تحقيق إخباري

مملكة القردة

الصين تثبت مكانتها كرائدة عالمية لأبحاث الرئيسيات.

ديفيد سيرانوسكي
  • Published online:

Illustration by Jonny Wan


على بُعْد ساعة بالسيارة من كونمينج جنوب غرب الصين، خلف حوائط الطوب الأحمر، والغابات مترامية الأطراف، تقع حديقة حيوان غير عادية، هي بمثابة مجمع محاط بالأسوار وله بوابة، يخيم عليه الهدوء الشديد، وتسوده أجواء شاعرية. في الداخل ترى سلسلة من بيوت الحيوانات الأسمنتية رمادية اللون، متراصة على تل أخضر، لكل منها سقف بلاستيكي شفاف يسمح بمرور الضوء. هذا هو مختبر يونان الرئيس للبحوث الطبية الحيوية للرئيسيات، وهو يضم حوالي 1,500 قرد، تُستخدَم جميعها لأغراض بحثية.

يخفي السكون الذي يخيِّم على المختبَر الزخم والنشاط الهائل بداخله.. فإثر افتتاحه في عام 2011، سرعان ما أصبح المختبر قِبلةَ البحوث المتطورة الخاصة بالرئيسيات، مُصَدِّرًا حيوانات نموذجية؛ لدراسة الأمراض، بجانب نشر العديد من الدراسات والأبحاث المبتكرة التي جعلت من مدير المختبر ـ جي ويزي ـ شخصًا يتهافت الكثيرون للتعاون معه. يحوي المختبر مجموعة من القردة المُعدَّلة جينيًّا، التي تُستخدم كنماذج لدراسة أمراض معينة، مثل الحثل العضلي دوشين، والتوحد، ومرض باركنسون. ويخطط جي لمضاعفة عدد رؤساء الفِرَق العاملة هناك، من 10 رؤساء إلى 20 في السنوات الثلاث المقبلة، كما ينوي توسيع نطاق التعاون الدولي، إذ يتعاون بالفعل مع علماء من أوروبا والولايات المتحدة. يقول أحد المتعاونين معه، وهو كينيث تشاين، المتخصص في أمراض القلب بمعهد كارولينسكا في ستوكهولم: «من ناحية كونها منصَّة تكنولوجية، فجي يسبقنا جميعًا»، غير أن جي ليس وحده الذي لديه طموح لمستقبل بحوث القردة. فقد انتشرت مراكز الأبحاث المتطورة الخاصة بالرئيسيات في كل من شينزين، وهانجزو، وسوجو، وجوانجو خلال العشر سنوات الماضية، بدعم من الحكومات المركزية والمحلية. وفي شهر مارس الماضي، وافقت وزارة العلوم على إطلاق مركز جديد في معهد كونمينج لعلم الحيوان، ويُتوقع أن تبلغ تكلفة بنائه ملايين الدولارات. ويمكن لهذه المراكز أن توفر أعدادًا كبيرة من القردة للعلماء، إضافة إلى رعاية عالية الجودة للحيوانات، ومعدات متطورة بأقل قدر من التعقيدات الروتينية. وسيركِّز أحد المشروعات الرئيسة لأبحاث المخ ـ والمتوقَّع إطلاقه قريبًا في الصين ـ الجزء الأكبر من جهده على استخدام القردة في دراسة الأمراض.

يتناقض هذا الحماس تناقضًا صارخًا مع الأجواء التي تخيِّم على النشاط البحثي في الغرب، حيث تسببت مجموعة متشابكة من العقبات التنظيمية والقيود المالية والاعتراضات المتعلقة بأخلاقيات العلوم الحيوية في تعثُّر بحوث الرئيسيات غير البشرية بشكل متزايد. وقد انخفض عدد القردة المستخدَمة في الأبحاث في أوروبا بين عامي 2008 و2011 بنسبة %28، كما أَحْجَمَ بعض الباحثين تمامًا عن محاولة إجراء مثل هذه الأبحاث في الغرب.

