تحقيق إخباري

ما بعد قانون مور

قريبًا.. يتخلَّى قطاع صناعة أشباه الموصلات عن التزامه بقانون «مور».. وهنا تبدأ الإثارة.

إم. ميتشيل وَالْدروب
  • Published online:

Rebecca Mock


كان من المتوقَّع أن يعلن رسميًّا قطاع صناعة أشباه الموصلات حول العالم في فبراير الماضي الحقيقة التي أخذت تتضح تدريجيًّا أمام كل الجهات والأطراف المعنية، وهي اقتراب قانون «مور» من نهايته، وهو القانون الذي تدين له بالفضل ثورة تكنولوجيا المعلومات التي بدأت في الستينات.

ينص قانون «مور» على أن عدد الترانزستورات الموجودة في شريحة معالِج دقيق يتضاعف كل عامين تقريبًا، ما يعني تضاعف أدائها أيضًا؛ وهو المبدأ العام المهيمن على مجال الحوسبة. وقد أسفر ذلك عن تحول أجهزة الكمبيوتر المنزلية الأولية في السبعينات إلى أجهزة الثمانينات والتسعينات المعقدة والمتطورة، ثم ظهور شبكة الإنترنت عالية السرعة، وكذلك الهواتف الذكية، والسيارات الموصَّلة بالكهرباء، والثلاجات، ومنظمات الحرارة، المنتشرة الآن بكثرة.

إنّ ذلك لم يكن ضروريًّا، إذ اختار مصنِّعو الشرائح الإلكترونية طواعية الالتزام بقانون «مور». وفي كل مرحلة كان مطوِّرو البرمجيات يأتون بتطبيقات تستهلك إمكانات الشرائح الإلكترونية المتوفرة كلها؛ ثم يطالب المستهلكون بالمزيد؛ فيسارع المصنِّعون بتلبية طلباتهم بإنتاج جيل جديد من الشرائح. ومنذ التسعينات، يُطْلِق قطاع صناعة أشباه الموصِّلات خريطة طريق بحثية جديدة كل سنتين، لتنسيق عمل مئات المصنِّعِين والمورِّدين، لضمان مواكبة أعمالهم لقانون مور؛ ويُطلَق على تلك الاستراتيجية أحيانًا «المزيد من قانون مور». وبشكل كبير، بفضل هذه الخريطة، استطاعت أجهزة الحاسب تطوير إمكاناتها وأدائها وفقًا للقانون، من أجل مواكبة المطالب المضاعفة.

لم يدم ذلك طويلًا، فقد بدأت مسألة التضاعف في التعثر، بسبب الحرارة التي تنبعث حتمًا إثر تزاحم المزيد من دوائر السيليكون في مساحة صغيرة، كما ظهرت في العشر سنوات الأخيرة قيود أساسية أخرى. فالمعالجات الدقيقة الأحدث الآن تحتوي على دوائر إلكترونية، يبلغ عرضها 14 نانومترًا، أي أصغر من معظم الفيروسات، إلا أنه بحلول العشرينات من القرن الحالي، حسب قول باولو جارجيني ـ رئيس المنظمة المسؤولة عن وضع خريطة الطريق ـ «حتى مع الجهود الدؤوبة الضخمة، سنصل إلى حد 2-3 نانومتر، حيث سيكون عرض الدوائر 10 ذرات فقط. فهل يسمى هذا جهازًا أصلًا؟» على الأرجح، لا.. فعند هذا المستوى، تخضع حركة الإلكترونات لشكوك كمية، تجعل من الصعب الاعتماد على الترانزستورات. ورغم الجهود البحثية الحثيثة، لم يظهر بعد بديل واضح للتكنولوجيا المعتمِدة على السيليكون المستخدَمة اليوم.

