي.

وعلى النقيض من ذلك.. فوِفْقًا لما أوردته إدارة البحث والتحليل بوزارة الخارجية البريطانية، خَصَّصت المملكة العربية السعودية %25 من إجمالي ميزانيتها في عام 2015 للتعليم، بما يعادل أكثر من 54 مليار دولار أمريكي، وتضمنت تلك النسبة المئوية من ميزانيتها إنشاء ثلاث جامعات جديدة في جدة، وبيشة، وحفر الباطن، إضافة إلى عملية تجديد كبرى للجامعات القائمة، ورفع مستوى المئات من المدارس الجديدة.

منافِسون إقليميون

تُوَاجِه المملكةُ العربية السعودية ـ بعيدًا عن جيرانها المتاخمين ـ منافسةً إقليمية أكثر حدة، وبخاصة من تركيا، وإيران، ولكنْ رغم ذلك.. تمضي المملكة قُدُمًا إلى الأمام بشكل سريع في مجالات عديدة.

«تواجِه المملكة العربية السعودية ـ بعيدًا عن جيرانها المتاخمين ـ منافسة إقليمية أكثر حِدَّة».

ففي عام 2015، نجحت المملكة من جديد في تخطِّي هذين البلدين؛ مما جعلها تتصدر البلدان الثلاثة فيما يتعلق بناتج العدد الكسري المعدَّل على المؤشر. وحققت المملكةُ عددًا كسريًّا معدَّلًا أكبر مما حققتاه إيران وتركيا بنحو %45، وهي أيضًا الأكثر إنتاجًا بين الدول الثلاث بالنسبة إلى مجمل الأوراق البحثية المنشورة في دوريات يتضمنها المؤشر، حيث أسهمت بحوالي 479 مقال علمي في عام 2015.

ومن هنا، تحتل المملكة صدارة الدول الثلاث بفارق مريح فيما يتعلق بالنمو، حيث زاد العدد الكسري المعدَّل لها بنسبة %87 في الفترة من 2012 حتى 2015؛ ما يعني تواصُل صعودها بمعدل أسرع من إيران، التي تراجعت بنسبة %4، وتركيا التي نمت بنسبة %8 خلال الفترة نفسها. وقد تكون هذه الزيادة مؤشِّرًا على أن البلد بدأ بالفعل يحصد ثمار استثماراته.

لذا.. لا عجب أن تحتل المؤسسات السعودية مركز الصدارة بين منافسيها الإقليميين، إذ تتصدر جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية «KAUST»، وجامعة الملك عبدالعزيز قائمة المؤسسات العلمية العشر الأفضل في المنطقة، وتحلّ بعدهما ثلاث جامعات تركية، وخمس جامعات إيرانية، في حين لم تضم القائمة أيَّ مؤسسات علمية من أي دولة عربية أخرى.

أولويات بحثية

العالم العربي في مؤشر NATURE

كبر الصورة


صعود وهبوط القُوَى الإقليمية

كبر الصورة


التحليق عاليًا

كبر الصورة


تمثِّل المجالات البحثية التي تركِّز عليها المملكة جزءًا من الخطة الوطنية للعلوم والتقنية والابتكار «معرفة»، التي تمت صياغتها في عام 2008، بحيث توجِّه مسيرة البلاد البحثية حتى عام 2030.

<p>مجموعة من مهندسي الميكانيكا ومهندسي المصانع، أثناء تأديتهم أعمالهم في جامعة الملك عبدالعزيز (إلى اليمين) و«مركز أبحاث هندسة التنقيب عن النفط، وإنتاجه» بجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (إلى اليسار).</p>

مجموعة من مهندسي الميكانيكا ومهندسي المصانع، أثناء تأديتهم أعمالهم في جامعة الملك عبدالعزيز (إلى اليمين) و«مركز أبحاث هندسة التنقيب عن النفط، وإنتاجه» بجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (إلى اليسار).

Anastasia Khrenova/KAUST (left)/KAU (right)


ومنذ ذلك الحين، شهد قطاع البحث والتطوير نموًّا كبيرًا، وفقًا لما ذكره منصور الغامدي، المشرف على الإدارة العامة للتوعية العلمية والنشر بمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية. يتوقع الغامدي أن يستمر ذلك النمو على نحو مطَّرد على مدار السنوات القادمة، حيث تهدف المرحلة الأولى من الخطة إلى وضع المملكة العربية السعودية في مرتبة الرائد الإقليمي، وقد خطت المملكة بالفعل خطوات واسعة على مدار السنوات الأربع الماضية نحو تحقيق ذلك المطمَح، كما نرى في المؤشر.

«وضعنا أهدافًا مستقبلية لمدة 25 عامًا؛ لإحداث تأثير إقليمي ودولي في مجال البحث العلمي».

يقول ناصر العقيلي، عميد البحث العلمي في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن «KFUPM»: «لقد وضعنا أهدافًا مستقبلية لمدة 25 عامًا؛ لإحداث تأثير إقليمي ودولي في مجال البحث العلمي، ولكنْ بدلًا من تمويل كل شيء، مَنَحْنَا الأولوية لـ13 مجالًا بالتحديد».

