تحقيق إخباري

رحلة البحث عن كوكب غامض

يبحث العلماء عن عالَم غير مرئي، عند حافة المنظومة الشمسية.

ألكسندرا ويتز
  • Published online:

يبحث عالِم الفلك سكوت شيبارد ـ بشكل منهجي ـ عن أجسام بعيدة؛ قد يكون أيٌّ منها هو «كوكب إكس» المراوِغ.

يبحث عالِم الفلك سكوت شيبارد ـ بشكل منهجي ـ عن أجسام بعيدة؛ قد يكون أيٌّ منها هو «كوكب إكس» المراوِغ.

Chris Maddaloni/Nature


يتطلع عالِم الفلك سكوت شيبارد سريعًا إلى قائمة المراجعة الخاصة به، بينما يعدّ نفسه لقضاء ليلة طويلة في التحديق في السماء، من خلال تليسكوب «سوبارو» Subaru، الموجود على قمة مونا كيا في جُزُر هاواي. الهواء فوق القمة صاف، والتليسكوب يعمل بسلاسة، وقُرْصه الصلب ذو الذاكرة البالغة 3 تيرا بايت مفرغ وجاهز لاستقبال فيض البيانات الجديدة خلال الساعات القادمة.

على أحد جدران حجرة الرصد ثلاث ساعات حائط، تُظْهِر اثنتان منها التوقيت المحلي لجُزُر هاواي، ولمدينة طوكيو، والثالثة تُظْهِر التوقيت العالمي المنسق. وتُظْهِر الشاشات أي تغيرات طفيفة تحدث في الطقس فوق القمة؛ مثل اتجاه الريح، ودرجة الحرارة، ومستويات الرطوبة المخيفة، التي يمكنها إذا ارتفعت أن تُنهي أمر ليلة الرصد تلك، التي كانت مقررة في شهر نوفمبر الماضي، إلا أن الظروف الآن تكاد تكون مثالية، خاصة فيما يتعلق بخاصية «الرؤية» - وهي معيار قياس لمقدار الثبات الذي تبدو عليه النجوم في أفق أعلى. إنّ «مقدار الرؤية 0.55»، كما يقول ديفيد ثولين، وهو عالِم فلك يعمل في جامعة هاواي في مانوا. ويردّ العضو الثالث في الفريق، تشاد تروجيللو ـ الذي يعمل في مرصد جيميني في هيلو في هاواي ـ قائلًا: «لا يتحسّن الأمر عن ذلك كثيرًا». وإذ يبدو الطقس واعدًا، يقوم شيبارد ـ الذي يعمل في معهد كارنيجي للعلوم بواشنطن العاصمة ـ بإخراج دفتر ملاحظاته، ويبدأ في وضع خطط عامة للساعات العشر التالية.

في الوقت ما بين غروب الشمس وفجر اليوم التالي، سيقوم شيبارد ـ بشكل منهجي ـ بتوجيه مرآة تليسكوب سوبارو الضخمة البالغة 8.2 متر، وهي واحدة من أكبر المرايا في العالم، لتحدِّق بعمق في بقعة معينة من السماء؛ ثم تنتقل إلى بقاع أخرى بالتتابع. وبعد مرور عدة ساعات، سيعيد شيبارد النظر إلى البقاع نفسها مرة ثانية وثالثة. وبمقارنة الصور الناتجة، يمكن رصد الأجسام التي تتحرك قليلًا جدًّا على مدار عدة ساعات. تمثل تلك الأجسام عوالم أبعد من كوكب بلوتو، في أطراف المنظومة الشمسية؛ حيث مملكة «كوكب إكس» المنشود منذ زمن.

