تأبين

مارفـن لي مينسـكي (2016–1927)

أحد الآباء المؤسسين للذكاء الاصطناعي.

باتريك هنري ونستون
  • Published online:

لم يكن مارفن لي مينسكي يطيق أولئك الذين شكَّكوا في إمكانية أن تكون الحواسيب ذكية بقدر ذكاء البشر، أو أذكى. ففي أواخر الخمسينات، واستكمالًا لعمل آلان تورينج، وبالتعاون مع علماء الحاسب: جون مكارثي، وهربرت سيمون، وآلان نويل، بدأ مينسكي العمل الذي حدا بالجميع إلى اعتبار تلك المجموعة مؤسِّسة لمجال الذكاء الاصطناعي. ولولا عزيمتهم القوية، لما كان لهذا التقدم أن يحدث.

وُلد مينسكي ـ الذي تُوفي في 24 يناير الماضي ـ في مدينة نيويورك في عام 1927. وبعدما خدم في البحرية الأمريكية في الحرب العالمية الثانية، حصل مينسكي على شهادة جامعية في الرياضيات عام 1950 من جامعة هارفارد في كمبريدج، ماساتشوستس، حيث أثار إعجاب عالِم الرياضيات أندرو جليسون بإثباته نظريات النقطة الثابتة في الطوبولوجيا. وأثناء دراسته لنيل الدكتوراة في آلات التعلم بجامعة برينستون في ولاية نيوجيرسي، قام مينسكي بإنشاء آلة من هذا النوع، مستخدِمًا الصمامات المفرغة، والمحركات.

Courtesy of Minsky family


وبعد حصوله على درجة الدكتوراة، أوصى علماء الرياضيات البارزين.. جون فون نيومان، ونوربرت وينر، وكلود شانون بتعيينه عضو هيئة تدريس في جامعة هارفارد. وفي ذلك الوقت، أثارت كيفيةُ عمل الدماغ فضولَ مينسكي، ولكنه كان مُحبَطًا بسبب جوانب القصور في المجاهر التقليدية، التي لا تعطي صورًا واضحة للأنسجة العصبية السميكة المشتِّتة للضوء. وقد أدَّى ذلك إلى اختراعه المجهر الماسح مُتَّحِد البؤر، الذي يَستخدِم عدسات لتركيز الضوء على أجزاء صغيرة من العيِّنة بشكل متتالٍ.

في أواخر الخمسينات، أَسَّس مع مكارثي مجموعة بحثية، أصبحت تُعرف فيما بعد بمختبَر الذكاء الاصطناعي، وذلك في معهد ماساتشوستس للتقنية في كمبريدج. وفي عام 1961، نشر مينسكي ورقته البحثية الشهيرة «خطوات نحو الذكاء الاصطناعي»، (M. Minsky Proc. IRE 49, 8–30; 1961)، التي استنفرت هِمَم جيل من الباحثين. توافد العلماء إلى مختبر مينسكي؛ لمواجهة التحدي المتمثل في فهم طبيعة الذكاء، وتطبيع الحواسيب بها. استفاد العلماء من حكمة مينسكي، واستمتعوا برؤاه، وتحليلاته السريعة كالبرق، وبديهته الحاضرة العبقرية.

رأى طلابه في أنفسهم جزءًا من ثورة علمية. وساعدوا مينسكي في تطوير نظريات عالية المستوى حول الكيفية التي يمكن بها للبرمجيات التعرُّف على هياكل مصنوعة من مكعبات ألعاب الأطفال، وإجابة أسئلة عن قصص مكتوبة للأطفال، والخروج بأحكام عامة، انطلاقًا من أمثلة منفردة، والتحلِّي بالحسّ السليم.

كان مختبره مدينة فاضلة، تسودها المساواة. ولم يكن مينسكي يكترث بالشكل، أو الجنس، أو السن، أو الوجاهة. كان اهتمامه يتركز فقط على الأفكار والقدرات. وكثيرًا ما كان مينسكي وزوجته جلوريا يرحبان بالطلاب في منزلهما، حيث امتلك عددًا من أجهزة البيانو، تشير إلى معجزة مينسكي الموسيقية، وقدرته على ارتجال مقطوعات فريدة.

كان من الصعب الاستحواذ على اهتمام مينسكي لفترة طويلة، فكان كلما شرحتُ له فكرة؛ تَجاوَزني، بعد أن يكون قد استوعب الموضوع كله في ثوان، بعد بضع جُمَل مِنِّي. وفي إحدى المرات، طرحت عليه فكرة أنه إذا حدث وقمنا بإنتاج آلات ذكية حقًّا، فينبغي علينا القيام بالكثير من عمليات المحاكاة، قبل أن نسمح لها بالانطلاق في عالمنا كما تشاء، وذلك للتأكد من أنها ليست خطرة. عندها، قال مينسكي: «وهل نمثل نحن المحاكاة؟»، مخمِّنًا ما ستنتهي إليه فكرتي، وأضاف: «لن تكون نهاية جميلة جدًّا. أليس كذلك؟».