ولأول مرة، تقوم خريطة الطريق الجديدة بوضع خطة للبحث والتطوير، لا تتمركز حول قانون «مور»، لكنها تتبع بدلًا منه استراتيجية، يمكن تسميتها «ما بعد قانون مور». فبدلًا من تحسين الشرائح الإلكترونية، ثم تطوير تطبيقات مناسبة لها، تبدأ الاستراتيجية بتطوير التطبيقات ـ بدءًا من الهواتف الذكية والحواسيب الفائقة، حتى مراكز البيانات في السحابة الحاسوبية ـ ثم العمل نحو تحديد الشرائح الإلكترونية المناسِبة لدعمها. ومن بين هذه الشرائح ستظهر أجيال جديدة من أجهزة الاستشعار، ودوائر إدارة استهلاك الطاقة، وغيرها من الأجهزة الإلكترونية المطلوبة في عالم تتحول فيه نظم الحوسبة الآن بشكل متزايد لأنْ تصبح متنقلة.

إن هذا التغير في المشهد قد يؤدي بدوره إلى كسر عادة توحيد الصف نحو اتباع قانون مور في هذا القطاع. يقول دانْيِل ريد، عالم الكمبيوتر ونائب رئيس الأبحاث بجامعة آيوا في مدينة آيوا: «يجد الجميع صعوبة في فهم ما تعنيه خريطة الطريق حقًا». فقد أعلن بالفعل اتحاد صناعة أشباه الموصلات «SIA» في واشنطن العاصمة، الذي يمثل كبرى الشركات الأمريكية، أنه سيتوقف عن المشاركة في جهود رسم خريطة الطريق فور صدور التقرير، وسيركز على أجندة البحث والتطوير الخاصة به.

يتفق الجميع على أن خفوت نجم قانون «مور» لا يعني نهاية مسار التطور في هذا المجال. ويقول ريد: «فلنتذكر ما حدث في قطاع صناعة الطائرات.. فطائرة بوينج طراز 787 ليست أسرع مما كان عليه طراز 707 في الخمسينات، لكنهما مختلفان تمامًا»، وذلك لوجود ابتكارات جديدة متفاوتة، بدءًا من أجهزة التحكم الإلكتروني الكامل، حتى الهيكل المصنوع من ألياف الكربون. وهو ما سيحدث في أجهزة الكمبيوتر، كما يقول: «بكل تأكيد سيستمر الابتكار، لكنه سيكون أكثر دقة، وأكثر تعقيدًا».


تنحية القانون جانبًا

استهل جوردون مور مقاله1 الذي نشره في عام 1965 ـ وكان سببًا في شهرته ـ بالتأمل فيما يمكن عمله بالدوائر المتكاملة، التي كانت وقتها تقنية حديثة للغاية. فحين كان مديرًا للأبحاث بشركة «فيرتشايلد» لأشباه الموصلات بسان هوزيه في ولاية كاليفورنيا، تنبَّأ مور بظهور عدة ابتكارات عجيبة في المستقبل، كأجهزة الكمبيوتر المنزلية، وساعات اليد الرقمية، والسيارات الآلية، و«معدات الاتصال الشخصي المحمولة»، أو الهواتف المحمولة، كما نعرفها الآن، لكن أهم ما في المقال كان محاولته تحديد إطار زمني لظهور تلك الابتكارات. ولقياس القدرة الحاسوبية للمعالِج الدقيق، اتجه مور نحو الترانزستورات، وهي مفاتيح التشغيل والإيقاف التي تجعل من عملية الحوسبة عملية رقمية. وبناء على إنجازات شركته والشركات الأخرى في السنوات القليلة السابقة لذلك، قدَّر مور أن عدد الترانزستورات وغيرها من المكونات الإلكترونية في كل شريحة يتضاعف كل عام.

