تأبين

جيفري إيجلينتون (2016–1927)

رائد بحوث الأحافير الجزيئية.

كاثرين إتش. فريمان
  • Published online:

كان جيفري إيجلينتون شغوفًا بتاريخ الجزيئات؛ فقام بتتبُّع رحلتها من الكائنات الحية إلى التربة والترسبات، وتتبُّع مصيرها الجيولوجي في الصخور الرسوبية والوقود الأحفوري. وقد أدَّت عمليات استكشافه للتاريخ الطبيعي للمواد الكيميائية الحيوية وبقاياها الجيوكيميائية إلى نشوء مجال الجيوكيمياء العضوية الحديث. وفي عام 1969، قام بتحليل صخور القمر، التي جَمَعَها نيل أرمسترونج، وباز ألدرين في رحلة «أبولُّو 11».

Alice Cave

وُلد إيجلينتون ـ الذي وافته المنيّة في الحادي عشر من شهر مارس الماضي ـ في كارديف بالمملكة المتحدة في عام 1927. وقد دَرَسَ الكيمياء في جامعة مانشستر، حيث حصل على ثلاث درجات علمية: درجة البكالوريوس في عام 1948، ودرجة الدكتوراة في عام 1951، ودرجة الدكتوراة في العلوم (DSc) في عام 1966. عمل لمدة عامين كباحث ما بعد الدكتوراة في جامعة ولاية أوهايو في كولومبوس، ثم عاد إلى المملكة المتحدة ليعمل كزميل لشركة الصناعات الكيماوية الإمبريالية «ICI» بجامعة ليفربول. وفي عام 1954، عُيِّن محاضرًا بجامعة جلاسجو.

كان التدريب الأَوَّلِي الذي تلقّاه إيجلينتون يدور ضمن مجال الكيمياء الاصطناعية. وشملت إنجازاته الأولية ابتكار طريقة جديدة لإنشاء روابط كربون-كربون، من خلال ربط مركَّبين ببعضهما البعض، يحتوي كلٌّ منهما على رابطة كربونية ثلاثية، وهي عملية تُعرف الآن باسم «تَفَاعُل إيجلينتون».

تحوَّل اهتمامه إلى كيمياء المنتجات الطبيعية، ثم في نهاية المطاف إلى الجيوكيمياء، عقب ظهور أداة تحليلية جديدة في أوائل الخمسينات؛ هي «الكروماتوغرافيا الغازية». وقد أثبتت تلك التقنية ـ التي تفصل المركّبات التي يحملها غاز يمر عبر سطح سائل في عمود ضيق ـ قيمتها الكبيرة في الكشف عن تركيب المجاميع المعقدة من المركبات العضوية الطبيعية. وكان إيجلينتون أوَّل مَن استخدم طريقة الفصل بالكروماتوغرافيا الغازية؛ لتحليل المواد الكيميائية التي تُعرف بـ«دهون تربينويد»، التي توجد في النباتات، وكذلك في الرواسب القديمة. وسرعان ما أصبح مهتمًّا بالدهون الشمعية التي تغطي أسطح الأوراق (أي البشرة)، وبدأ في تحديد توزيعاتها؛ فذلك الشمع يحمي الأوراق من فقدان الماء، ومن الحشرات والفطريات.

وفي أواخر الخمسينات، صار إيجلينتون مولعًا بالمركّبات النباتية الشمعية الموجودة دائمًا في التربة والرواسب والصخور والبترول. وفي عام 1960، اصطحب أفراد عائلته الصغيرة إلى جامعة لا لاجونا في تينيريفي في إسبانيا؛ ليقضي إجازة تفرُّغه في جوها المشمس. وكان يريد إيجلينتون استكشاف ما إذا كانت الأصناف النباتية المختلفة لها أنماط مميزة من دهون البشرة ذات السلاسل الطويلة، أم لا؛ إذ إنه في هذه الحالة.. كان سيدرك أن تلك المركّبات ستكون لها قيمة كبيرة في إعادة بناء الأنظمة البيئية التي سادت في السابق.

نَسَجَ العمل الرائد الذي أبدعه إيجلينتون بتألُّق علومَ الكيمياء، والكيمياء الحيوية، والنبات، وتُوِّجت هذه الجهود بنشر ورقة بحثية شاملة في دورية «ساينس» Science في عام 1967، كانت تدور حول شموع أوراق النبات، ولا تزال وثيقة حاسمة في هذا المجال، كما تُعَدّ أكثر أعماله استشهادًا (G. Eglinton and R. J. Hamilton Science 156, 1322–1335; 1967). كما درس إيجلينتون الكيمياء الجيولوجية لشموع النبات على مدار ما تبقَّى من حياته المهنية، ولفترة طويلة بعد سن التقاعد. وفي الواقع، إن إعجابه التنبؤي بشموع النباتات الموجودة دائمًا وَضَعَ الأساس لاستخدامه واسع النطاق في يومنا هذا، كبصمات مميزة لتاريخ المناخ القديم.

