أنباء وآراء

التطوّر: الميتوكوندريا.. الفصل الثاني

تكشِف دراسة واسعة لجينوميات تطور السلالات عن أنّ حادثة التعايش التي أدَّت إلى ظهور العضيّات المعروفة باسم الميتوكوندريا ربما تكون قد حدثت في مراحل متأخرة من عملية تطور الخلايا المعقدة عما كان يُعتقد سابقًا.

تايس جيه. جي. إيتيما
  • Published online:

يُعتبر تطوُّر الخلايا حقيقية النواة ـ التي تحتوي على نواة ومناطق حيّزية مغلفة بالغشاء ـ واحدًا من أكثر الأحداث الغامضة في تطور الحياة على سطح الأرض1. وقد شكَّل ظهور الميتوكوندريا نقلة حاسمة في هذه العملية؛ إذ يُعتقد أن هذه العضيّات قد تشكلت حين بدأت خلية بكتيرية العيشَ داخل خلية مضيفة بدائية، ما يُعَدّ أحد أشكال التعايش الداخلي، وهو بمثابة علاقة منفعة متبادلة، يعيش فيها كائن حي بداخل كائن آخر. مِن المعتقَد أن البكتيريا قد زوّدت الخلية المضيفة بكمية إضافية من الطاقة2، ومن ثم نتجتْ عن التفاعل بينهما خليّة حقيقية النواة، احتوت على جينات، يعود أصلها إلى كل من الخلية البدائية، والبكتيريا. يقدِّم بيتيس وجابالدون3 في بحثهما دليلًا على أن الخلية المضيفة التي تطوَّرت منها حقيقيات النوى كانت تحتوي في الأصل على جينات تعود إلى مجموعة مختلفة من المصادر، وذلك قبل التعايش الداخلي للميتوكوندريا؛ ما يشير إلى أن الميتوكوندريا تطورت في وقت لاحق لعملية تطور حقيقيات النوى عما كان يُعتقد في السابق.

تولّد الميتوكوندريا الطاقة عن طريق تفاعلات الفسفرة الأكسدية، وهي بالتالي يُطلق عليها أحيانًا اسم "محطة توليد الطاقة" في الخلايا حقيقية النواة. ومنذ اكتشافها قبل أكثر من 100 عام وحتى الآن، يشكل أصل الميتوكوندريا محور نقاش ساخن. والآن، يوجد كمّ هائل من الأدلة التي تشير إلى كونها نتاجًا لحدث تعايش داخلي أحادي، وأن أسلافها كانت وثيقة الصلة بشعبة متقلبات "ألفا" المنتمية إلى البكتيريا4,2، إلا أن المجموعة المحددة التي تنتمي إليها لم تتضح بعد. كما يعتقد كذلك أن المضيف البدائي ربما كان على صلة بكائنات Lokiarchaeota، وهي شعبة من الخلايا البدائية العتيقة، تم التعرف عليها في العام الماضي فقط5. ومع ذلك.. لا تزال هناك شكوك بشأن توقيت ظهور الميتوكوندريا خلال عملية تطوُّر الخلايا حقيقية النواة، فهل حدث ذلك في وقت مبكر، أو حتى كان هو المحفِّز الأوَّلِي ـ وهو السيناريو الذي يُطلق عليه اسم "مايتو مبكر" ـ أم أنه حدث بعد أن وصلت الخلية حقيقية النواة إلى درجة واسعة من التعقيد (ما يُطلق عليه "مايتو متأخر")6؟

ووفقًا لنماذج "مايتو متأخر" التقليدية، ظهرت حقيقيات النوى قبل حدوث التعايش الداخلي للميتوكوندريا7 (الشكل 1)؛ إلا أن شعبية هذه النماذج أخذت في التراجع مع إدراك1 أن حقيقيات النوى التي لا تحتوي على الميتوكوندريا، التي يُعتقد أنها انحرفت تطوريًّا قبل تطور الميتوكوندريا، تحتوي على عضيات تالفة - وإنْ كان اشتقاقها من الميتوكوندريا واضحًا - مثل الهيدروجينوسوم، وجسيمات الانقسام الفتيلي. وقد أدى اكتشاف أن جميع حقيقيات النوى المعروفة تحتوي على ـ أو كانت تحتوي على ـ ميتوكوندريا إلى ظهور موجة من فرضيات "مايتو مبكر"، يُفترض فيها أن التفاعل بين خلية بدائية مضيفة والتعايش الداخلي للميتوكوندريا هو القوة الدافعة الرئيسة لتكوُّن حقيقيات النوى (الشكل 1).

