أخبار

ظهور عامل يحفِّز انهيار القارة القطبية الجنوبية

قد تتسبب الزيادة المستمرة في انبعاثات الغازات الدفيئة في القرن الحالي في رفع مستويات سطح البحر أكثر من 15 مترًا، وذلك بحلول عام 2500.

جيف توليفسون
  • Published online:

<p>تشير الدراسات الحديثة إلى أن الطبقة الجليدية للقارة القطبية الجنوبية أقل استقرارًا بكثير مما كان يَعتقِد العلماء في السابق.</p>

تشير الدراسات الحديثة إلى أن الطبقة الجليدية للقارة القطبية الجنوبية أقل استقرارًا بكثير مما كان يَعتقِد العلماء في السابق.

Paul Nicklen/National Geographic Creative


من شأن الخيارات التي يتخذها العالَم في القرن الحالي أن تحدِّد مصير الغطاء الجليدي الضخم للقارة القطبية الجنوبية. فقد توصلت دراسة نُشرت على الموقع الإلكتروني لدورية Nature1 في الأسبوع الأخير من مارس الماضي إلى أن الزيادة المستمرة في انبعاثات الغازات الدفيئة على مدى العقود القادمة ربما تؤدي إلى بدء انهيار جليدي في القارة القطبية الجنوبية، لا يمكن إيقافه؛ الأمر الذي سيسفر عن ارتفاع مستويات سطح البحر بأكثر من متر كامل بحلول عام 2100، وأكثر من 15 مترًا بحلول عام 2500.

«من شأن ذلك فعليًّا أن يعيد رسم الشكل الذي يبدو عليه الكوكب من الفضاء»، كما يقول الباحث المشارك في هذه الدراسة روب ديكونتو، وهو عالِم جيولوجيا في جامعة ماساتشوستس أمهرست. والخبر الجيد في الأمر، كما يقول، هو أنه في حالة خفض انبعاثات الغازات الدفيئة بالسرعة الكافية؛ للحدّ من ارتفاع درجات الحرارة العالمية؛ لإبقاء متوسط الارتفاع عند حوالي درجتين مئويتين، فإن ذلك سيؤدي إلى زيادة بسيطة أو معدومة في مستوى سطح البحر، الذي يحدث نتيجةً لذوبان الجليد في القارة القطبية الجنوبية.

تعزِّز هذه النتائج من مجموعة الأبحاث المتزايدة التي تشير إلى أن طبقة جليد القارة القطبية الجنوبية أقل استقرارًا مما كان يُعتقَد في السابق. وفي تقريرها2 لعام 2013، قَدَّرت الهيئة الحكومية المشتركة المعنية بتغيُّر المناخ أن ذوبان الجليد في القارة القطبية الجنوبية من شأنه أن يسهم في ارتفاع مستوى سطح البحر بما يُقَدَّر ببضعة سنتيمترات فقط بحلول عام2100. وفي الوقت الذي يعمل فيه العلماء على تطوير مستوى أفضل من الفهم للآليّة التي يؤثر بها المحيط والغلاف الجوي على الطبقة الجليدية، نجد أنّ توقُّعاتهم حول مستقبل القارة أصبحت مخيفةً أكثر.

قام ديكونتو والباحث المشارك ديفيد بولارد ـ المتخصص في علم دراسة التغيرات المناخية على مدى تاريخ الأرض في جامعة ولاية بنسلفانيا في يونيفيرسيتي بارك ـ بتطوير نموذج مناخي، يفسِّر الفقدان الحاصل في الكتلة الجليدية، نتيجةً لتيارات التدفئة السائرة في المحيط، التي قد تؤدي إلى تآكل الجانب السفلي من الطبقة الجليدية. كما يفسر كذلك ارتفاع درجات حرارة الغلاف الجوي، الذي يذيب طبقة الجليد من أعلى. وفي كثير من الأحيان، ترشح برك المياه الذائبة التي تتشكل على سطح الجليد خلال الشقوق؛ الأمر الذي يمكن أن يؤدي بدوره إلى سلسلة من التفاعلات التي تكسر الطبقات الجليدية، وتتسبب في انهيار المنحدرات الجليدية ـ التي تَعَرَّت مؤخرًا ـ تحت وطأة أوزانها.

وقد وجد الباحثون أنه من خلال تضمين كافة العمليات المذكورة، يمكنهم إجراء عمليات محاكاة أفضل للفترات الجيولوجية المهمة التي كانت قد حَيَّرت العلماء لفترة طويلة. فعلى سبيل المثال.. قبل بداية العصر الجليدي الأخير منذ 130,000 إلى 115,000 سنة، كانت مستويات سطح البحر أعلى من المستويات الحالية بحوالي 6 إلى 9 أمتار؛ بينما كانت مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي أقل من المستويات الحالية بحوالي %30. ومنذ 3 ملايين سنة، عندما كانت مستويات ثاني أكسيد الكربون مساوية تقريبًا للمستويات الحالية، كانت أسطح المحيطات ربما أعلى بحوالي 10 إلى 30 مترًا.