وفي عام 1963، بدأ إيجلينتون سعيه نحو جزيئات تمثِّل أقدم مظاهر الحياة على كوكب الأرض، وذلك بالتعاون مع مِلفين كالفين، عالِم الكيمياء الحيوية، الحائز على جائزة «نوبل». استخدم إيجلينتون خبرته التحليلية للبحث عن جزيئات عضوية لها أصل حيوي، وموجودة في صخور رسوبية، يرجع عمرها إلى أكثر من مليار سنة. وكشفت الأعمال التي قام بها مع كالفين عن أن الكيمياء الحيوية الخاصة بالحياة البدائية كانت تشبه في أساسها تلك الخاصة بالخلايا الحديثة. وقد أشعل اكتشاف القِدَم المذهل هذا للبقايا الكيميائية من الخلايا القديمة مخيلةَ الناس، وساعد في تعريف جمهور عريض على مفهوم «الأحافير الجزيئية».

وفي منتصف الستينات، جذبت دراسات إيجلينتون الرائعة اهتمام بعض الباحثين في وكالة «ناسا» NASA الفضائية؛ فأدركوا أن الحفريات الجزيئية القديمة كانت بمثابة بصمات بيولوجية أكيدة، وأن الجيوكيمياء العضوية ستكون مفيدة جدًّا في دراسات العيِّنات التي تم جَلْبها من القمر.

وقد ضم فريق إيجلينتون روّاد علم الجيوكيمياء العضوية في ذلك الوقت. وتطلَّبت الأعمال التحليلية الاستكشافية التي أُجريت على صخور القمر نظافةً فائقة؛ لتجنب أي تلوث من أي نوع. وقد كانت أساليب الباحثين تراعي النظافة القصوى، لدرجة أنهم وجدوا آثارًا ضئيلة جدًّا من الكربون الناجم عن الرياح الشمسية في المعادن القمرية. وحصل عمل إيجلينتون على ميدالية الإنجاز العلمي الاستثنائي الذهبية، التي تقدِّمها وكالة «ناسا»، وأدَّى إلى رقيّ متزايد لأهمية مجال الجيوكيمياء العضوية النامي.

وفي عام 1967، انتقل إيجلينتون من جلاسجو إلى جامعة بريستول، حيث أنشأ وحدة الجيوكيمياء العضوية «OGU» بالاشتراك مع صديقه وزميله جيمس ماكسويل. وسرعان ما أصبحت الوحدة مركزًا عالميًّا للتميز في الكيمياء الجيولوجية العضوية. وتعاقبت أجيال من الطلاب ودارسي ما بعد الدكتوراة؛ لدراسة الأحافير الجزيئية هناك، التي استخدموها لدراسة الحياة في المحيطات القديمة، وتتبُّع درجة حرارتها، وكذلك سبر أغوار تحوُّل النفط في الأحواض الجيولوجية.

كان جيفري ـ الذي تعرَّفْتُ عليه بشكل مهني، ومن خلال صداقتي بعائلته ـ دائم التقدير للعلماء الشباب، والثناء عليهم؛ إذ كان يستمع باهتمام إلى أفكارهم. وبعد تقاعده من جامعة بريستول في عام 1993، استمر في العمل كأستاذ فخري، وتم تعيينه كأستاذ ملحق لدى مؤسسات مختلفة، بما في ذلك المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيوريخ، حيث كثيرًا ما تعاوَن فيه مع ابنه تيموثي، أستاذ علوم الأرض الحيوية، وأحد أبناء عصري.

وقد نشر جيفري أكثر من 500 ورقة بحثية، كما حصل على العديد من الجوائز، بما في ذلك اختياره كزميل لجمعية لندن الملكية، إلا أن أعظم مكافأة بالنسبة له كانت عمله في حد ذاته، والمجالات العديدة التي تعاون فيها مع مَن يشاركونه الشغف نفسه. وتظهر متعته بدراسة عالَم الأحافير الجزيئية الغنِيّ في صفحات كتاب «أصداء الحياة» Echoes of Life (مطبعة جامعة أكسفورد)، الذي نُشر في عام 2008، والذي كان قد شارك في تأليفه مع سوزان جينز، ويورجن رولكوتر، وهو يوثِّق قصص العِلْم، والعلماء الذين ساعدوه في بناء مجال الجيوكيمياء العضوية.

كان جيفري شخصًا محبوبًا؛ إذ أحبَّتْه زوجته بام لأكثر من 60 عامًا، وكذلك أولاده، وأحفاده، وأصدقاؤه، كما كان محبوبًا أيضًا من عائلته العلمية العالمية العاملة ضمن المجال الذي أَسَّسَه.