وهكذا، شرع الكثيرون في نقل تجاربهم إلى الصين، من خلال إيجاد متعاونين، أو إنشاء مختبراتهم الخاصة هناك. وهناك مراكز صينية تَصِف نفسها بأنها مراكز بحوث الرئيسيات التي يقصدها العلماء للاستفادة من الأدوات الأحدث، مثل أدوات التحرير الجيني، وأدوات التصوير المتقدمة. يقول ستيفان ترو، وهو عالِم أعصاب، يرأس المركز الألماني للرئيسيات في جوتنجن بألمانيا: «قد تصبح تلك المراكز مماثلة لمختبر «سيرن» CERN في سويسرا، حيث أُنشئ مركز ضخم يقصده الناس من جميع أنحاء العالم؛ للحصول على بيانات».

«ستصبح الصين المكان الذي يتم فيه التحقق من صحة كل الاستراتيجيات العلاجية».

في ظل ازدهار الصين السريع كمركز عالمي لبحوث الرئيسيات، يخشى بعض العلماء أن يعجِّل ذلك بضمور مثل هذا العلم في الغرب، وأن يؤدي إلى ما يشبه الاحتكار، حيث يعتمد الباحثون على دولة واحدة بشكل زائد لإجراء؛ بحوث الأمراض الأساسية، واختبار الأدوية. يقول إيروان بيزارد، مدير معهد أمراض الأعصاب في جامعة بوردو في فرنسا، كما أسس شركته الخاصة لبحوث الرئيسيات «موتاك» Motac في بكين: «لا ترى الحكومات ولا يرى السياسيون ذلك.. لكننا نواجه خطرًا ضخمًا». وعلى حد قوله، لا تزال أوروبا والولايات المتحدة تملكان الهيمنة والريادة في بحوث الرئيسيات، لكن يمكن لذلك أن يتغير مع هجرة الخبرات نحو الشرق. ويضيف: «ستصبح الصين المكان الذي يتم فيه التحقق من صحة كل الاستراتيجيات العلاجية. هل نرغب في ذلك؟ أم نودّ أن يظل كل شيء تحت سيطرتنا؟».


تشابه القردة

كان الباحثون يعتمدون لعدة عقود على القردة؛ لتسليط الضوء على وظائف الدماغ وأمراضه، نظرًا إلى تشابهها مع البشر. وقد أدَّى نمو أبحاث العلوم العصبية إلى زيادة الطلب عليها. ورغم أن ارتفاع التكلفة ودورات التكاثر الطويلة كانا يحدّان من استخدام هذه الحيوانات في السابق، إلا أن تقنيات التكاثر الجديدة، وتقنيات الهندسة الوراثية، مثل «كريسبر/كاس9» تساعد الباحثين في التغلب على تلك العيوب، ما يجعل من هذا الحيوان أداة تجريبية أكثر فعالية.

هناك أعداد كبيرة من قردة المكاك في الصين، وهي أساس أبحاث الرئيسيات غير البشرية. وبرغم انخفاض عدد قردة ريسوس (Macaca mulatta) البرية، إلا أن عددها في المزارع قد ارتفع. وحسب البيانات التي أصدرتها إدارة الدولة للغابات في الصين، فقد زاد عدد الشركات التي تقوم باستيلاد قردة المكاك؛ لاستخدامها في المختبرات، من 10 إلى 34 شركة بين عامي 2004 و2013، وقفز عدد الحيوانات التي يمكن لتلك الشركات بيعها في الصين أو خارجها من 9,868 إلى 35,385 حيوانًا خلال تلك الفترة. كما تزداد كذلك أعداد قردة المارموسيت في المَزارع (وهو نوع آخر من القردة، يُستخدم بكثرة في الأبحاث).

يتم شحن أغلب القردة إلى شركات المستحضرات الصيدلية، أو الباحثين في أماكن أخرى حول العالم، إلا أن تقدير العلماء المتنامي لاستخدام نماذج هذا الحيوان قد حفَّز استثمار الحكومات المحلية والشركات الخاصة في المناطق البحثية المخصصة لذلك. وقد وَضَعَت خطة الدولة الخمسية الصادرة في عام 2011 نماذج أمراض الرئيسيات كهدف وطني؛ وأعقبت ذلك وزارة العلوم بضخ 25 مليون يوان (أي 3.9 ملايين دولار أمريكي) في المبادرة عام 2014.

إن العلماء الذين يزورون الصين بصفة عامة راضون عن مستوى الرعاية الذي تحظى به الحيوانات في هذه المرافق، كما حصل أغلبها على المعيار الذهبي في رعاية الحيوانات، أو لا يزال يسعى للحصول عليه، وهو شهادة اعتماد، تقدِّمها مؤسسة AAALAC الدولية.

