أنباء وآراء

روبوتات مجهرية: تصميم روبوتات سَبَّاحة

قام علماء بصناعة روبوتات مجهرية لَدِنَة، يمكن التحكم في أشكال أجسامها باستخدام أنماط ضوئية موجَّهة، كما يمكنها دفع نفسها ذاتيًّا باستخدام موجات تشوُّهية تمر عبر أجسادها، تشبه الموجات التي تُظْهِرها الحيوانات الأوَّلية أثناء السباحة.

إيجور أرانسون
  • Published online:

لطالما كانت حشود الروبوتات المجهرية "الذكية" التي تجوب الجسد البشري لتوصِّل الأدوية، أو لتُجَمِّع الآلات المجهرية المعقدة، من الموضوعات ذات الشعبية في الأفلام الكبيرة، والروايات الأكثر مبيعًا. انظر ـ على سبيل المثال ـ فيلم "رحلة رائعة" Fantastic Voyage، الذي عُرض في عام 1966، أو رواية مايكل كرايتون "فريسة" Prey، التي نُشرت في عام 2002. ورغم أن هذا المفهوم حاليًّا لا يزال حبيسًا في نطاق الخيال العلمي، إلا أن الباحثين يأخذون خطوات واسعة تجاه إخراج هذه الرؤية إلى الواقع. وفي البحث الذي نُشر في دورية Nature في قسم Nature Materials، أعلن بالاجي وزملاؤه1 عن حدوث تقدُّم كبير تجاه تحقيق هذا الهدف، وهو إنشاء روبوت مجهري يعمل بالضوء، مُستوحَى من الحيوان الأولي السَّبَّاح Paramecium.

إن تصميم روبوت سبّاح مجهري متين بإمكانه التنقل في بيئات معقدة، والقيام بوظائف مفيدة يُعَدّ مكوِّنًا أساسيًّا في مسعى إخراج الرؤية من الواقع إلى الخيال. وبغرض أن تعمل السَّبَّاحات المجهرية بصورة مستقلة أو حسب الطلب، ينبغي عليها أن تكون قادرة على حصد الطاقة، ودفع نفسها عبر السائل نحو هدفها، والاستجابة للإشارات الخارجية. كما أن هناك حاجة إلى الطاقة؛ من أجل التغلب على الاحتكاك مع السائل، وللمحافظة على الحركة لفترة طويلة، قد تصل إلى ساعة في بعض التطبيقات الطبية الحيوية.

توجد بالفعل تصميمات عديدة، أحدها هو قضيب مجهري من الذهب والبلاتين، يدفع نفسه ذاتيًّا، بعد وضعه في محلول مائي من بيروكسيد الهيدروجين (H2O2؛ مرجع 2)، حيث يحلِّل القضيب المجهري بيروكسيد الهيدروجين، وينقل الطاقة المنبعثة من هذه العملية إلى الماء. ويؤدي تدفق المياه الذي يتلو هذا الأمر إلى دفع القضيب إلى الأمام، مثل غواصة مصغرة. كما يوجد تصميم مشابه3,4، حيث تقوم أنبوبة مجهرية على شكل صاروخ، مصنوعة من مركّب البلاتين والبوليمر، بتوليد فقاعات غازية من تحلُّل بيروكسيد الهيدروجين، ومن ثم تقوم هذه الفقاعات بدفع الصاروخ المجهري.

من الممكن أيضًا استخدام مجالات مغناطيسية، أو كهربائية خارجية في تشغيل السباحين المجهريين5-9، حيث إن بعض السباحين ينزلقون على سطح الماء في حركة تشبه الثعابين، أو الديدان، وذلك عن طريق ثَنْي أجسادهم بصورة دورية8,9. ويتوقع العلماء أن يُستخدم السباحون المجهريون في إزالة انسداد الشرايين10، وفي تحريك الحيوانات المنوية غير المتحركة، وحملها لتخصيب البويضات11.