كبر الصورة


كان لدى شيبارد فكرة مسبقة عن البقعة التي يجب أن يبحث فيها. ومن بين أهدافه لتلك الليلة التقاط صور جديدة لجسم كان قد رآه لأول مرة قبل شهر مضى. في تمام الساعة 9:20 مساءً، يوجه شيبارد تليسكوب سوبارو نحو بقعة قريبة من كوكبة برج «الحمل»، حيث يعتقد أن الجسم المعني يقع فيها؛ ثم يكرر ذلك في الساعة 10:46 من ذات الليلة. تنبعث اللقطات من التليسكوب، ثم يبدأ ثولين بمعالجتها. وبعد بضع دقائق، يومئ إلى شيبارد لينظر إلى شاشته الرمادية، حيث تظهر نقطة لونها باهت، تقفز في مجال النجوم الموجودة في الخلفية حين يتنقل ثولين بين الصورتين؛ ويقول: «ها هو ذاك.. لقد حصلتَ عليه».

يردّ شيبارد: «تمامًا حيث يجب أن يكون». كان ذلك هو الجسم نفسه الذي رآه في السابق، كان مُدوَّنًا في دفتر ملاحظاته: في صورة على الرقاقة الحاسوبية رقم 104، في الحقل رقم 776، اكتشفا جسمًا يبعد 90 وحدة فلكية (AU) ـ أي 90 ضعفًا من المسافة بين الأرض والشمس. لم يتضح حجم الجسم بعد، وإنْ كانت له أهمية علمية؛ إلا أنه أحد أبعد العوالم التي شوهدت في المنظومة الشمسية على الإطلاق.

كان علماء الفلك قد اكتشفوا أكثر من 2,000 كوكب خارجي حول نجوم أخرى، في الغالب باستخدام أساليب غير مباشرة؛ تكشف التغيرات التي تحدث في النجم البعيد، لكن تظل المناطق الأبعد في منظومتنا الشمسية غير مُستكشَفة إلى حدٍّ كبير.. فالتقنيات غير المباشرة لن تعمل في جوارنا النجمي، والأجسام الموجودة في ضواحي الشمس البعيدة خافتة للغاية، حتى إنها لا يمكن أن تُرى إلا بالتليسكوبات الأقوى في العالم. أما شيبارد وتروجيللو، فكانا يتسارعان لإيجاد العوالم شديدة البرودة، التي يُعتقد أنها تسكن تلك المنطقة النائية. والآن، نحن بصدد اكتشاف، قد يكون هو الاكتشاف العظيم الأخير في المنظومة الشمسية: كوكب أكبر من الأرض، ربما يدور متأرجحًا حول الشمس في مدار أبعد بكثير عن كوكب بلوتو.

ظل مقترَح وجود «كوكب إكس» يجري تداوله على مدى أكثر من قرن من الزمن، إلا أن تلك الفرضيات كانت دائمًا ما تتلاشى إثر إجراء تمحيص أدقّ في الأمر، لكن في عام 2014، أعاد تروجيللو وشيبارد إحياء فكرة وجود الكوكب الافتراضي، وذلك على أساس مدارات بعض الأجسام البعيدة للغاية1. وفي شهر يناير الماضي، تلقَّت الفكرة دفعة جديدة داعمة، إذ قام عالِمان فلكيان يعملان في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (كالتك - Caltech) في باسادينا بإجراء حسابات أكثر دقة؛ للكشف عن موقع الكوكب في المنظومة الشمسية2. وأطلقا عليه اسم «الكوكب التاسع»، في إشارة غير مباشرة إلى أمر خفض مرتبة كوكب بلوتو من كوكب إلى كوكب قزم في عام 2006.

يتجه السعي القائم الآن نحو العثور على هذا الكوكب التاسع، أو على أي كواكب أرضية أخرى فائقة الحجم وغير مرئية، ربما تتوارى في مكانٍ ما في مدارات أخرى. ومن المرجح أن يَكشف البحث عن رؤى جوهرية في كيفية تكوُّن المنظومة الشمسية قبل 4.6 مليار سنة، وكيفية تطورها منذ ذلك الحين. يقول شيبارد: «إذا كان هذا الجسم الكبير موجودًا بالفعل؛ فسيغير رؤيتنا إلى المنظومة الشمسية بشكل جوهري. إنه اكتشاف بمعنى الكلمة».