قام مختبر مينسكي ببناء روبوتات غير مسبوقة، وبإنتاج برامج ثورية. اخترع ذراع روبوت تتمتع بحُرِّيَّة حركة تصل إلى 14 درجة. كان يرى أن استكشاف الفضاء، وموضوع معالجة المواد النووية سيكونان أسهل بمساعدة أذرع ميكانيكية يُتحكم فيها عن قُرْب بواسطة الحاسب، أو عن بُعْد بواسطة البشر. كما تنبأ بإجراء الجراحات المجهرية بواسطة جَرّاحِين يستخدمون أنظمة تنفيذ الجراحة عن بعد.

وفي أواخر الستينات، عمل مينسكي مع عالِم الرياضيات بمعهد ماساتشوستس للتقنية ـ سيمور بابيرت ـ على رياضيات «البيرسيبترونات» perceptrons، وهي شبكات عصبية بسيطة؛ ليريا ما يمكنها فِعْله، وما لا يمكنها فعله؛ مما أدى إلى رفع مستوى البحوث التي تدور حول الآليات المستوحاة من الشبكات العصبية. وفي السبعينات وأوائل الثمانينات، تعاوَن مينسكي وبابيرت في تطوير نظريات للذكاء، ومداخل راديكالية للتعليم المبكر، ركَّزَت على تعليم الأطفال البرمجة باستخدام لغة «اللوجو».

وفي منتصف السبعينات، استحدث مينسكي مفهوم «الإطارات»، باعتباره وسيلة لوصف الكيانات والحالات، وتمثيلها بواسطة ما يشبه القوالب. وعلى سبيل المثال.. فالإطار الذي يصف حفل عيد ميلاد شخص ما سيتضمن خانة للشخص المحتَفَل به، وعمره، وقائمة بالهدايا التي تَلَقّاها، مع خانات للوقت والمكان، تنبثق كلها عن إطار «الاحتفال». كما قام أيضًا بتطوير فكرة خطوط المعرفة «K-lines»؛ لمعالجة المسائل المتعلقة بكيفية تمثيل المعلومات، وتخزينها، واسترجاعها، واستخدامها في الدماغ. كان مينسكي يرى أن خطوط المعرفة تساعدنا في حل المشكلات التي تواجهنا، وذلك بوضعنا من جديد في حالات ذهنية تشبه تلك التي كنا فيها عندما كنا نواجه مشكلات مشابهة في السابق.

وفي عام 1985، قام مينسكي بجمع تلك الأفكار ـ وغيرها الكثير ـ في كتاب بعنوان «مجتمع العقل»، (الناشر: سايمون آند شوستر). يقول مينسكي في الكتاب إن الذكاء ينشأ عن تضافر عدة عوامل، ليس أيٌّ منها ذكيًّا في حد ذاته. وفي عام 2006، نشر مينسكي كتابه «آلة العاطفة»، (الناشر: سايمون آند شوستر)، وهو كتاب عن الذكاء، والإبداع، والعاطفة، والوعي، والحس السليم. ويهيمن «التعدد» على الطابع العام للكتاب؛ فهو يشير ـ على سبيل المثال ـ إلى أن مفاهيم معينة، مثل الذكاء، تُعَدّ «كلمات فضفاضة»، بمعنى أننا نستطيع حشوها بمعانٍ كثيرة. ويقول إن ذكاءنا، وسِعَة حيلتنا ينشآن من استخدام طرق عديدة للتفكير على مستويات متعددة؛ للتعبير عن المعرفة.

مِن المفارَقات التي لاحظها مينسكي في السنوات الأخيرة، أن المشكِّكين في إمكانية تحقُّق الذكاء الاصطناعي أصبحوا قَلِقِين مِن عواقبه. وكان يرى أنه لم يتحقق تَقَدُّم تقني يبرر هذا التغير في المواقف، مُرْجِعًا النجاحات التي حققها الذكاء الاصطناعي مؤخرًا إلى تزايد سرعة الحواسيب. وقد أعرب عن اعتقاده بأنه لم يتم إحراز تَقَدُّم حقيقي كبير في هذا المجال لعدة عقود، ولكنه ـ مع ذلك ـ لم يكن يساوره شك في أن أعظم إرث لجنسنا البشري سيكون الحواسيب الذكية التي نصنعها.

تُعَدّ أحاديث مينسكي، وأوراقه البحثية، وكُتُبه بمثابة مناجم من الألماس. وستحتاج تلك الثروة إلى عقود؛ لفحصها، وصقلها، وسوف تبقى مصدر إلهام للباحثين لعقود قادمة.