اتضح فيما بعد أن مور ـ الذي شارك لاحقًا في تأسيس شركة «إنتل» في مدينة سانتا كلارا بكاليفورنيا ـ قد أساء التقدير. وفي عام 1975، عدَّل تقديراته إلى عامين2؛ لتصبح أكثر واقعية. وقد كان له رؤية ثاقبة، إذ بدأت توقعاته للمستقبل في التحقق في السبعينات والثمانينات مع ظهور المنتجات الاستهلاكية المزوَّدة بمعالجات دقيقة، مثل آلات الحاسبة اليدوية «هيوليت باكارد»، وكمبيوتر «آبل آي آي»، وكمبيوتر «آي بي إم» الشخصي. ولم يلبث أن زاد الإقبال على مثل هذه المنتجات بصورة هائلة، وانخرط المصنِّعون في منافسة حامية؛ لتوفير شرائح بقدرات أكبر، وبأحجام أصغر (انظر: «إرث مور المعرفي»)، إلا أن ذلك كان مكلفًا للغاية، فتحسين أداء المعالجات الدقيقة يتطلب تصغير عناصر دوائرها الإلكترونية، حتى يمكن وضع المزيد من الدوائر في الشريحة نفسها؛ ما يُمَكِّن الإلكترونات من الحركة فيما بينها بشكل أسرع. وبدوره، تَطَلَّب ذلك إجراء تعديلات كبيرة في تكنولوجيا الليثوغرافيا الضوئية، وهي التقنية الأساسية المستخدَمة في تثبيت تلك العناصر المجهرية على سطح مصنوع من السيليكون، إلا أن الازدهار الكبير والرواج الهائل للفكرة جعل الشركات لا تكترث كثيرًا للعناء المصاحِب للأمر، وبدأت دورة من التعزيز الذاتي في هذا القطاع. كانت الشرائح الإلكترونية متنوعة جدًّا، فعَزَم المصنِّعون على تصنيع أنواع قليلة فقط، انحصرت في معظمها على المعالجات وشرائح الذاكرة، وبيعها بكميات هائلة؛ ما دَرَّ عليهم أرباحًا كانت كافية لتغطية تكاليف تحديث وتطوير منشآت التصنيع الخاصة بهم (أو ما يُسمى fabs)، وكذلك خفض الأسعار. وبدوره، أدَّى ذلك إلى زيادة الطلب عليها أكثر وأكثر.

كبر الصورة


وسرعان ما اتضح أن هذه الدورة الخاضعة لمتطلبات السوق لن تستطيع وحدها اللحاق بالإيقاع اللاهث لقانون مور، إذ أصبحت عملية تصنيع الشرائح الإلكترونية عالية التعقيد، متضمنة عادةً مئات من المراحل. وهو ما كان يعني أن تصغير الحجم أكثر يتطلب شبكة أكبر من مورِّدي المواد الخام ومصنِّعي الأدوات، لإتمام التحسينات المطلوبة في الوقت المناسب. ويصف صعوبة الأمر عالِم الاقتصاد كينيث فلام، الذي يدرس صناعة الكمبيوتر في جامعة تكساس في مدينة أوستن، قائلًا: «إذا كنتَ تحتاج 40 أداة من الأدوات، وكان لديك 39 منها فقط؛ فسيتوقف كل شيء».

ولتحقيق هذا التنسيق، وضع القطاع أول خريطة طريق له. يقول جارجيني إن الفكرة تتلخص في «أن يدرك الجميع بشكل تقريبي إلى أين يتجهون، ويمكنهم التحذير من أيّ عقبات يرونها في الطريق المرسوم». بدأ قطاع صناعة أشباه الموصلات الأمريكي في وضع خريطة الطريق في عام 1991، بمشاركة مئات من المهندسين من شركات عدة في إعداد التقرير الأول، والنُّسَخ اللاحقة منه، وبرئاسة جارجيني، الذي كان حينها يشغل منصب مدير استراتيجية التكنولوجيا في شركة «إنتل». وفي عام 1998، تحولت تلك الجهود إلى «خريطة الطريق الدولية التكنولوجية لأشباه الموصلات»، بمشاركة جهات مرتبطة بهذا القطاع الصناعي في أوروبا، واليابان، وتايوان، وكوريا الجنوبية. وبما يتفق مع النهج الجديد، سيُطلق على تقرير العام الحالي اسم «خريطة الطريق الدولية للأجهزة والأنظمة».

يقول فلام: «كانت تجربة مثيرة بشكل مدهش. وعلى حد علمي، لا يوجد شيء مماثل في أي قطاع صناعي آخر، حيث يجتمع كل المصنِّعين والمورِّدين للتفكير فيما سيفعلونه في المستقبل». ومن الناحية العملية، أدَّت خريطة الطريق الموضوعة إلى تحويل قانون «مور» من مجرد ملاحظة مبنية على تجارب، إلى نبوءة تتحقق ذاتيًّا؛ فالشرائح الجديدة تَبِعَت القانون، لأن القطاع بأكمله حرص على التأكد من ذلك. ويقول فلام أن كل شيء كان يسير على ما يرام.. لكن ذلك لم يستمر.


