أخبار

المركبة الفضائية «أكاتسوكي» تُرسِل نتائجها الأولى من كوكب الزهرة

من بين الاكتشافات التي توصلت إليها المركبة.. غيوم حمضية مخطَّطة، وشكل مقوَّس في الغلاف الجوي.

إليزابيث جيبني
  • Published online:

غيوم مخطَّطة وشكل مقوَّس غامض.

كبر الصورة


بعد دورةٍ لم يكن مخطَّطًا لها، امتدت لخمس سنوات، عاد مسبار كوكب الزهرة الياباني «أكاتسوكي» Akatsuki للعمل، مثيرًا ضجة كبيرة. ففي الفترة ما بين الرابع والثامن من شهر إبريل الماضي، قدمت وكالة استكشاف الفضاء اليابانية «جاكسا» JAXA النتائج العلمية الأولى القادمة من المركبة الفضائية، منذ أن تم إنقاذها من مدار منحرف حول الشمس، وإعادة توجيهها للدوران حول كوكب الزهرة، قبل ذلك بأربعة أشهر. تشمل هذه النتائج لقطات مفصلة لغيوم حمضية مخطَّطة، وشكلًا مقوَّسًا غامضًا في الغلاف الجوي للكوكب.

وعلى الرغم من تعثُّر المسبار حول النظام الشمسي، إلا أن أجهزته ما زالت تعمل «بشكل شبه تام»، وفق ما صرَّح به ماساتو ناكامورا، مدير المشروع، وعالِم كواكب في «معهد وكالة جاكسا لعلوم الفضاء والملاحة الفلكية» في ساجاميهارا في اليابان خلال مؤتمر كوكب الزهرة الدولي، الذي عُقد في أكسفورد بالمملكة المتحدة. وإذا نجحت المركبة في إجراء مناورة صغيرة أخرى في غضون عامين، كما يقول، فقد تتجنب منطقة الظل الخاصة بكوكب الزهرة، والمستنزِفة للطاقة الشمسية، ومن ثم ستكون قادرة على الدوران حول الكوكب لمدة خمس سنوات، بدلًا من السنتين اللتين خُطِّط لهما من البداية.

أُطلقت أكاتسوكي ـ وهو اسم يعني «الفجر» باللغة اليابانية ـ في عام 2010، حيث كان مِن المفترَض أن تدخل في مدار حول كوكب الزهرة في وقت لاحق من ذلك العام؛ لدراسة غلافه الجوي الكثيف. وكانت المهمة تشمل كذلك البحثَ عن علامات لبراكين نشطة، وعلامات جيولوجية أخرى. وعند دخولها المدار، حدث خطأ في أحد الصمامات؛ أدَّى إلى انفجار المحرك الرئيس. ومن ثم، درات المركبة حول الشمس، بدلًا من كوكب الزهرة. ومع مرور أكاتسوكي بالقرب من كوكب الزهرة في شهر ديسمبر الماضي، تمكَّن مهندسو وكالة «جاكسا» من إنقاذ المهمة، عن طريق إصدار أوامر لدافعات السفينة الثانوية الأصغر بكثير، لدفعها إلى حلقات مدار بيضاوي الشكل حول الكوكب. التُقطت النتائج التي تم الإعلان عنها في أكسفورد من هذه النقطة، باستخدام مجموعة من خمس كاميرات تقوم بالتقاط أشعة ضوئية تتراوح بين الأشعة تحت الحمراء، والأشعة فوق البنفسجية.

ومن بين ما التُقط من صور، ظهرت لقطة واضحة ومفصلة عالية الدقة لطبقات كثيفة في سُحُب حمض الكبريتيك الخاصة بكوكب الزهرة؛ فأثارت تصفيق الحاضرين. قال تاكيشي إيمامورا للحاضرين، وهو أحد العلماء العاملين بالمشروع: «تُعَدّ تلك هي الصورة الأعلى جودةً ـ المصوَّرة بالأشعة تحت الحمراء ـ لهذا المنظور للكوكب. وهي تشير إلى أن العمليات التي تكمن وراء تكوين السُّحب قد تكون أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد من قبل».

 وما زال الفريق البحثي يتوقع ورود نتائج أفضل؛ حيث تم التقاط الصورة من على بُعد 100,000 كيلومتر، أي أكثر من 10 أضعاف بُعد المسبار عن الكوكب في موقعه الأقرب منه. وأضاف تاكيهيكو ساتوه، وهو الباحث الرئيس لكاميرا الأشعة تحت الحمراء ـ ذات نطاق الميكرومترين ـ الخاصة بالمسبار «IR2»، التي التقطت الصورة: «نحن نسعى حاليًّا لتحقيق دقة مكانية أفضل.. ونَعِد بتقديم مجموعة رائعة من البيانات للأوساط البحثية على مدى السنوات القادمة».