منطقة مجهولة

مع البدء في تعقُّب العوالم البعيدة، كان شيبارد وتروجيللو يأملان أن يسيرا على خطى علماء فلك آخرين أسطوريين. ففي عام 1846، رأى الألماني يوهان جاله كوكب نبتون للمرة الأولى، وهو الكوكب الثامن، على مسافة تبلغ نحو 30 وحدة فلكية، تمامًا حيث كان متوقعًا أن يكون وفقًا لحسابات أجريت لكيفية تَسَبُّبه لاضطرابات في جاذبية كوكب أورانوس. وفي عام 1930، عَثَر عالِم الفلك الأمريكي كلايد تومبو على كوكب بلوتو في مدار على مسافة تبلغ 40 وحدة فلكية. وفي عام 1992، اكتشف عالِما الفلك ديفيد جُويت ـ الذي كان يعمل في جامعة هاواي في ذلك الوقت ـ وجين لوو ـ الذي كان يعمل في جامعة كاليفورنيا في بركلي ـ جسمًا أبعد من بلوتو؛ وهنا شَرَعا في استكشاف منطقة في الفضاء، تُسمى «حزام كايبر»3.

«إذا كان هذا الجسم الكبير موجودًا بالفعل، فسيغيِّر نظرتنا إلى المنظومة الشمسية بشكل جوهري».

ومنذ ذلك الوقت، عثر علماء الفلك على آلاف الأجسام الخاصة بحزام كايبر، وهي بمثابة عوالم ثلجية صغيرة تشبه كوكب بلوتو، تتفاوت في بُعْدها عن الشمس فيما بين 30 و50 وحدة فلكية؛ وتقع فيما وراء ذلك مناطق غير مستكشَفة بعد. في بعض الأحيان، يُطلق عليها العلماء اسم «حزام كايبر الخارجي»، أو «حزام سحابة أورت الداخلية»، وهي المنطقة التالية للمنظومة الشمسية، التي يُعتقد أنها تمتد إلى نحو 100 ألف وحدة فلكية على الأقل. ومن جانبه، يقول ميج شوامب، عالِم الفلك المتخصص في الكواكب في أكاديمية سينيكا في تايبيه: «لا يزال هناك جزء ضخم من المنظومة الشمسية، لم نفهمه تمامًا بعد». ويضيف: «هذه المنطقة هي إحدى المناطق المتبقية التي لم تُستكشف حتى الآن»، وكان ذلك هو سبب شروع شيبارد وتروجيللو في البحث فيها.

التقى شيبارد وتروجيللو أثناء مرحلة الدراسات العليا في جامعة هاواي، حيث كان جُويت موجِّههما. عملا معًا في البحث عن أجسام حزام كايبر، ثم شَرَعا في استقصاء منهجي للبحث عن عوالم أبعد؛ وهما الفريق الوحيد الذي يبحث بشكل دوري ومستمر عن الأجسام الأكثر تطرفًا. يقول تروجيللو: «قد يكون هناك عدد هائل من الأجسام، «وهو ما يدفعنا إلى القيام بالبحث».

بحلول عام 2012، كان الاثنان يستخدمان أضخم تليسكوبات استطاعا الحصول عليها، وتتضمن كاميرات ذات مجال واسع؛ تُمَكِّنهما من رؤية أكبر مساحة ممكنة من السماء. ومن خلال كاميرا الطاقة المظلمة، الموضوعة على قمة تليسكوب في شيلي، يبلغ طوله 4 أمتار، حصل شيبارد وتروجيللو على نتيجة على الفور تقريبًا. وفي ليلة الرصد الأولى لهما، رَصَدَا جسمًا يتحرك ببطء شديد، ما يعني أنه لا بد أن يكون موجودًا على مسافة بعيدة. وبانبهار.. قام الاثنان برصد حركة الجسم على مدار عام كامل؛ وحصلا منه على بيانات تكفيهم لحساب مداره.

من خلال تلك الحسابات، وجد شيبارد وتروجيللو أن أقرب مسافة لهذا الجسم من الشمس (وهو مقياس يُسمى «الحضيض») هي 80 وحدة فلكية؛ أي أنه يقع فيما وراء كتلة حزام كايبر. وبذلك.. فهو الجسم ذو الحضيض الأبعد المكتشَف حتى الآن، ويتجاوز حضيض الكوكب القزم «سِدنا» Sedna، الذي يبلغ 76 وحدة فلكية.