إن مختبر يونان الرئيس ـ الذي يديره جي ـ هو أكثر مراكز بحوث الرئيسيات نشاطًا، لكن الأمر لا يخلو من المنافسة. فقد تم تمويل مركز القردة الجديد في معهد كونمينج لعلم الحيوان كجزء من الخطة الوطنية لتنمية معدات العلوم الضخمة، التي تتضمن التليسكوبات، والحواسيب الفائقة. وسيسهم التمويل في مساعدة المعهد على مضاعفة مستعمرة القردة الخاصة به، التي تضم 2,500 قرد من قردة المكاك (Macaca fascicularis) وريسوس.

من جانبه، يقول تشاو شودونج، الذي يدير مركز أبحاث الرئيسيات، إنّ الخطة تقتضي أن «يُجَهَّز المكان كما تُجَهَّز المستشفيات، بأقسام منفصلة للعمليات الجراحية وعلم الوراثة وتقنيات الأشعة»، إضافة إلى سير متحرك؛ لنقل القردة بين الأقسام المختلفة. وسيكون هناك نظم لقياس درجة حرارة الجسم، ومعدل ضربات القلب، وغيرها من البيانات الفسيولوجية؛ لتحليل الخصائص أو «الأنماط الظاهرية» للحيوانات التي سيكون قد تم تعديل جينات الكثير منها. ويضيف تشاو: «إننا نسمي هذه الخطة ‹محلِّل مقارنة النمط الجيني بالنمط الظاهري›». وسوف يستغرق الأمر 10 سنوات حتى يكتمل، إلا أن تشاو يأمل أن يبدأ البناء في العام الحالي، وتبدأ الأبحاث خلال ثلاث سنوات من الآن. أما المنشآت الأخرى، فرغم أنها أصغر حجمًا، إلا أنها تتوسع هي الأخرى وتتنوع. ويخطط معهد العلوم العصبية في شنجهاي لزيادة أعداد قردة العالَم القديم من 600 إلى 800 في العام المقبل، وتوسيع مجموعة قردة المارموسيت الثلاثمائة الخاصة بها.


مسألة تكلفة

تسلك الأرقام اتجاهًا معاكسًا تمامًا خارج الصين. فقد أغلقت كلية هارفارد للطب مركز أبحاث تابعًا لها في شهر مايو من عام 2015 لأسباب استراتيجية. وفي شهر ديسمبر الماضي، قررت معاهد الصحة الوطنية الأمريكية إنهاء التجارب التي تتم على الرئيسيات غير البشرية بشكل تدريجي في أحد مختبراتها، وأعلنت بالتالي أنها ستعيد النظر في كل الأبحاث التي تتم على الرئيسيات غير البشرية التي تقوم بتمويلها. وفي أوروبا، يقول الباحثون إنّ الأجواء أصبحت غير مرحِّبة بمثل تلك الأبحاث.

تُعَدّ التكلفة العالية عقبة جوهرية. ففي عام 2008، ساعد لي سياو جيانج ـ عالِم الوراثة في جامعة إيموري في أتلانتا في جورجيا ـ في إنشاء أول نموذج في العالم لمرض هنتنجتون1 في قرد مُحَوَّر وراثيًّا، وذلك بالتعاون مع زملاء في مركز يركيس الوطني لأبحاث الرئيسيات. يقول لي إنّ شراء قرد في الولايات المتحدة يكلف 6,000 دولار، وتكلِّف رعايته 20 دولارًا يوميًّا، في حين أن شراء قرد في الصين يكلِّف ألف دولار فقط، ورعايته 5 دولارات فقط في اليوم. ويضيف: «بما أن التكلفة أعلى؛ فينبغي أن تطلب منحة أكبر، ومن ثم ستكون معايير التقييم أكثر صرامة»، إذ إنّ وكالات التمويل «لا تحبِّذ حقًّا الأبحاث التي تُجرى على الحيوانات الكبيرة».