ومِن بين هذه المجالات ذات الأولوية.. المجالات التقنية، حسبما يوضح العقيلي. وتتمثل الخطة في تخصيص الجزء الأكبر من احتياطيات التمويل الضخمة المرصودة للبحث العلمي لهذه التخصصات ذات الأولوية؛ للإسهام في إحداث فارق. ومن الواضح أن صناعة النفط الضخمة في المملكة تقود محور التركيز العلمي للبلاد. ويبلغ الناتج العلمي للمملكة أعلى معدلاته في مجال الكيمياء، حيث شهدت الفترة ما بين عامي 2012، و2015 نمو العدد الكسري المعدَّل للمملكة في مجال الكيمياء بنسبة %190، وهي الزيادة الأعلى لأي بلد في منطقة الشرق الأوسط في أي مجال تخصُّص يتتبَّعه مؤشر Nature. ويبلغ العدد الكسري المعدَّل الذي حققته المملكة في عام 2015 في مجال الكيمياء 67؛ مما يضعها في مرتبة تسبق تركيا، وإيران، ومصر، ودولًا عربية أخرى من جيران المملكة بشكل كبير.

«مجال الكيمياء يثير اهتمام القطاع الصناعي هنا، مما يجعل تمويله أكثر سهولة».

يقول العقيلي: «إن النشر في مجال الكيمياء أسهل منه في مجالات أخرى، لأن مجال الكيمياء يثير اهتمام القطاع الصناعي هنا، مما يجعل تمويله أكثر سهولة». ويضيف العقيلي قائلًا إنّ عِلْم المواد أيضًا يتلقَّى تمويلًا متزايدًا.

ولا تَسبِق بحوث العلوم الفيزيائية في المملكة سوى بحوث الكيمياء. ومع ذلك.. ظل الناتج البحثي في هذا المجال متأرجحًا، يحوم العدد الكسري المعدَّل له حول 30. وفي عام 2015، تَرَاجَع العدد الكسري المعدَّل للمملكة العربية السعودية، حيث بلغ 32، خلف تركيا، التي حققت العدد الكسري 34، وكذلك خلف إيران، التي أحرزت العدد الكسري 53.

كما شهد الناتج البحثي في مجال علوم الحياة نموًّا سريعًا على مدار الأعوام الأربعة الماضية، حيث تضاعَف العدد الكسري المعدَّل لهذا المجال المحقَّق في عام 2012؛ ووصل إلى 8.5 في عام 2015. ورغم ذلك.. ومقارنةً بالأوراق البحثية التي نُشرت في هذا التخصص، والتي تَخَطَّت المئةَ ورقة بحثية بورقتين بحثيَّتين، فهو المجال الأقل من حيث المشارَكة النسبية للمؤلفين بين المجالات الأربعة جميعها، إذ تبلغ نسبة المشارَكة %8 لكل ورقة بحثية، وهو اتجاه ملحوظ في بلدان أخرى في المنطقة.

وشهدت أيضًا علوم الأرض، والعلوم البيئية ـ التي حظيت بتقدير منخفض من جانب المؤسسات في المنطقة ـ نموًّا مفاجِئًا في الآونة الأخيرة. وبعد ثلاثة أعوام من التأرجح، زاد الباحثون السعوديون من الناتج البحثي للمملكة في هذا المجال بنسبة %153 في عام 2015، مقارنةً بعام 2012؛ مما جعلها تسبق تركيا بفارق طفيف.

وفي جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، لا تزال علوم الأرض من المجالات الناشئة، وذلك حسب ما يقوله جيه. كارلوس سانتامارينا، أستاذ علوم الأرض والهندسة بالجامعة، ولكنها ـ مع ذلك ـ تشهد نموًّا.

يقوم الباحثون في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية باستكشاف مجموعة متنوعة من الموضوعات، من بينها التيارات والصدوع العميقة في البحر الأحمر، وعلم البراكين والنشاط الزلزالي، وكذلك ظاهرة الغبار، وعلوم الغلاف الجوي.

يقول سانتامارينا: «من الواضح أن جميع هذه التخصصات بالغة الأهمية في المملكة العربية السعودية. والمعرفة التي تتولد في تلك المجالات تواكب المعرفة على المستوى العالمي».

هذا.. وتتشكل الأولويات البحثية للمملكة بناءً على احتياجاتها، وجهودها لاستغلال مواردها وثرواتها الطبيعية الاستغلال الأمثل، مع الاهتمام بمصادر الطاقة البديلة الناشئة. وتركِّز المرحلة القادمة من الخطة الوطنية للعلوم والتقنية والابتكار «معرفة» كذلك على الربط بين البحث العلمي، وقطاع الصناعة.

يقول العقيلي: «إننا نقوم بعمل طيب فيما يتعلق بإجراء البحوث، ولكنْ ظَلَّت ترجمة الاكتشافات وبراءات الاختراع إلى قيم اقتصادية مسألة صعبة جدًّا، حيث توجد براءات اختراع كثيرة لم نتمكن من استغلالها عمليًّا». ونتيجة لذلك.. تُوَاصِل المملكةُ التركيزَ على مجالات بحثية محددة، يُنظر إليها على أنها الأكثر قابلية لأنْ تُترجَم إلى مشروعات اقتصادية. وهذا سبب التركيز على علوم الكيمياء، والفيزيائية التطبيقية، وقلة التحمُّس لمجالات أخرى، مثل علوم الحياة.

وقد قررت المملكة العربية السعودية أن تتأنَّي في دراسة خياراتها البحثية، بدلًا من إهدار الأموال على جميع أنواع البحوث، وانتظار ما يمكن أن ينجح منها. يقول العقيلي: «إننا نحاول أن نعيد تعريف «التميز»، وذلك عندما يتعلق الأمر بالبحث العلمي تحديدًا».