تحتوي حقيقيات النوى على مناطق حيّزية مغلفة بالغشاء، مثل النواة والميتوكوندريا؛ وتعد الأخيرة من العضيّات المولّدة للطاقة، التي يعتقد أنها تشكلت عندما عاشت خلية بكتيرية داخل خلية بدائية وأنشأت علاقة تعايشية معها. تنقسم النماذج الخاصة بمنشأ حقيقيات النوى عادة إلى سيناريوهات تسمى "مايتو مبكر" وأخرى تسمى "مايتو متأخر"، ذلك بناءً على ما إذا كان التعايش الجواني الذي قامت به الميتوكوندريا قد اكتسب في مرحلة مبكرة من عملية تطور حقيقيات النوى، أو بعد أن بلغت حقيقيات النوى مستوى عالي من التعقيد. يقدّم بيتيس وجابالدون3 دليلًا على سيناريو أُطلق عليه اسم "مايتو متوسط"، أظهرت فيه الخلية المستضيفة للتعايش الجواني الذي قامت به الميتوكوندريا درجة من التعقيد الخلوي قبل حدوث التعايش الجواني. لكن على عكس نماذج "مايتو متأخر" التقليدية، فإن النتائج التي توصل إليها بيتيس وجابالدون لا توحي بالضرورة أن الخلية المضيفة كانت خلية مكتملة حقيقية النواة. وهكذا فإن النتائج التي توصلا إليها تتوافق مع الأبحاث الحديثة، التي تدعم فكرة أن منشأ حقيقيات النوى يعود للخلايا البدائية5,10.

كبر الصورة


كثيرًا ما يتم الاعتماد في هذه النماذج على التغذية المتزامنة المتبادلة، التي يتغذى فيها أحد الأنواع على ما ينتجه الآخَر، ويُعتقد أن النتيجة الأكثر وضوحًا لهذا التفاعل هي إعادة إسناد مهمة إنتاج الطاقة إلى غشاء الميتوكوندريا، بدلًا من غشاء الخلية المضيفة. وقد وفَّرت عملية إدارة الطاقة تلك فائضًا من الطاقة للمضيف، ما يُعتقد أنه قد حفّز ظهور المواصفات الخلوية المعقدة التي تميز حقيقيات النوى8. وقد اقتُرح أن تكون نتيجة هذه الرحلة التطورية هي الخلية حقيقية النواة الأولى، التي تحمل جينومًا مختلط المصادر9.

ومع ذلك.. وعلى الرغم من أن نماذج "مايتو مبكر" قد لاقت الكثير من الدعم من علماء الأحياء التطورية، إلا أن الاختلاط الجينومي في حقيقيات النوى يخفي مشكلة؛ وهي أن معظم الجينات البكتيرية في جينومات حقيقيات النوى لا يمكن إرجاعها إلى أسلاف الميتوكوندريا المزعومة المرتبطة بشعبة متقلبات "ألفا"، بل يبدو أنها تنحدر من أنواع مختلفة من البكتيريا غير المرتبطة ببعضها. وكان هدف بيتيس وجابالدون هو حل هذا اللغز.

ومِن خلال تتبُّع الإشارات التطورية النوعية للبروتينات التي كانت موجودة في السلف المشترك الأخير لجميع حقيقيات النوى (وتُسمى ـ اختصارًا ـ بروتينات LECA)، تمكَّن بيتيس وجابالدون من تحديد فئات مختلفة من البروتينات، بناءً على توقيت ظهورها في حقيقيات النوى. وبالتوافق مع النتائج الأخرى، التي تدل على أن لحقيقيات النوى أصلًا ينتمي إلى الخلايا البدائية10,5، وجد الباحثون أن أقدم بروتينات LECA تقع تحت هيمنة البروتينات ذات الصلة بالخلايا البدائية التي تشارك في الوظائف الخلوية الأساسية، كالاستنساخ، والترجمة، والنسخ. إضافة إلى ذلك.. وهو ما كان متوقَّعًا، تقع بروتينات LECA المكتسَبة مؤخرًا تحت هيمنة البروتينات البكتيرية، وبالأخص بروتينات متقلبات "ألفا"، التي تتمركز بشكل رئيس في الميتوكوندريا، وتشارك في عملية توليد الطاقة. نشأت غالبية هذه البروتينات في الغالب من أسلاف الميتوكوندريا المنتمية إلى متقلبات "ألفا"، لكن المثير للاهتمام أن بيتيس وجابالدون حدَّدا فئة ثالثة من بروتين LECA البكتيري، واستنتجا أنه كان قد اكتُسب قبل بروتينات الميتوكوندريا تلك. ويبدو أن الكثير من هذه البروتينات يقع في أجهزة غشائية داخل الخلايا، مثل الشبكة الإندوبلازمية، وجهاز "جولجي".