ورأْى لي أن الحل بسيط للغاية.. فلنذهب إلى الصين. يشغل لي الآن منصبًا مشتركًا في معهد علم الوراثة وعلم الأحياء التنموي في بكين، حيث يسمح له بالوصول إلى حوالي 3,000 قرد من نوع Macaca fascicularis في مزرعة في جوانجو، وحوالي 400 قرد ريسوس في مركز رعاية القردة، التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الطبية في بكين. وقد أصدر سلسلة من المنشورات المتعلقة بالقردة ذات النُّسَخ المعدلة من الجينات التي تتورط في مرض الحثل العضلي دوشين2، ومرض باركنسون3.

أما عالمة الأعصاب آنا وانج روو، فتقول إنّ التعقيدات الروتينية كانت هي الدافع لتَوَجُّهها نحو الصين. يحاول فريق روو في جامعة فاندربيلت في ناشفيل بولاية تينيسي دراسة ترابط الوحدات في المخ. وحسب قولها، فقد قضت هي وزملاؤها %25 من وقتهم، وأنفقوا قدرًا كبيرًا من الأموال في توثيق جرعة كل من الأدوية التي يقدموها للقردة، وطريقة تناولها بمقتضى اللوائح والقوانين. وحول ذلك تقول: «إننا نسجل شيئًا واحدًا كل 15 دقيقة. هذا ليس خطأً، لكن المشكلة أنها تستهلك قدرًا هائلًا من الوقت».

في عام 2013، اقترحت روو أن تقوم جامعة تشجيانج في هانجزو ببناء معهد للعلوم العصبية، بعد انبهارها بأجواء التعاون السائدة هناك. في اليوم التالي مباشرة، وافقت الجامعة، وأصبح لديها الآن ميزانية تكفي لمدة خمس سنوات تبلغ 25 مليون دولار. «فور اتخاذ القرار، يمكنك البدء في إصدار الشيكات»، كما تقول روو. وهي تقوم الآن بإغلاق مختبرها في الولايات المتحدة؛ لتحتل منصب مدير معهد تشجيانج للعلوم العصبية والتكنولوجيا ذي التخصصات المتعدية، حيث تأمل في بدء استخدام حزمة من معدات وأجهزة تحليل المخ الأحدث، منها جهاز جديد قوي للتصوير بالرنين المغناطيسي، بقوة 7 تسلا، وتقول إنه سيلتقط صور دقيقة بشكل غير مسبوق لأدمغة الرئيسيات.

«يساعد هذا المكان على حدوث الأشياء بشكل أسرع».

شعر بوب ديسيمونيه بانبهار مماثل من السرعة التي تتحرك بها دولة الصين. ولكونه عالم أعصاب يترأس معهد مكجفرن لأبحاث المخ التابع لمعهد ماساتشوسيتس للتكنولوجيا في كمبريدج، فقد عَقَدَ لقاءً ترحيبيًّا وتعريفيًّا مع عمدة مدينة شينزين في شهر يناير من عام 2014. وفي شهر مارس، تَبَرَّع العمدة بمبنى في حرم معهد شينزين للتكنولوجيا المتقدمة؛ لإنشاء مركز للأبحاث على القردة، ووعد ليبينج وانج، الذي كان من المقرر أن يتم تعيينه مديرًا للمركز بعد ذلك بقليل، بأن يتم استكمال تجهيز المركز وإعداده قبل حلول فصل الصيف. ظن ديسيمونيه أن ذلك مستحيلًا، وراهن بزجاجاتين من أفضل أنواع الخمور الصينية على أن المركز لن يصبح جاهزًا في الوقت المحدد؛ وقد خسر الرهان. نجح الفريق في تجميع جزء كبير من مبلغ العشرة ملايين دولار اللازمة من مِنَح تنمية المدينة، بالإضافة إلى مبلغ صغير من معهد مكجفرن. وسرعان ما بدأت عملية تسكين الحيوانات الأولى في معهد بحوث الإدراك العقلي واضطرابات الدماغ. يقول ديسمونيه: «يساعد هذا المكان على حدوث الأشياء بشكل أسرع».

