افتتاحيات

الاتجـاه نحو كوكب الزهرة

نتائج من بعثة "أكاتسوكي"... مِن شأنها أن تشعل الاهتمام مجددًا بالجار الأقرب لكوكب الأرض.

  • Published online:

صُمِّم المسبار الآلي الأول، الذي اخترق في عام 1967 الغلاف الجوي لكوكب الزهرة المليء بالسُّحُب، بحيث يطفو على سطح الكوكب. كان سطح كوكب الزهرة آنذاك غامضًا تمامًا؛ واعتقد المهندسون المسؤولون عن المسبار السوفييتي "فينيرا 4" Venera 4 أن عملية الهبوط قد تتم في محيط واسع على سطحه. وانطلق خيال كُتّاب أعمال الخيال العلمي نحو وجود مستنقعات استوائية، أو غابات، أو عوالم مائية تحت هذه السحب. ونظرًا إلى التشابه الكبير بين كتلة كوكب الزهرة، وكثافته، وتركيبته من جانب، وكوكب الأرض من جانب آخر، فضلًا عن كونه أقرب الكواكب إلينا؛ بدا الأمر بمثابة رهان مضمون لإمكانية اكتشاف حياة على سطحه، بل وإمكانية استعماره من قِبَل البشر.

هذا.. إلا أن مسبار فينيرا 4 تحطَّم قبل أن يصل إلى سطح الكوكب. وكشفت القراءات المسجَّلة من عملية هبوطه، وكذلك من المسابير التي تم إرسالها لاحقًا، عن تعرُّض المسبار لمستوى ضغط بالغ الارتفاع، ودرجات حرارة حارقة، اقتربت من 500 درجة مئوية، إلى جانب غلاف جوي يتكون بنسبة %95 من غاز ثاني أكسيد الكربون. وعلى الرغم من أن كوكب الزهرة كان يشبه كوكب الأرض كثيرًا، وربما احتوى أيضًا على كثير من المحيطات، إلا أنه تحوَّل بفعل أثر الاحتباس الحراري الجامح إلى حفرة من الجحيم؛ لا تصلح ـ فيما يبدو ـ لأي شخص أن يقضي فيها إجازته في أي وقت قريب.

ساعدت الطبيعة المعادية للحياة على كوكب الزهرة ـ وهو أكثر الأجرام السماوية سطوعًا، باستثناء الشمس والقمر ـ في تحويل اهتمام البشرية نحو كوكب المريخ، وهو ثاني أقرب الكواكب للأرض. لم يكن الكوكب الأحمر مجرد مرشح يصلح أكثر لاستضافة قاعدة خارجية من كوكب الأرض، وإنما كان استكشافه أسهل أيضًا. فلم يكن من الممكن رصد سطح كوكب الزهرة من الفضاء، في ظل وجود طبقات كثيفة من السحب المكوَّنة من حمض الكبريتيك، سوى باستخدام جهاز رادار. وبينما تقوم مركبتين متجولتين حاليًّا باستكشاف كوكب المريخ، ومن المتوقع أن ينضم إليهما المزيد في وقت قريب، يجب أن تكون المسابير المصممة للهبوط على سطح كوكب الزهرة قادرة على التعايش في بيئته المُذِيبة للمعادن.

لذا.. فبرغم كونه الكوكب الأول الذي يستقبل مسبارًا استكشافيًّا، فلا يُعرف عن كوكب الزهرة حتى الآن سوى القليل. يحتوي غلافه الجوي على مادة غامضة، تم رصدها لقدرتها على امتصاص الأشعة فوق البنفسجية، لكنها لا تزال مجهولة الهوية. كما لم يتفق العلماء بعد حول الطريقة التي يتم من خلالها إعادة تكوين سطح الكوكب ـ وهو حديث التكوين، نسبيًّا ـ أو مدى نشاط براكينه. وتظل آليّة هبوب الرياح العاتية عليه ـ التي تبلغ سرعتها عدة مئات من الكيلومترات في الساعة الواحدة ـ سرًّا يستعصي فَهْمه، وكذلك أسباب دورانه حول محوره في اتجاه معاكس لاتجاه دوران كوكب الأرض. ويبقى السؤال: هل يحدث بَرْق هناك؟