أُعلن عن اكتشاف هذا الجسم ـ الذي سُمي 2012 VP113 ـ في ورقة1 بحثية نُشرت في دورية Nature، كما تبعته إطالة في المدد التي يقضيها العلماء في عملية الرصد باستخدام تليسكوبات كبيرة. وفي عام 2014، أمضى شيبارد وتروجيللو الليالي الأولى لهما في مرصد سوبارو، الذي يديره المرصد القومي الفلكي الياباني، ومثبَّت فيه كاميرا ضخمة من نوع «هايبر سوبريم كام» Hyper Suprime-Cam. إن هذا الجمع بين تليسكوب كبير وكاميرا ذات مجال واسع، يجعل من مرصد سوبارو المكان الأفضل في العالم لمسح نطاقات ضخمة من السماء، بحثًا عن أجسام خافتة.

يعمل علماء كثيرون مع مرصد سوبارو عن بُعْد، إذ يظلون عند مستوى سطح البحر في هيلو، ويتواصلون مع مشغِّلي التليسكوب من خلال مؤتمرات الفيديو عبر الإنترنت. تعفيهم هذه الطريقة من الانتقال عبر رحلة مدّتها ساعتان إلى قمة مونا كيا، على ارتفاع 4,200 متر، حيث يقل الأكسجين في الجو بنسبة %40؛ ما يجعل الكثيرين يُصابون بالدُّوار والصداع، أو مشكلات صحية أكثر خطورة في بعض الأحيان.

أما شيبارد، فيميل إلى المشاركة الفعالة في توجيه عمليات الرصد؛ ولذا.. فهو يذهب دائمًا بنفسه. يبقى يقظًا طوال الليل، ولا يَستخدِم مجسّ الأكسجين أبدًا لمعرفة مدى تعايشه مع ظروف الارتفاع. يمتلئ دفتره بالملاحظات، التي منها: رقم الحقل، ورقم الشريحة، ومدة التعريض. ويقوم بإعادة تنظيم الأهداف فورًا، مُعِيدًا ترتيب ما ينظر إليه؛ بغية تحسين الفواصل الزمنية بين الحقول.

تحدِّق مرآة التليسكوب الضخمة في السماء، جامعةً الفوتونات، ويظهر العدّ التنازلي لمدد التعريض بأرقام خضراء كبيرة على شاشة حاسوب. ومع انتهاء كل عرض، ينطلق صوت إنذار يشبه صوت ساعة الوقواق، ومن ثم يملي شيبارد على مشغِّل التليسكوب المكان التالي الذي يريده أن يوجه الكاميرا نحوه.

«إنكَ لا تعرف ما الذي ستراه مع كل صورة.. فقد تحوي الصورة التالية الكوكبَ الأرضيَّ المنتظَر».

كل ليلة رصد جيدة تملأ حاسوب شيبارد النقال بالبيانات. ولتحديد العوالم المحتملة البعيدة، يَستخدِم الباحثون برنامجًا صنعه تروجيللو لالتقاط الأجسام المتنقلة بين الأطر المختلفة للمجال النجمي نفسه، لكن نظرًا إلى أن البرنامج يعطي عددًا من النتائج الإيجابية الكاذبة، فتجب مراجعة كل حقل يدويًّا أيضًا. يدقق شيبارد في كل عرض يظهر، محدِّقًا في النقاط الخافتة التي أحاطها البرنامج بدوائر برتقالية، كي يقرر إذا كانت تمثل جسمًا بعيدًا ضمن المنظومة الشمسية، أم شيئًا آخر ـ كويكبًا ـ أم علامة لأشعة كونية.

يمضي عبر آلاف العروض، إطار تلو آخر، كما لو كان يلعب لعبة فيديو. يقول: «مشاهدة الصور أمرٌ ممتع. إنك لا تعرف ما الذي ستراه مع كل صورة.. فقد تحوي الصورة التالية الكوكب المنتظَر».

