أنباء وآراء

هجرة الحيوان: انخفـاض أعـداد الطيـور المهـاجِـرة

تتناقص أعداد الطيور المهاجرة عالميَّا. وقد أظهرت دراسة أوروبية واسعة النطاق أن الطيور التي تنتشر بشكل واسع في مواسم عدم التزاوج هي أقل عرضةً لانخفاض أعدادها من تلك الأنواع محدودة الانتشار.

ريتشارد إيه. فولر
  • Published online:

تحظى الطيور المهاجرة بفرصة القيام برحلات استثنائية أكثر من جميع الحيوانات الأخرى، لكن العديد منها أصبح يعاني من تناقص عددي كارثي1. ويصعِّب التنقل المتكرر لهذه الأنواع من عملية تشخيص أسباب التناقص، ولذا.. نجد أنفسنا في حاجة إلى دراسات بيئية دؤوبة؛ لتحديد الأسباب بدقة في كل حالة على حدة1. وهنا يستعرض جيلوري وزملاؤه2 ـ في دراسة نشرتها دورية "إيكولوجي ليترز" Ecology Letters ـ بيانات تفسر بشكل عام لماذا يكون بعض الطيور المهاجرة مهددًا بالنقصان عن غيره. وقد أظهر الباحثون ـ من خلال تحليل 340 نوعًا من الطيور المهاجرة ـ أن الأنواع التي تتتشر بشكل واسع في غير موسم التزاوج، مقارنةً بانتشارها المقترن بالتزاوج، لا تتعرض أعدادها للتناقص، مقارنةً بتلك التي تتبع نمطًا محددًا من الانتشار خارج موسم التزاوج.

المسافات التي تقطعها بعض الطيور المهاجرة مذهلةً، فطائر الغابة المغرد Setophaga striata هو أحد الطيور الذي يزن 12 جرامًا فقط، ويطير مسافة قدرها 2,500 كيلومتر بلا توقف فوق المحيط المفتوح، في هجرته التي يقطعها من غابات نصف الكرة الشمالي إلى شمال أمريكا الجنوبية3، بينما يطير طائر البقويقة مخطط الذَّيل Limosa lapponica مسافة 12,000 كيلومتر بلا توقف فوق المحيط الأطلنطي من ألاسكا، حتى نيوزيلندا4، وتغطي طيور الخرشنة الفردوسية القطبية Sterna paradisaea مسافة تُقَدَّر بثلاثة أضعاف مسافة الذهاب والإياب من الأرض إلى القمر أثناء فترة حياتها5.

وتعتمد هذه الرحلات المدهشة على توافر أماكن الوصول المناسبة، فطائر الكروان نحيل المنقار Numenius tenuirostris ـ الذي قارب على الانقراض الآن ـ هاجر من أماكن تكاثره في سيبيريا إلى مناطق صغيرة في شمال أوروبا وجنوب أفريقيا، بعد أن تناقصت أماكن استقراره الشتوي الملائمة تناقصًا سريعًا خلال تحوُّل الأراضي البرية الرطبة إلى أراضٍ مزروعة6. ومن المحتمَل أن يمثل هذا الطائر أول حالة انقراض لطائر أوروبي منذ اختفاء6 طائر الأوك العظيم Pinguinus impennis في منتصف القرن التاسع عشر.

وهناك أكثر من 1,200 نوع من الطيور المهاجرة في العالم، وكثير منها قد يتضاءل عدده، إلى أن يندر أو ينقرض، قبل أن نعرف السبب. وخلافًا لهذا الشك العلمي، فلا بد من المسارعة الفورية في إجراءات الحفاظ على تلك الطيور7، التي أعاق تخطيطها عدم التوصل إلى الأسباب العامة لانخفاض أعداد الطيور الهائل.

 بالرغم من أن هذا النوع من الطيور ـ الذي يعاني تناقصًا في أعداده ـ يتكاثر في مساحات واسعة ممتدة عبر أوروبا، إلا أنه يقضي موسم عدم التزاوج في منطقة صغيرة نسبيًّا في غرب ووسط أفريقيا. وقد وجد جيلروي وزملاؤه2 أن نمط الهجرة محدود الانتشار يرتبط بانخفاض أعداد هذه الطيور.

كبر الصورة


يشمل تحليل قاعدة بيانات مجموع الطيور على مستوى أوروبا 340 نوعًا من الطيور. وقد اختبر جيلوري وزملاؤه افتراضات عديدة حول سبب انخفاض أعداد حوالي %36 من أنواع الطيور الأوروبية المهاجرة، ليتبينوا أن النطاقات غير المخصصة للتكاثر لحوالي %40 من الأنواع محل الدراسة أكبر من النطاقات المخصصة التكاثر، وهو ما أطلق عليه الباحثون "هجرة واسعة الانتشار" high migratory dispersion. وقد وجد الباحثون أن هذه الأنواع أقل عرضة لانخفاض أعدادها، لدى أخذ العوامل الأخرى في الحسبان، مثل تأثير مسافة الهجرة، واستخدام الموائل، ونطاق البيئة المناخية. فعلى سبيل المثال.. يتكاثر طائر نقشارة الغاب Phylloscopus sibilatrix (الشكل رقم 1) في أجزاء واسعة من أوروبا، من بريطانيا حتى أوكرانيا، لكنه يعيش في موسم عدم التزواج في منطقة صغيرة نسبيًّا، تقع بين غرب ووسط أفريقيا، ويتناقص هذا النوع بمعدل سريع. وعلى النقيض من ذلك.. يعيش الطائر المغرد Acrocephalus scirpaceus في توزيع مماثل لطائر نقشارة الغاب، لكنه ينتشر في موسم عدم التزاوج في كل أنحاء منطقة جنوب الصحراء الكبرى لأفريقيا، ولذا.. نجد أن أعداده مستقرة، أو في تزايد. ويُعَدّ هذا الاختلاف في استراتيجية الهجرة مؤشرًا ممتازًا من حيث قدرته على التنبؤ بمدى التناقص في أعداد الطيور، ويتسق مع المخاوف المتزايدة بشأن تأثير عوامل التصحر، وفقدان الموائل، وتدهور أماكن المعيشة الشتوية للطيور المهاجرة الأوروبية على بداية موجة جديدة من التناقص في أعداد الطيور7.