التخلص من الحرارة

كانت العقبة الأولى متوقعة، إذ حذر منها جارجيني وغيره منذ عام 1989، إلا أن وطأتها كانت شديدة رغم ذلك.. وهي كون المكونات أصبحت صغيرة للغاية.

يقول بيل بوتومز، رئيس مجلس إدارة شركة «ثيرد ميلينيوم تيست سولوشانز» (Third Millennium Test Solutions)، القائمة على تصنيع المعدات في مدينة سانتا كلارا: «في السابق، كنا كلما صغرنا الحجم يتحسن الوضع بشكل تلقائي.. تعمل الشرائح بشكل أسرع وتستهلك كهرباء أقل». لكن مع بداية الألفية الثانية، عندما قلّ حجم المكونات عن 90 نانومتر، لم يعد يحدث هذا التحسن التلقائي. فمع تزايد سرعة حركة الإلكترونات بين دوائر السيليكون التي يصغر حجمها بشكل مستمر، تزيد حرارة الشرائح بشكل كبير.

كانت تلك مشكلة جوهرية؛ فالحرارة يصعب التخلص منها، ولا يريد أحد أن يشتري هاتف محمول يحرق يده. لذا اتجه المصنعون نحو الحل الوحيد أمامهم، كما يقول جارجيني. بدايةً، توقفوا عن محاولة رفع معدلات الساعة، أي مدى سرعة تنفيذ المعالجات الدقيقة للأوامر التي تتلقاها؛ ما نجح في وضع حد لسرعة حركة الإلكترونات في الشرائح، كما حد من قدرتها على توليد الحرارة؛ ولم تتغير معدلات الساعة القصوى منذ عام 2004.

للإبقاء على إلتزام الشرائح بمنحنى الأداء تبعًا لقانون مور رغم الحد من السرعة، قام المصنعون بعد ذلك بإعادة تصميم الدوائر الكهربية الداخلية، بحيث لم تعد تحتوي كل شريحة على معالج واحد، أو «نواة»، بل اثنين أو أربعة أو أكثر (المعتاد اليوم في أجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة أن تحتوي كل شريحة على أربعة معالجات أو ثمانية). يقول جارجيني أنه، نظريًا، «من خلال أربع نويات تعمل بسرعة 250 ميجاهيرتز تستطيع أن تحصل على نفس النتيجة التي تحصل عليها باستخدام نواة واحدة تعمل بسرعة 1 جيجاهيرتز». لكن فعليًا، يعني استخدام ثمانية معالجات أنه يجب تقسيم المشكلة إلى ثمانية أجزاء، ما يعتبر بالنسبة للعديد من الخوارزميات أمرًا شبه مستحيل. «والجزء الذي لن تتمكن من موازاته، سيحد من تحسّن الآداء»، كما يقول جارجيني.

حتى في هذه الحالة، بالجمع مع التصميمات الجديدة المبتكرة لتعويض تسرب الإلكترونات وغيرها من التأثيرات، مكّن الحلّان مصنعو الشرائح من الاستمرار في تقليص دوائرهم الإلكترونية مع إبقاء أعداد الترانزستورات في توافق مع قانون مور. والسؤال الآن هو: ماذا سيحدث في بدايات العشرينات من القرن الحالي حين لا يصبح التصغير ممكنًا باستخدام السيليكون مع ظهور التأثيرات الكمية في المشهد؟ ما هي الخطوة التالية؟ «مازلنا نعافر»، يقول آن تشين، وهو مهندس كهربائي في شركة تصنيع الشرائح الدولية «جلوبال فاوندريز» Global Foundries في سانتا كلارا بكاليفورنيا، كما رأس لجنة مختصة بخريطة الطريق الجديدة، تعمل على البحث في هذه المسألة.