لقد أتقنت الطبيعة وسائل فعالة في الدفع الحركي على المستوى الميكرومتري، ويتجلى ذلك في دوران السياط البكتيرية الحلزونية، والنبضات الموجية للأهداب (بِنَى دقيقة تشبه الشعر)، التي تغطي Paramecium. وهذه الموجات متبدِّلة التوقيت ـ التي تنتج عن الحركة التسلسلية لآلاف الأهداب ـ تمكِّن Paramecium من السباحة بسرعات مذهلة12، قد تصل إلى عشرة أضعاف طول جسمها في الثانية. (وللمقارنة، بالكاد يستطيع الدولفين السباحة بسرعة تبلغ ضِعْف إلى ثلاثة أضعاف طول جسمه في الثانية، عندما يكون في عجلة من أمره).

وسيكون من المرغوب جدًّا وجود سباحين مجهريين صناعيين يمتلكون مثل هذا الدفع الموجي المذهل. ورغم ذلك.. فإن إنجاز مثل هذه التشوهات الموجية المتناسقة في جسد السباح المجهري يمثل تحديًا تقنيًّا، وهو الحاجة إلى تصنيع عدد هائل من المحركات والمفاصل الضئيلة جدًّا، بحيث يمكن التحكم في كل منها بشكل فردي.

اقترح بالاجى وزملاؤه طريقة ممتازة للدفع الحركي المجهري، تتيحها الموجات العابرة؛ فبدلًا من مجموعة معقدة من المحركات الموجهة، يستخدم الباحثون بوليمرًا صناعيًّا، وهو بوليمر مطاطي لدن من البلورات السائلة. وهذه المادة المطاطية التي تتكون من جزيئات موجَّهة في اتجاه معين، تُظهِر اقترانًا قويًا على نحو لافت للنظر بين توجه الجزيء، والتشوه الميكانيكي، حيث تحدث استطالة لهذه المادة عندما تصطف الجزيئات بشكل تام مع بعضها البعض، بينما يحدث انكماش عندما يُفقد هذا الترتيب الجزيئي، وعادةً يحدث ذلك عندما يتم تسخينها أو تعريضها لضوء مكثف. وكنتيجة لذلك.. يمكن لهذه المادة أن تكون شديدة الحساسية نحو المؤثرات الخارجية، كالضوء، والحرارة13.

مجهر (بالأعلى) يسلط تسلسلًا متحركًا من خطوط مضيئة (باللون الأخضر) ومظلمة (باللون الأسود) على قضيب بطول واحد ميلليمتر من البوليمر الحساس للضوء، مما يستحث تشوهات دورية (تظهر على هيئة نتوءات) على سطح القضيب. ويظهر بالاجى وزملاؤه1 أن هذه التشوهات العابرة تدفع القضيب اللدن عبر سائل بصورة تشبه تحرك الحيوانات الأولية.

كبر الصورة


ولإنتاج روبوت سباح، قام الباحثون بإضاءة قضيب بطول ملِّيمتر واحد من هذه المادة الحساسة للضوء بشعاع ليزر، وذلك باستخدام مصفوفة مستطيلة من المرايا المجهرية المُتحكَّم فيها حاسوبيًّا، بغرض إسقاط تسلسل متحرك من خطوط مضيئة ومظلمة على القضيب (انظر الشكل 1). وقد استجابت المادة بالتمدد والانكماش، وهكذا أمكن لتَسَلْسُل متحرك من خطوط مضيئة ومظلمة تخليق نمط من النتوءات المتحركة عبر جسد القضيب، بما يشبه النبضات الموجية للأهداب. وعلى نحو مذهل.. سَبَح القضيب بالفعل.