لكن الأموال والقردة فقط لا تكفي للوصول إلى اكتشافات جديدة. يقول الباحثون إن الصين تفتقر إلى العلماء الموهوبين؛ للاستفادة من الفرص التي توفرها الأبحاث المجراة على الحيوانات. ولذا.. يأمل منظمو مراكز الرئيسيات الجديدة في الصين في استقطاب العلماء الأجانب لمناصب دائمة، أو للتعاون. وحتى الآن، كان أغلب الذين ينتقلون إلى الصين إما صينيين، أو أجانب، لهم ارتباط سابق بالدولة، بينما يُظْهِر آخرون اهتمامًا، كما يقول عالِم الأعصاب جووبينج فينج، الذي يعمل كذلك في معهد مكجفرن. وقد قام مركز شينزين لأبحاث الرئيسيات بالفعل بتعيين باحثين من أوروبا والولايات المتحدة. يقول ديسيمونيه إنه سيصبح «قاعدة تكنولوجية مفتوحة.. أيّ شخص يرغب في إجراء بحوث على القردة يستطيع أن يأتي هنا».


القردة المُعَدَّلة

على الأرجح، سيؤدي الانتشار السريع لأداتي التحرير الجيني «كاسبر/كاس9»، والتالينات (TALENs) إلى تسريع الطلب على أبحاث القردة، إذ تُحَوِّل تلك الأدوات عملية التعديل الجيني للقردة من مهمة مضنية ومكلفة إلى مهمة سريعة نسبيًّا ومباشرة. وبخلاف الفئران المهندَسة، التي يمكن تربيتها وإرسالها حول العالم، «من الصعب إرسال القردة؛ ولذا.. سيكون من الأسهل أن يذهب الباحث الرئيس أو باحث ما بعد الدكتوراة إلى هناك»، حسب قول ترو.

تشتد المنافسة.. بينما يتسابق الباحثون لقطف الثمار الدانية، من خلال عمليات هندسة الجينات ذات الأدوار الراسخة في الأمراض البشرية والتطور. وكل التقارير تقريبًا المتعلقة بالقردة المعدلة جينيًّا بهذه الأساليب قد أتت من الصين. ويتوقع ديسيمونيه أن السعي للوصول إلى نماذج أمراض في القردة «قد يقدم للصين الفرصة لاحتلال مكانة مميزة في مجال علم الأعصاب».

تمتلئ أقفاص مركز جي بقردة من نتاج التحرير الجيني. فقد خضعت مجموعة من الحيوانات لعملية هندسة وراثية؛ تركت فيها طفرة في جين MECP2 الذي تم اكتشافه كمسؤول عن ظهور متلازمة «ريت» في البشر، وهو أحد اضطرابات طيف التوحد. يجلس أحد الحيوانات ساكنًا شاردًا، متشبثًا بقضبان القفص، بينما تجوب أخته التوأم الطبيعية المكان من حوله. وفي قفص آخر، يقوم قرد لديه الطفرة ومضخات موصلة بذراعه بمحاكاة الحركات المتكررة والمميِّزة للمرض، والبعض الآخر يمص إصبعه بلا توقف. يقول جي: «لم أشاهد ذلك في أي قرد من قبل؛ ولا بهذه الاستمرارية».

ومن ضمن نماذج الأمراض الأخرى في مركز جي.. نموذج قردة مصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، وهو نموذج يعمل عليه جي بالتعاون مع معهد كارولينسكا. وفي العام الماضي، عمل جي على استيلاد أول قردة هجينة في العام باستخدام خلايا جذعية جنينية4، وهو سبق علمي قد يسهل من عملية إنتاج الحيوانات المعدلة وراثيًّا بشكل كبير. أما السؤال الذي يطرح نفسه الآن، فهو: هل ستساعد هذه القردة المعدلة جينيًّا في تحسين فهْم وظيفة العقل البشري وخلل وظائفه؟ يقول جي: «لا يمكنك استبعاد جين، وتعتقد أنك ستحصل على نمط ظاهري يشبه النمط الذي يظهر في البشر».

ويرى الباحثون في الأمر فرصة، ليس فقط لفهم الأمراض، بل لفهم تطوُّر البشر أيضًا. فمن جانبه، يتعاون سو بينج ـ عالِم الوراثة في معهد كونمينج لعلم الحيوان ـ مع جي لهندسة قردة تحمل النسخة البشرية من جين يسمى SRGAP2، يُعتقد أنه المسؤول عن إكساب العقل البشري قوة معالجة، من خلال السماح بنمو الارتباطات بين الخلايا العصبية. ويخطط سو أيضًا لاستخدام «كريسبر/كاس9» لإدخال نسخ بشرية من جين MCPH1 المرتبط بحجم المخ، وجين FOXP2 البشري الذي يعتقد أنه يمنح البشر القدرة الفريدة على اكتساب اللغات، إلى جينات القردة. وعن ذلك.. يقول سو: «لا أعتقد أن القرد سيبدأ الكلام فجأة، لكن قد يحدث بعض التغيير السلوكي».