لا يرجع ذلك لنقص في الأفكار، فأحد الاحتمالات هو تبني نموذج جديد تمامًا، كالحوسبة الكمية التي تعد بزيادة سرعة بعض العمليات الحسابية بشكل كبير، أو الحوسبة العصبية التي تعمل على نمذجة عناصر المعالجة في الخلايا العصبية في المخ. لكن أي من هذه النماذج البديلة لم يخرج عن إطار المختبرات. ويرى الكثير من الباحثين أن الحوسبة الكمية ستوفر مزايا لتطبيقات محدودة فقط، لا للمهام اليومية التي تتفوق فيها الحوسبة الرقمية. ويتساءل جون شاف، رئيس أبحاث علوم الكمبيوتر بمختبر لورنس بيركلي القومي في بيركلي بكاليفورنيا: «ما المغزى من أن تقوم بعمل توازن كمي لدفتر شيكات؟»


الإختلافات المادية

من ناحية أخرى، هناك نهج مختلف لا يزال في الإطار الرقمي، هو السعي لإيجاد «مفتاح المللي فولت»، وهي مادة يمكن استخدامها في الأجهزة، تبلغ سرعتها على الأقل نفس سرعة نظيراتها المصنوعة من السيليكون؛ لكنها تولد حرارة أقل بكثير. وهناك العديد من المواد المرشحة لذلك، بدءًا من المركبات ثنائية الأبعاد الشبيهة بالجرافين، وحتى مواد الإلكترونيات المغزلية التي تقوم بعملية الحوسبة عن طريق قلب اتجاه دوران الإلكترونات بدلًا من تحريكها.. «هناك مساحة هائلة للبحث ستُكشف بمجرد خروجك من حدود التقنيات الموجودة حاليًا»، كما يقول توماس تايس، عالم الفيزياء الذي يدير مبادرة الإلكترونيات النانوية بمؤسسة أبحاث أشباه الموصلات (SRC)، وهي عبارة عن ائتلاف يقوم بتمويل الأبحاث، يقع في دورهام بولاية كارولينا الشمالية.

لكن للأسف لم ينجح أي مفتاح مللي فولت في الخروج من إطار المختبر، ما يترك أمامنا النهج المعماري فقط، الذي ينص على ما يلي: استمر في استخدام السيليكون، لكن قم بضبطه بطرق جديدة تمامًا. أحد الخيارات الشهيرة هو أن تتجه نحو الأبعاد الثلاثية، فبدلًا من حفر دوائر كهربية مسطحة على سطح رقاقة من السيليكون، قم ببناء ما يشبه ناطحات السحاب، عن طريق وضع عدة طبقات رقيقة من السيليكون فوق بعضها، يكون محفورا في كل منها دوائر إلكترونية دقيقة. من حيث المبدأ، يمكن لذلك أن يتيح وضع إمكانات حوسبية أكبر في نفس المساحة. لكن عمليًا، لا ينجح هذا الأمر الآن سوى في حالة شرائح الذاكرة، التي لا تعاني من مشكلة الحرارة؛ ذلك لأنها تستخدم الدوائر التي تستهلك الكهرباء في حال محاولة الوصول إلى خلية ذاكرة فقط، وهو أمر قليل الحدوث. أحد الأمثلة على ذلك هو تصميم مكعب الذاكرة الهجينة، وهو عبارة عن نحو ثماني طبقات من شرائح الذاكرة متراصة فوق بعضها، يعمل عليه الآن اتحاد صناعي أطلقته شركة سامسونج والشركة التي تعمل في صناعة شرائح الذاكرة Micron Technology، القائمة في بويسي بولاية ايداهو.

أما المعالجات الدقيقة فتمثل تحديًا أكبر، إذ أن رص طبقات من العناصر الساخنة فوق بعضها يرفع من حرارتها. وأحد طرق التغلب على ذلك هو التخلص من شرائح الذاكرة والمعالجات الدقيقة المنفردة، ومن ثم التخلص من الكم الهائل من الحرارة –%50 منها على الأقل – التي تولدها حركة تنقّل البيانات مجيئًا وذهابًا بين الشريحتين. فبدلًا من رص الطبقات، يتم دمج المعالجات الدقيقة في هيكل واحد نانوي مرتفع.