تمكَّن بالاجى وزملاؤه من ضبط سرعة هذا الروبوت المجهري اللدن، عن طريق تعديل السرعة التي تتحرك بها الخطوط الضوئية المسلَّطة عليه، كما كان بالإمكان بدء أو إيقاف الحركة، عن طريق تشغيل أو إطفاء الضوء على الترتيب. كما أنه عن طريق تغيير أنماط الضوء، كان بالإمكان أيضًا التحكم في عدة سباحين مجهريين دفعة واحدة، وإرغامهم على الدوران أو السير على طول مسار معين. ومن المفترَض نظريًّا أن تزداد سرعة سباحتهم بصورة طردية مع زيادة سرعة تحرُّك الخطوط الضوئية. ورغم ذلك.. وجد الباحثون أن وقت استجابة هذه المادة يحدّ من السرعة القصوى لحوالي 40 ميكرومترًا في الثانية (أو من حيث طول الجسم، حوالي 30 مرة أبطأ من الدولفين).

يمهِّد هذا العمل لخطوة أولى نحو دفع ذاتي مستوحَى من الأحياء بحق، إلا أن أيّ تطبيقات عملية ستتطلب توفُّر معدات بصرية. كما أنه بغرض جعل هذه الروبوتات أكثر تنافسية مع السباحين الصناعيين الآخرين، يلزم تقليص حجمها إلى مقياس الميكرومتر، كما ينبغي زيادة السرعة النسبية لسِبَاحتها بصورة كبيرة. ولا توجد حاليًّا قيود تقنية كبيرة على تصنيع قضبان بوليمرية أصغر بكثير، ولكن زيادة سرعة السِّباحة هي مسألة مختلفة، وتعتمد بصورة رئيسة على أداء المادة.

تشير حسابات بالاجى وزملائه إلى أن سرعة السباحة ستظل بدون تغيير تقريبًا، إذا تم تقليل حجم السَّبَّاحين. وفي هذه الحالة، إذا كان لدينا قضيب بطول 5 ميكرومترات ـ أي بتصغير في الحجم بمقدار 200 ضعف ـ فستظل سرعة سباحته حول 2 إلى 3 ميكرومترات في الثانية، أي ما يعادل نصف طول الجسم في الثانية الواحدة، وهو أبطأ من البكتيريا، وParamecium، ولكنْ على قدم المساواة مع السرعات التي حققها السباحون الصناعيون الآخرون من ذوي الحجم المماثل1. وهذا يعني أنه ستكون هناك حاجة إلى مزيد من التطورات في المواد الحساسة للضوء، عالية الأداء؛ من أجل تعزيز سرعة سِبَاحة الروبوتات المجهرية.

  1. Palagi, S. et al. Nature Mater. http://dx.doi.org/10.1038/nmat4569 (2016).

  2. Paxton, W. F. et al. J. Am. Chem. Soc. 126, 13424–13431 (2004).

  3. Gao, W., Sattayasamitsathit, S., Orozco, J. & Wang, J. J. Am. Chem. Soc. 133, 11862–11864 (2011).

  4. Sanchez, S., Ananth, A. N., Fomin, V. M., Viehrig, M. & Schmidt, O. G. J. Am. Chem. Soc. 133, 14860–14863 (2011).

  5. Dreyfus, R. et al. Nature 437, 862–865 (2005).

  6. Ghosh, A. & Fischer, P. Nano Lett. 9, 2243–2245 (2009).

  7. Chang, S. T., Paunov, V. N., Petsev, D. N. & Velev, O. D. Nature Mater. 6, 235–240 (2007).

  8. Snezhko, A., Belkin, M., Aranson, I. S. & Kwok, W.-K. Phys. Rev. Lett. 102, 118103 (2009).

  9. Snezhko, A. & Aranson, I. S. Nature Mater. 10, 698–703 (2011).

  10. Cheang, U. K. & Kim, M. J. J. Nanopart. Res. 17, 145 (2015).

  11. Medina-Sánchez, M., Schwarz, L., Meyer, A. K., Hebenstreit, F. & Schmidt, O. G. Nano Lett. 16, 555–561 (2016).

  12. Katsu-Kimura, Y., Nakaya, F., Baba, S. A. & Mogami, Y. J. Exp. Biol. 212, 1819–1824 (2009).

  13. Camacho-Lopez, M., Finkelmann, H., Palffy-Muhoray, P. & Shelley, M. Nature Mater. 3, 307–310 (2004).