بعض الطيور لا يُظْهِر هذا السلوك من الهجرة الكلية ذهابًا وإيابًا من الموطن الأصلي، كما تفعل الطيور المغردة التي تقطع رحلتها كاملة نحو أفريقيا، لكنها تُوجَد بدلًا من ذلك طيلة العام في بعض المناطق داخل نطاق الأماكن المخصصة لتكاثرها. وقد كشف جيلوري وزملاؤه أن هذه الطيور التي تقوم بالهجرة الجزئية أقل عرضة للتناقص بشكل ملحوظ من تلك الطيور التي تقوم بالهجرة الكلية، مما يشير إلى ميزة واضحة لهذه الاستراتيجية.

كما رصدت الدراسة واسعة النطاق التي قدَّمها جيلوري وزملاؤه بعض العوامل الأخرى المؤثرة على مجموع أعداد الطيور المهاجرة. وقد وجدوا أن التناقص في الأعداد واضح في الطيور ذات المواطن المعينة (التي تسكن بعض أنواع المزارع)، والأنواع ذات الأجسام الصغيرة، وتلك الطيور التي لم تغير تاريخ وصولها الموسمي في أوروبا بين عام 1960 و2006 لبدء عملية التكاثر، استجابة للقدوم المبكر لفصل الربيع. وقد ينتج هذا التأثير الأخير عن أنواع الطيور المتأقلمة مع المناخ8، على الرغم من احتمال أن تُوجَد أنواع الطيور التي لا تتناقص أعدادها لأسباب أخرى في عشائر ذات تنوع كبير في مواعيد الوصول، بحيث يعمل الانتقاء الطبيعي لصالحها.

وهناك حاجة إلى دراسة أنواع تصنيفية أخرى، ومناطق جغرافية مختلفة؛ للقيام بتعميم هذه النتائج، لكن حاليًّا تُعتبر نتائج هذا البحث خطوة كبيرة إلى الأمام في طريق توقُّع الاحتياج إلى القيام بإجراء للحفاظ على أنواع الطيور المهاجرة في العالم، من خلال الاعتماد على خرائط توزيع أماكنها الموسمية. وتقوم وسائل التكنولوجيا الحديثة المستخدَمة مثل الشبكة المكونة من 300 برج من أبراج القياس الآلى عن بُعْد في جميع أنحاء أمريكا الشمالية، كجزء من مشروع9 "موتَّس" Motus بتغيير معرفتنا بمسارات هجرة الطيور، والتحليل الدقيق للتهديدات المتوقعة خلال الدورة الموسمية للأنواع المهاجرة10، مما يفتح لنا سبلًا للتخطيط لإجراءات فعّالة للحفاظ على هذه الطيور.

ومع هذا.. فإن المزيد من البيانات ليس كافيًا وحده لإنقاذ الأنواع المهاجرة. وقد شرعت المبادرات والاتفاقيات الطموحة الدولية منها والإقليمية للحفاظ على البيئة ـ مثل اتفاقية المحافظة على الأنواع المهاجرة من الحيوانات البرية، وخطة العمل الأفريقية الأوروبية الآسيوية للطيور الأرضية المُهاجرة، والمشارَكة الأسترالية الشرق آسيوية لحماية مسار الطيور ـ في جَنْي ثمار التعاون المشترك في الحفاظ على البيئة، وذلك بسبب الاعتماد الشديد لكثير من الطيور المهاجرة على مناطق صغيرة في نقطة محددة خلال دورة هجرتها، مما يجعل الإجراءات الذكية الموجَّهة فعالة في زيادة الأنواع التي تعاني انخفاضًا في أعدادها.

  1. Wilcove, D. S. & Wikelski, M. PLoS Biol. 6, e188 (2008).

  2. Gilroy J. J., Gill, J. A., Butchart, S. H. M., Jones, V. R. & Franco, A. M. A. Ecol. Lett. 19, 308–317 (2016).

  3. DeLuca, W. V. et al. Biol. Lett. 11, 20141045 (2015).

  4. Gill, R. E. et al. Proc. R. Soc. B 276, 447–457 (2009).

  5. Egevang, C. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 107, 2078–2081 (2010).

  6. Clare, H. Orison for a Curlew (Little Toller, 2015).

  7. Kirby, J. S. et al. Bird Conserv. Int. 18, S49–S73 (2008).

  8. Møller, A. P., Rubolini, D. & Lehikoinen, E. Proc. Natl Acad. Sci. USA 105, 16195–16200 (2008).

  9. http://motus-wts.org

  10. Rushing, C. S., Ryder, T. B. & Marra, P. P. Proc. R. Soc. B 283, 20152846 (2016).