تسلِّط هذه النتائج الضوءَ على التوقيت النسبي لأصل الميتوكوندريا، والطبيعة الجينومية للخلية المضيفة. فبدايةً، تعني النتائج أن الخلية المضيفة كانت تحتوي بالفعل على مزيج جيني، قبل التعايش الداخلي للميتوكوندريا. كما أن حقيقة كوْن العديد من البروتينات البكتيرية التي سبقت التعايش الداخلي للميتوكوندريا يعمل في أجهزة غشائية داخل الخلايا تشير إلى أن الخلية المضيفة تُظْهِر بالفعل درجة لا يُستهان بها من التعقيد؛ ما يدعم نظرية نشوء الميتوكوندريا المتأخر نسبيًّا (الشكل 1).

على أي حال.. تثير النتائج التي توصَّل إليها بيتيس وجابالدون سؤالًا محيرًا: ما هو إذًا أصل الجينات البكتيرية التي سبقت التعايش الداخلي للميتوكوندريا؟ إذ من الواضح أن هذه الجينات لم يعد من الممكن تفسيرها بما يُطلق عليه "الخيمرية الموروثة" للتعايش الداخلي للميتوكوندريا11. يرى المؤلفون أن هذه الجينات ربما اكتُسبت عن طريق تفاعلات تعايشية (داخلية) سابقة مع شركاء مختلفين، ولكن من البكتيريا، أو عن طريق سلسلة من موجات نقل جيني أفقي للجينوم المضيف.

ورغم أن هذا السؤال لا يزال مفتوحًا، قد تأتي مؤشرات للإجابة عليه عن طريق جينومات شعبة Lokiarchaeota البدائية، التي يشترك أعضاؤها في سلالة مشتركة مع حقيقيات النوى. وقد أشار تحليل جينوم أحد أنواع Lokiarchaeota أن حوالي %30 من جيناته تبدي تشابهًا أكبر مع الجينات البكتيرية عن جينات الخلايا البدائية5. وعلى الرغم من تعرُّضها لعملية إعادة تشكيل واسعة بفعل العمليات التطورية، إلا أن بعض الجينات البكتيرية في السلف البدائي لحقيقيات النوى قد يكون انتهى بها الأمر في جينومات حقيقيات النوى الموجودة اليوم. ومن شأن الأبحاث الاستكشافية التي سوف تتم في المستقبل للسلالات الجديدة من الكائنات الدقيقة البدائية وحقيقيات النوى أنْ تقدِّم رؤى أعمق لمنشأ حقيقيات النوى وتطورها المبكر، بما في ذلك الدور الرئيس الذي تلعبه الميتوكوندريا في هذه العملية.

  1. Embley, T. M. & Martin, W. Nature 440, 623–630 (2006).

  2. Gray, M. W., Burger, G. & Lang, B. F. Science 283, 1476–1481 (1999).

  3. Pittis, A. A. & Gabaldón, T. Nature 531, 101–104 (2016).

  4. Rochette, N. C., Brochier–Armanet, C. & Gouy, M. Mol. Biol. Evol. 31, 832–845 (2014).

  5. Spang, A. et al. Nature 521, 173–179 (2015).

  6. Poole, A. M. & Gribaldo, S. Cold Spring Harb. Perspect. Biol. 6, a015990 (2014).

  7. Cavalier-Smith, T. Nature 339, 100–101 (1989).

  8. Lane, N. & Martin, W. Nature 467, 929–934 (2010).

  9. Koonin, E. V. Genome Biol. 11, 209 (2010).

  10. Williams, T. A., Foster, P. G., Cox, C. J. & Embley, T. M. Nature 504, 231–236 (2013).

  11. Ku, C. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 112, 10139–10146 (2015).