يشعر العلماء المتخصصون في دراسة كوكب الزهرة بأن كوكبهم يتعرض لحالة من الإهمال. فرغم سلسلة الرحلات التي تم تنظيمها إلى الكوكب في العقود الأولى من زمن استكشاف الكواكب، إلا أن وكالة "ناسا" لم تقم بأي رحلات إلى هناك منذ نهاية بعثة "ماجلان" Magellan في عام 1994. ورغم نجاح المسبار المداري "فينوس إكسبرس" Venus Express ـ الخاص بوكالة الفضاء الأوروبية ـ في ملء جزء من هذا الفراغ الاستكشافي فيما بين عامي 2006، و2014، إلا أن البعثة كانت صغيرة نسبيًّا؛ إذ لم تتجاوز ميزانيتها 220 مليون يورو (أي 252 مليون دولار أمريكي). ومن ثم، فهي لم تفلح إلا في مشاهدة الكوكب من بعيد.. من المدار.

أما المسبار الياباني أكاتسوكي ـ الذي اعتبره الكثيرون قد فُقد بعد توقُّف محرِّكه الرئيس عن العمل في عام 2010 ـ فقد تمكَّن بعد رحلة شاقة من دخول مدار كوكب الزهرة، وهو يُظْهِر نتائج مثيرة حول الطبيعة المناخية للكوكب. وعلى إثر ذلك.. يلوح بصيص جديد من الأمل، حيث تم إدراج مشروعين لاستكشاف كوكب الزهرة ضِمن خمسة مقترحات تُدرس حاليًّا من أجل بعثة "دِيسْكَفَرِي" Discovery القادمة ـ التابعة لوكالة "ناسا" ـ التي تبلغ ميزانيتها 500 مليون دولار، والمقرر إطلاقها في أوائل العشرينات من القرن الحالي. ومن المفترَض أن يقوم رسام الخرائط الرادارية عالية الجودة "فيريتاس" VERITAS (وهو اختصار لاسمه: Venus Emissivity, Radio Science, InSAR, Topography, and Spectroscopy) بدراسة الكوكب من الفضاء؛ بينما يُفترض على مسبار "دافنشي" DAVINCI (وهو اختصار لاسمه:Deep Atmosphere Venus Investigation of Noble gases, Chemistry, and Imaging) أَخْذ عينة من الغلاف الجوي للكوكب أثناء عملية الهبوط إلى السطح، التي ستستغرق ساعة كاملة. ويأمل المسؤولون عن المشروعات أن تؤدي النتائج المبهرة التي تتوصل إليها بعثة أكاتسوكي إلى زيادة الاهتمام بالكوكب في الوقت المناسب لذلك.

ويمكن فَهْم استبعاد كوكب الزهرة من قوائم الأولويات الاستكشافية.. نظرًا إلى كون أهمية الحياة والقدرة على المحافظة على استمرارها هي دائمًا نقاط ارتكاز أساسية لإرسال أي بعثة كوكبية، وأن الأمل الوحيد لوجود حياة على سطح كوكب الزهرة سيكون في الطبقات العليا من غلافه الجوي فقط، إلا أن الكوكب لا يزال يحتفظ بنقطة رابحة في اللعبة البحثية؛ حيث يُجْرِي علماء الفلك في الوقت الراهن بحثًا حثيثًا عن كواكب أرضية خارجية (وهي كواكب تقع خارج المجموعة الشمسية، يمكن الرهان بثقة على وجود حياة على سطحها، نظرًا إلى تشابهها مع كوكب الأرض). وفي هذا السياق، يحمل تاريخ كوكب الزهرة رسالة مهمة وتحذيرية؛ فرغم توافر جميع مقومات الحياة على سطحه في البداية، إلا أن الوضع تَغَيَّر فيما بعد، وتَحَوَّل الكوكب إلى كوكب جهنمي، حمضي وجاف، حسبما نعرفه اليوم. ورغم انعدام فرص وجود حياة بين أدغال هذا الكوكب، إلا أن فَهْمنا للأسباب التي حوَّلت مسار تكوينه بهذا الشكل قد يكون أمرًا مهمًّا جدًّا للعثور على مقومات للحياة في أي مكان آخر.