إنّ بطء حركة الأجسام يمثل العامل الأهم هنا. فنسبيًّا، تقع الكويكبات بالقرب من الأرض، ويمكن لموقعها في السماء أن ينزاح بمقدار 30 ثانية قوسية، أو 0.008 درجة كل ساعة. أما أجسام حزام كايبر ـ وهي أبعد بكثير ـ فتقطع حوالي 3 ثوان قوسية من السماء كل ساعة. وأي شيء أبطأ من ذلك لا بد أن يكون أبعد من كتلة حزام كايبر؛ وهذا هو ما يثير اهتمام فريق البحث.

لذا.. لتحديد مدار أي جسم ومسافة حضيضه، يجب على العلماء تكرار عملية رصده على مدار عام كامل. فمجرد كونه بعيدًا في لحظة اكتشافه لا يعني أنه ذو أهمية علمية.

على سبيل المثال.. الجسم الذي رآه شيبارد على بعد 90 وحدة فلكية في شهر نوفمبر الماضي، ربما كان وقتها في نقطته الأقرب من الشمس. في هذه الحالة، قد يشكل اكتشاف فاصل، من حيث كونه يقع في منطقة أبعد من «سِدْنا»، ومن 2012 VP113، لكن إذا كان يقرِّبه مساره من الشمس بدرجة كبيرة، ربما حتى 40 وحدة فلكية؛ يجعله ذلك أقل إثارة؛ إذ إن مسافة حضيضه ستضعه فعليًّا داخل حدود حزام كايبر، ما يعني أنه مجرد جسم آخر عادي من أجسام الحزام، وليس أحد العوالم المتطرفة المنشودة.

ينطبق الشيء نفسه على جسم عَثر عليه العلماء على مسافة 103 وحدات فلكية في شهر نوفمبر الماضي، وهو أبعد جسم جرى رصده على الإطلاق. وسوف تمر عدة أشهر، قبل أن يعرفوا إذا كان ذلك الجسم سوف يظل موجودًا في المنظومة الشمسية الخارجية، أم أنه سوف ينحرف إلى الداخل مع الوصول إلى حضيضه.

هذا.. وتظل أكثر الاكتشافات إغراءً حتى الآن هي اكتشاف الكوكب التاسع المفترَض. فبناءً على مدارات 2012 VP113، و«سِدْنا»، اقترح تروجيللو وشيبارد في ورقة بحثية قاما بنشرها في دورية Nature في عام 2014 أن يكون هناك كوكب أرضي فائق الحجم غير مرئي، متوارٍ على بعد 250 وحدة فلكية تقريبًا. وفي شهر يناير الماضي، قام كونستانتين باتيجين، ومايك براون ـ من معهد كالتك ـ بمقارنة مداري الجسمين، وأربعة أجسام بعيدة أخرى من أجسام حزام كايبر؛ بغرض تضييق نطاق حسابات الموضع الذي يمكن أن يكون فيه مثل هذا الكوكب.

تشترك الأجسام الستة في الخاصية المدارية نفسها، وهي أنها مع مرورها بأقرب نقطة للشمس، تتحرك من الشمال إلى الجنوب، نسبةً إلى مسطح المنظومة الشمسية. فإذا لم تكن ثمة علاقة فيما بين تلك الأجسام، لم تكن لتشترك في الاتجاه نفسه. وتدور نقطة النقاش الأخرى حول كون الأجسام الستة تتجمع في الفضاء أيضًا (انظر: «هناك في الفضاء»). يقول باتيجين: «جميعها تتجه نحو الاتجاه نفسه، وتميل بالزاوية نفسها. إنه أمر غريب».

يجادل باتيجين وبراون حول وجوب أن يكون الكوكب التاسع غير المرئي هو الذي يوجه تلك الأجسام نحو تلك التجمعات، إذ إنّ كتلته قد تبلغ ما بين 5 و10 أضعاف كتلة الأرض، وربما يتحرك في مدار يقربه من الشمس لمسافة قد تصل إلى 200 وحدة فلكية، ويبعده عنها بمسافة قد تصل إلى 1,200 وحدة فلكية.