انقسام عالمي

برغم أن هناك فرصًا عظيمة، لا تزال هناك عقبات أمام العلماء الذين يختارون إجراء بحوث الحيوانات في الصين. وقد يكون الوجود في مكانين مختلفين أمرًا صعبًا، كما يقول جريجوار كورتين - باحث في إصابات الحبل الشوكي، مستقر في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان، ويسافر شهريًّا تقريبًا إلى الصين؛ لمتابعة أبحاثه على القردة في «موتاك». وقد سافر إلى بكين أيضًا؛ ليجري عدة عمليات هناك على قردة تجارب، وعاد في الليلة نفسها.. وهو يقول: «عمري 40 عامًا، ولديَّ طاقة، لكن الأمر يتطلب إرادة حقيقية».

وحسب قول لي، فإن أحد العيوب الأخرى هو أنه يمكن للسياسات في الصين أن تطرأ عليها تغيرات مفاجئة. ويضيف لي، الذي ظل محتفظًا بمنصبه في جامعة إيموري: «هناك شكوك.. ويجعلنا ذلك نتردد في قبول الالتزامات طويلة المدى». كما تحذِّر ديبورا كاو - الباحثة في القانون في جامعة جريفيث في بريسبين بأستراليا، التي نشرت كتابًا العام الماضي حول استخدام الحيوانات في الصين5 ـ من تقلُّص الحصانة التي يتمتع بها العلماء الذين يُجْرُون أبحاثًا على الرئيسيات في الصين من فاعليات الدفاع عن حقوق الحيوان. فالناس الآن يستخدمون ـ حسب قول كاو ـ مواقع التواصل الاجتماعي الصينية في التعبير عن غضبهم من إساءة معاملة الحيوانات.

وتشهد الصين أيضًا تنافسًا في محاولاتها للهيمنة على أبحاث الرئيسيات. فقد أطلقت اليابان مشروع الدماغ الخاص بها، بتركيز على قردة المارموسيت كنموذج، إذ ينضج هذا النوع جنسيًّا خلال عام ونصف العام، وهي فترة أقل من نصف الفترة التي يستغرقها قرد المكاك. وتقوم الآن مراكز بحثية في الصين بإنشاء مستعمرات لهذا النوع من القردة، غير أن اليابان تسبقها بعدة سنوات.

ويرغب بعض الباحثين في استمرار هذه الجهود خارج آسيا، إذ يقول كورتين إنه «يحارب» للحفاظ على استمرار برنامج لأبحاث القردة، يديره هو في فريبورج بسويسرا، إذ يؤمن بأهمية تقسيم العمل. ويضيف قائلًا: «الأبحاث التي تتطلب التركيز على الكَمّ سأفعلها في الصين، أما الأبحاث التي تتطلب عملًا متقدمًا ومعقدًا؛ فأريد أن أنفِّذها في فريبورج».

وبينما يجلس جي في مركز الرئيسيات الخاص به في يونان، يحرص على التأكد من أن هذه الأبحاث قائمة بالفعل. وحلمه ـ كما يقول ـ هو «أن يكون لديه حيوان يُستخدم كأداة» لاستكشافات الطب الحيوي. وهو يعلم أن هناك منافسة شرسة في هذا المجال، خاصة في الصين؛ لكنه يتحلى بالثقة قائلًا: «المجال واسع، وهناك العديد والعديد من المشروعات التي يمكننا تنفيذها».

  1. Yang, S.-H. et al. Nature 453, 921–924 (2008).

  2. Chen, Y. et al. Hum. Mol. Genet. 24, 3764–3774 (2015).

  3. Niu, Y. et al. Hum. Mol. Genet. 24, 2308–2317 (2014).

  4. Chen, Y. et al. Cell Stem Cell 17, 116–124 (2015).

  5. Cao, D. Animals in China: Law and Society (Palgrave, 2015).