وقد ساعد إدماج العمليات الفيزيائية التي تقف وراء ذوبان الجليد الناتج عن تسخين الغلاف الجوي ـ إلى جانب انهيار المنحدر ـ ديكونتو وبولارد على إعادة دراسة تلك الفترات المهمة، من خلال النموذج الخاص بهما. «كان الأمر أقرب إلى لحظة وعي استثنائية.. لاحتمال كوننا على وشك الوصول إلى شيء ما»، كما يقول ديكونتو. وفي نهاية المطاف، قام الباحثان باختبار مدى نجاح الإصدارات المختلفة من نموذجهما في محاكاة الماضي؛ ثم استخدما الإصدارات الأفضل أداءً في توقُّع ارتفاع مستوى سطح البحر في المستقبل. وقد وجدا أنه مع مرور الوقت، سيصبح تسخين الغلاف الجوي هو المحرك الرئيس لفقدان الجليد.

ومن جانبه، يعلق نِك جوليدج ـ الذي يعمل على نمذجة الطبقة الجليدية في جامعة فيكتوريا في ويلينجتون بنيوزيلندا ـ على هذه الجهود قائلًا: «أعتقد أن أساليبهما لا تزال خيالية بعض الشيء؛ لكنهما يقومان بعمل جيد». ويشير بحث جوليدج ـ الذي نُشر في دورية Nature في شهر أكتوبر الماضي3 ـ إلى أن ذوبان الجليد في القارة القطبية الجنوبية ـ الناتج عن زيادة انبعاثات غازات الدفيئة ـ يمكن أن يتسبب في ارتفاع مستويات سطح البحر عالميًّا بمقدار قد يصل إلى 39 سنتيمترًا بحلول عام 2100، و3 أمتار بحلول عام 2300.

ومع ذلك.. يحذِّر جوليدج من كون العلماء لا يعرفون سوى القليل عن كيفية تأثير الغلاف الجوي والمحيط على الكتل الجليدية القديمة. ويضيف: «في الواقع، نحن لا نمتلك تصورًا كافيًا لما كان عليه المناخ في الماضي».

وتقترح دراسة ثالثة كانت قد نُشرت كذلك في دورية Nature في شهر ديسمبر الماضي4، أنه من غير المرجح أن يؤدي ذوبان الجليد في القارة القطبية الجنوبية إلى ارتفاع في مستوى سطح البحر بما يزيد على 30 سنتيمترًا بحلول عام 2100، إلا أن مؤلفي البحث أشاروا إلى أن الأساليب المعرَّفة حديثًا، مثل ذوبان السطح، وانهيار المنحدرات الجليدية، يمكن أن تزيد من فقدان الجليد. وعلى هذا النحو، صرَّح المؤلف المشارك تامسين إدواردز ـ وهو عالِم في الفيزياء في الجامعة المفتوحة في ميلتون كينز في المملكة المتحدة ـ بأنّ توقعات ديكونتو وبولارد تتفق مع دراسة فريقه الأخيرة تلك.

ويدرك علماء الكتل الجليدية بالفعل حجم القوة التدميرية لآليات تسخين الغلاف الجوي وانهيار المنحدر الجليدي، التي يحاكيها نموذج ديكونتو وبولارد. وقد تَسَبَّب تَوَاتُر عدة فصول صيف حارة بشكل غير عادي في انهيار مفاجئ في الرصيف الجليدي المسمى «لارسن بي» Larsen B في القارة القطبية الجنوبية في عام 2002. وقد شهد العلماء مجموع العمليات والظواهر الفيزيائية الأساسية لانهيار المنحدر الجليدي المصاحِب لأحداث انفصال الكتل الجليدية جاكوبشافن وهلهايم في جرينلاند.

ومن جانبه، يقول ديفيد هولاند، عالِم المناخ الفيزيائي في جامعة نيويورك: «كمراقب، أرى الأشياء التي يتحدثون عنها». ويضيف: «لا نزال في انتظار الكثير من الملاحظات والنماذج، إلا أنهم يوجِّهون الناس نحو التفكير بطرق علمية جدًّا».

أما ديكونتو، فهو يرى أن نتائج النموذج الجديد تؤكد أن البشرية الآن تقف أمام خيار حاسم. فإذا صح التقييم الفيزيائي الذي قَدَّمه هو وبولارد، بمجرد أن تبدأ عملية تفكك الرصيف الجليدي تلك، التي يتبعها انهيار المنحدر الجليدي؛ سيكون من المستحيل تقريبًا وَقْفها.

ويضيف: «بمجرد تسخين المحيط؛ لن يكون بالإمكان استعادة هذا الجليد، حتى تنخفض درجة حرارة المحيطات»، وهي عملية قد تستغرق آلاف السنين. ويعقِّب بقوله: «إنها بمثابة الْتِزَام طويل الأمد».

  1. Pollard, D. & DeConto, R. M. Nature http://dx.doi.org/10.1038/nature17145 (2016).

  2. Church, J. A. et al. in Climate Change 2013: The Physical Science Basis. Contribution of Working Group I to the Fifth Assessment Report of the Intergovernmental Panel on Climate Change (eds Stocker, T. F. et al.) 1137–1177 (Cambridge Univ. Press, 2013).

  3. Golledge, N. R. et al. Nature 526, 421–425 (2015).

  4. Ritz, C. et al. Nature 528, 115–118 (2015).