البحث عن الكوكب التاسع

يقول النقاد إنّ الجدل القائم مبني على حفنة فقط من أجسام حزام كايبر. «إنه عدد إحصائي صغير جدًّا»، كما يقول ديفيد نيسفورني، وهو عالِم متخصص في الكواكب في معهد ساوث ويست البحثي في بولدر بكولورادو؛ إلا أنه يرى الفكرة مثيرة. ويضيف: «يقع الأمر عند حافة قابلية التصديق؛ تمامًا كما يجب على العلم أن يكون».

يُجْرِي علماء فلك كثيرون حاليًّا حساباتهم الخاصة؛ لتقدير احتمالات وجود الكوكب التاسع في ذلك المدار المحدد، ولاكتشاف أين يمكن أن يكون، إنْ لم يكن هناك. تعمل سامانثا لولر ـ من المجلس القومي للبحوث-هرتزبرج في فيكتوريا بكندا ـ مع ناثان كَيْب ـ من جامعة أوكلاهوما في نورمان ـ على استقصاء كيف يمكن لوجود كوكب أرضي فائق الحجم أن يؤثر في مدارات كثير من أجسام حزام كايبر. وتوحي نتائجهما الأولية بأنه لو كان ثمة كوكب تاسع؛ لكان قد وكز مدارات أجسام حزام كايبر بشكل لم يحدث في الواقع.

إن الكوكب التاسع «فكرة جيدة، وقد تكون عظيمة حقًّا، إذا كانت حقيقية»، كما تقول لولر.. «لكن عليك أن تكون حذرًا للغاية».

وقد تأتي إجابات من مشروع قائم، يُعرف باسم «استقصاء أصل المنظومة الشمسية الخارجية»، و(يُسمى اختصارًا: OSSOS)، تُديره مجموعة من المحققين. يعمل المشروع على إيجاد ودراسة جميع أجسام حزام كايبر القابلة للرصد ضمن بقعة صغيرة من السماء بتفاصيل مدهشة، من خلال تعقُّب مداراتها، وتصنيف ألوانها، وما غير ذلك. وقد يتمكن هذا العمل من استبعاد وجود الكوكب التاسع المفترَض من جانب باتيجين وبراون، إذا عثر مشروع OSSOS على جسم بعيد في منطقةٍ، كان من المفترَض أن يكون وجود الكوكب المقترح قد أَفْرَغَها من أي أجسام أخرى.

وقد اقترح علماء آخرون طرقًا بديلة للبحث عن الكوكب التاسع، مثل معاينة بيانات صادرة من مركبة الفضاء «كاسِّيني» Cassini، تدور حول كوكب زحل، بغية رؤية إذا كان مدار الكوكب قد اضطرب قليلًا، أم لا، أو استخدام تليسكوبات كونية في القطب الجنوبي؛ لرصد أي إشعاع خافت يصدر من الكوكب. ومع استمرار شيبارد وتروجيللو في عملية المسح المنهجي للسماء، فإنهما يوليان اهتمامًا خاصًا للمناطق التي ذكر باتيجين وبراون أن الكوكب يمكن أن يكون فيها. كما يتعقبه كذلك ثنائي معهد كالتك (باتيجين، وبراون) باستخدام مرصد سوبارو. تقول رينو مالهوترا، عالِمة نظرية في جامعة أريزونا في توسون: «سوف أُذْهَل، إذا لم يكن ثمة كوكب هناك»، إذ قدَّمت هي وزملاؤها من خلال ورقة بحثية موضوعة على خادم ما قبل الطباعة arXiv، تحليلًا جديدًا4 للمكان الذي يمكن لكوكب أرضي فائق الحجم أن يتوارى فيه، ذلك في مدار مختلف عن مدار الكوكب التاسع الذي طرحه باتيجين، وبراون. يستخدم فريق مالهوترا أربعة أجسام متطرفة من أجسام حزام كايبر؛ لاقتراح أن كوكبًا غير مرئي يدور حول الشمس كل 17,000 سنة.