وقد برزت تكهنات عند رؤية الشكل المقوَّس في الصور الحرارية التي تم التقاطها باستخدام كاميرا الأشعة تحت الحمراء ذات الموجات الطويلة (LIR)، إذ بدا أن تشكيل السحابة المتحركة ـ التي تحركت من قطب إلى آخر عبر الكوكب على مدى أيام ـ يدور مع سطح كوكب الزهرة، وليس مع غلافه الجوي المتحرك بسرعة أكبر.

ومن جانبه، يقول ماكوتو تاجوتشي ـ الذي يقود عمل كاميرا LIR ـ إن تلك الحركة تشير إلى أن الجبهة قد تكون مرتبطة بسمات معينة على الأرض؛ بينما احتار آخرون ممن كانوا في المؤتمر في سبب حدوث الأمر. «إنها غامضة بالتأكيد»؛ هكذا وصفتها المتخصصة في علم الكواكب، سوزان اسمريكر، من مختبر وقود النفاثات، التابع لوكالة «ناسا» في باسادينا في كاليفورنيا.

وقد احتفى الباحثون بنجاح أكاتسوكي، لا سيما وهو الآن المسبار الوحيد الذي يعمل حول كوكب الزهرة. «الأجواء جيدة جدًّا»، كما يقول كولن ويلسون، المتخصص في علم الكواكب في جامعة أكسفورد في المملكة المتحدة. إن مدار المركبة ـ الذي عُدّل بعض الشيء في الرابع من شهر إبريل الماضي؛ لإعطاء المسبار فرصة أفضل ليدوم لسنوات عديدة قادمة، وكذلك لتقديم منظور علمي جيد ـ سيسمح له بمسح خط استواء كوكب الزهرة، كما كان مقرَّرًا في البداية. وستكمل الصور الناتجة عمليات مسح قطبي الكوكب، التي قامت بها المركبة «فينوس إكسبرس» Venus Express الخاصة بوكالة الفضاء الأوروبية، التي أنهت مهمتها في عام 2014، إلا أن فرصة عودة أكاتسوكي للعمل قد تصاحبها عدة تنازلات.. فمدارها التشغيلي الحالي الذي يستغرق 10 أيام ونصف يوم يبعدها تقريبًا 5 مرات عن مدارها الأصلي الذي كان مخططًا له، وذلك عند النقطة الأبعد التي تصل إليها المركبة عند كوكب الزهرة (انظر: «تبدُّل المدار»). وباستثناء تلك الصور التي التُقطت خلال تلك الفترة القصيرة التي يحوم فيها المسبار بالقرب من الكوكب، ستقلّ دقة وضوح الصور الملتقطة عما كان مخطَّطًا؛ ما يعني أن الدراسات التي تتطلب وضوح التفاصيل ـ مثل تلك التي تتضمن التقاط ومضات البرق ـ سوف تستغرق وقتًا أطول، إلا أن الفريق صرَّح بأنه يخطط للاستفادة قدر المستطاع من مدار المسبار الواسع؛ لالتقاط صور للكوكب بأكمله، تتتبَّع ملامحه العامة على مدار الزمن.

كبر الصورة


لم تتجاهل البعثة كل عواقب الانحراف الطويل غير المتوقَّع الذي حدث في رحلة المسبار حول الشمس. وحسب قول ساتوه، تعطلت إحدى الكاميرات في شهر يناير الماضي ـ في الغالب ـ بسبب التلوث التدريجي لسائل التبريد ـ الهيليوم ـ ببخار الماء على مر السنين، إلا أن المهندسين قاموا مؤخرًا بإصلاح المشكلة؛ عن طريق رفع درجة حرارة سائل التبريد؛ لتفريق البخار، لكن الأمر استغرق بعض الوقت. لقد «مررنا بفترة عصيبة، بلغت شهرًا كاملًا تقريبًا، لم نَتَلَقّ فيه أي نتائج».

وبرغم أنه سيتحتم على متخصصي علم الكواكب من خارج وكالة «جاكسا» الانتظار لمدة عام من بعد ظهور النتائج؛ للحصول على البيانات، إلا أنهم متحمسون لنجاح المسبار المبدئي. وهناك مشروعان قائمان على استكشاف الكوكب، يُحتمل إطلاقهما في أوائل عشرينات القرن الواحد والعشرين، ضمن خمسة مقترحات تُدرس حاليًّا من قِبَل وكالة «ناسا»؛ ومن المتوقع أن تحسم الوكالة أمرها في نهاية شهر ديسمبر المقبل. وقد تحصل بعثات كوكب الزهرة تلك على دفعة داعمة، إذا ما نجحت أكاتسوكي، خاصة إذا وجدت المركبة ملامح مثيرة للاهتمام على الكوكب تتطلب متابعة؛ كما تقول إسمريكار، التي تقود أحد المقترحات المقدَّمة التي تدرسها وكالة «ناسا»، وهي المركبة الرادارية «فيريتاس» VERITAS. وتضيف: «إذا استطاعوا رؤية نشاط بركاني جديد، مثلًا، فمن المؤكد أن ذلك سيجعلهم يقررون العودة لاستكشاف المزيد».