وحتى لو كان للكوكب وجود، فسيتطلب الأمر بعض الحظ للعثور عليه باستخدام التكنولوجيا الموجودة حاليًّا. فلتتمكن إحدى الفرق من رصد الجسم، حيث يجب أن يكون حجمه أقرب إلى الحجم الأكبر المُقدَّر، أو أن يكون جسمًا انعكاسيًّا جدًّا، أو يدور في مدار قريب نسبيًّا. وإذا كان الكوكب صغيرًا جدًّا ومظلمًا وبعيدًا، فقد لا يُرى أبدًا من الأرض. تقول مالهوترا: «إن الأمر أسوأ من البحث عن إبرة في كومة قش. إنه أشبه بالبحث عن طرف إبرة مكسور في كومة قش».


قصة كوكب

إن السؤال الأكثر جوهرية من السؤال حول وجود الكوكب التاسع، هو: ما الذي تقوله الأجسام البعيدة عن تطور الكواكب بشكل أكثر عمومية؟ فرضت الاكتشافات السابقة ـ كاكتشاف «سِدْنا»، واكتشاف 2012 VP113 ـ إعادة نظر جذرية في قوى الجاذبية التي تشكل الأجزاء الخارجية من المنظومة الشمسية.

وحين عثر العلماء على أجسام حزام كايبر لأول مرة في التسعينات، وأدركوا أن بلوتو ليس سوى واحد منها، شَرَعوا في رسم صورة لمملكة الفضاء الغامضة تلك. بدا حزام كايبر ممتدًا بشكل منتظم، بدءًا من حوالي 30 وحدة فلكية، حتى 50 وحدة فلكية، وتدور غالبية الأجسام فيه في مدارات مهيبة حول الشمس. أما تلك الأجسام التي كانت غريبة بعض الشيء، وتنتقل بعدم انتظام لمسطح المنظومة الشمسية، أو أحيانًا لمسافات أبعد، فيمكن أن تُفسَّر من خلال تفاعلات الجاذبية مع كوكب نبتون.

أمّا «سِدْنا»، و2012 VP113، فهما لا يتوافقان مع هذا النموذج البسيط، إذ إنهما أبعد بكثير عن الشمس من أن يكونا قد تفاعلا بكثرة مع نبتون. وفجأة، وجد العلماء النظريون أنفسهم مجبرين على مواجهة السؤال الدائر حول الكيفية التي وصل بها الجسمان إلى مداريهما الحاليين. كان من المُعتقَد أن جميع الكواكب المعروفة في المنظومة الشمسية ـ بجانب أجسام حزام كايبر ـ قد تكثفت من قرص من الغاز والغبار، التف حول الشمس حديثة الولادة قبل 4.6 مليار سنة، إلا أن «سِدْنا»، والأجسام الأخرى الواقعة فيما وراء كتلة حزام كايبر في الغالب لم تنشأ حيث هي اليوم، لأنه ببساطة لم يكن ثمة غاز وغبار بما يكفي في تلك المناطق البعيدة جدًّا؛ لتتكون تلك العوالم الضخمة.

تتلخص إحدى الأفكار المتعلقة بالأمر في كونهما قد قُذفا إلى هناك بسبب معركة جاذبية مع كواكب بدائية أخرى أقرب للشمس، خلال عشرات ملايين السنين الأولى من عمر المنظومة الشمسية، بينما تنص نظرية أخرى على أن جاذبية نجم عابر كانت قد سحبت الأجزاء الخارجية من قرص تكوين الكواكب، ومن ثم سحبت الكواكب الناشئة إلى مدارات مستطيلة، حيث بقيت حتى اليوم.

وإذا كان الكوكب التاسع موجودًا بالفعل، فقد يزيد من تعقيد الصورة، إذ سيعني وجوده أن مداري «سِدْنا»، و2012 VP113 لم يتحددا منذ البداية، بل جرى تشكيلهما باستمرار حتى يومنا هذا، بواسطة جاذبية الكوكب التاسع التي تشدّهما. وسيتطلب الأمر من العلماء النظريين إعادة صياغة أفكارهم حول كيفية تفاعل عوالم المنظومة الشمسية العديدة خلال الـ4.6 مليار سنة الماضية. تقول مالهوترا: «إنه لمن الصعب توقُّع الاتجاه الذي سوف يذهب فيه خيالنا».

كما قد يساعد فهْم حزام كايبر البعيد علماءَ الفلك على مقارنة منظومتنا الشمسية بمنظومات كوكبية حول نجوم أخرى. ويشير براون إلى أن أحد أكثر أنواع الكواكب الخارجية شيوعًا هو كوكب مفقود من منظومتنا الشمسية، وهو بمثابة عالَم، كتلته أكبر من كتلة الأرض، وأقل من كتلة نبتون؛ أي أنه يقع في نطاق حجم الكوكب التاسع المفترَض. ويقول: «ربما نستطيع رؤية ما يمكن أن يبدو عليه فعلًا هذا النوع من الكواكب».

أما الآن، فإن أفضل ما يمكن للعلماء فعله للإجابة عن هذه الأسئلة هو العثور على عوالم بعيدة ومتطرفة أكثر؛ وهو سبب استمرار شيبارد وتروجيللو في العمل في شيلي وهاواي، حيث قاما بتغطية أقل من %10 فقط من مساحة السماء التي ينويان دراستها.

وهناك، على قمة مونا كيا، يمضي شيبارد ليلة الرصد في تسجيل حقل تلو آخر، دون راحة. وبحلول الساعة 4:45 صباحًا، تزيد عتمة الجو فوق القمة قليلًا، ويبدأ شيبارد في زيادة مُدَد التعريض. وفي الساعة 5:25، يتجه نحو وحدة مؤتمرات الفيديو، ويتصل بزميله في هيلو: «تشاد، هل أنت هناك؟ تم تلقي الحقول كلها». وهنا، تبدأ السماء في السطوع فوق مرصد سوبارو، لكن لا يتسنى لشيبارد الاستمتاع بالمشهد الساحر لشروق الشمس على جُزُر هاواي، فهو لا يخرج من حجرة الرصد، حيث يظل منشغلًا بجدولة حقوله الـ33 التي حصل عليها هذه الليلة؛ فأي منها يمكن أن يحتوي على جسم جديد متطرف ضمن أجسام حزام كايبر، أو على الكوكب التاسع.

وبعد السابعة صباحًا، تقل فريقَ الرصد عربتان رياضيتان، تنطلقان على الطريق الصخري المنحدر من قمة مونا كيا، ولا يبدأ شيبارد في الاسترخاء إلا مع جلوسه لتناول الفطور في المسكن المخصص لعلماء الفلك في أسفل الجبل، على مسافة 1,360 مترًا من القمة. يتناول شيبارد وثولين طعامهما بسرعة، ثم ينسحبان إلى الغرف ذات الستائر السوداء، ليناما حتى الظهر.

كان شيبارد ذو الأربعين عامًا قد سأل طبيبه من قبل عن إجهاد العينين، وما إذا كان سيتمكن من الاستمرار في النظر إلى حقول النجوم إلى الأبد، أم لا.. فقد أخذ هو وتروجيللو على عاتقيهما مهمة العثور على عشرة أجسام ضمن سحابة «أورت» الداخلية، يعتقدان أنها ستمكِّنهما من البدء في اختبار أفكار حول كيفية تكوُّن تلك الأجسام وتطورها. وهو ما يعني قضاء ليالٍ طويلة عديدة عند التليسكوب.

يقول شيبارد: «إذا تحول الأمر إلى ما يشبه جمع الطوابع البريدية؛ سنتوقف. أمّا في الوقت الحالي، فكل اكتشاف جديد يصنع فرقًا كبيرًا في محاولة فهْم ما يحدث هناك».

  1. Trujillo, C. A. & Sheppard, S. S. Nature 507, 471–474 (2014).

  2. Batygin, K. & Brown, M. E. Astron. J. 151, 22 (2016).

  3. Jewitt, D. & Luu, J. Nature 362, 730–732 (1993).

  4. Malhotra, R., Volk, K. & Wang, X. Preprint at http://arxiv.org/abs/1603.02196v2 (2016).