إلا أن ذلك أمر مخادع بعض الشيء.. يختلف الجيل الحالي من المعالجات الدقيقة وشرائح الذاكرة بدرجة كبيرة عن بعضه، حتى أنه لا يمكن تصنيعهم جميعًا بنفس المعدات، ويحتاج وضعها فوق بعضها عملية إعادة تصميم كاملة لبِنْيَة الشريحة الإلكترونية. وتأمل مجموعات بحثية عديدة في أن تنجح في ذلك. ومن ثم، قام المهندس الكهربائي سوباسيش مترا وزملاؤه بجامعة ستانفورد في كاليفورنيا بتطوير تصميم هجين، يقوم بِرَصّ وحدات الذاكرة فوق بعضها، مع ترانزستورات مصنوعة من أنابيب نانوية كربونية، تنقل هي الأخرى التيار من طبقة إلى أخرى3. وتعتقد هذه المجموعة أن بوسع هذا التصميم أن يخفِّض الطاقة المستخدَمة، لتقلّ عن واحد في الألف من تلك التي تستخدمها الشرائح العادية.


نحو عالَمٍ متنقل

أما العقبة الثانية التي تقف أمام قانون مور فقد كانت مفاجئة بعض الشيء، لكنها ظهرت تقريبًا في نفس التوقيت الذي ظهرت فيه العقبة الأولى.. وهي التحول نحو الحوسبة المتنقلة.

فقبل خمس وعشرين عامًا، تحددت قدرات الحوسبة وفقًا لاحتياجات الحاسبات المكتبية والحاسبات النقالة، وكانت الحواسيب الفائقة ومراكز البيانات تستخدم المعالجات الدقيقة نفسها بشكل أساسي، لكن بأعداد أكبر بكثير. غير أن الحال تبدل تمامًا الآن، إذ أصبحت الحوسبة تتحدد بما تفعله الهواتف الذكية والحاسبات اللوحية المتطورة، ناهيك عن الساعات الذكية وغيرها من الأجهزة القابلة للإرتداء، والفورة الحادثة في أعداد الأجهزة الذكية الخاصة بكل شيء، بدءًا من الجسور وحتى جسم الإنسان. وتختلف أولويات تلك الأجهزة المتنقلة بشكل كبير عن أولويات الحاسبات الأخرى الثابتة.

لم تعد مواكبة قانون مور بالأهمية ذاتها، كما في السابق. ويعود ذلك إلى انتقال التطبيقات والبيانات المتنقلة بشكل كبير إلى شبكة عالمية من مجموعات من الخوادم، تُعرف باسم السحابة الحاسوبية. وتستحوذ مجموعات الخوادم تلك في الوقت الحالي على سوق المعالِجات الدقيقة القوية المتطورة، التي تتبع قانون «مور». يقول ريد: «ما تقرِّر «جوجل» و«أمازون» شراءە يؤثر بشكل كبير على ما تقرِّر شركة «إنتل» فعله».

الأهم بالنسبة إلى الأجهزة المحمولة هو قدرتها على الاستمرار في العمل لفترات طويلة باستخدام طاقة البطارية، أثناء التفاعل مع الأجهزة المحيطة والمستخدمين؛ إذ تقوم الشرائح الإلكترونية في أي هاتف ذكي بإرسال واستقبال إشارات للمكالمات الصوتية والإنترنت اللاسلكي (Wi-Fi) والبلوتوث ونظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، مع استشعار اللمس والتقارب والتسارع والمجالات المغناطيسية، وحتى بصمات الإصبع. والأهم من ذلك.. يجب أن يتضمن الجهاز دوائر إلكترونية مخصصة الغرض لإدارة الطاقة بشكل جيد، حتى تمنع كل ذلك من استنزاف طاقة البطارية.

تكمن المشكلة التي تواجه مصنِّعي الشرائح الإلكترونية في عمل التخصص الجديد على هدم دورة التعزيز الذاتي الاقتصادية التي حافظت في السابق على استمرار قانون «مور». يقول ريد: «كان السوق يقوم على تصنيع أشياء قليلة مختلفة، وبيع الكثير منها.. أما السوق الجديدة، فتقوم على تصنيع أشياء كثيرة، وبيع بضع مئات الآلاف فقط من كل قطعة؛ ولذا.. ينبغي أن تكون تكلفة التصميم والتصنيع منخفضة جدًّا».

هاتان العقبتان تمثلان تحديًا مستمرًّا.. فمحاولة وضع تقنيتين، تم تصنيع كل منهما على حدة، لتعملا معًا بتناغم في جهاز واحد أشبه بالكابوس، على حد قول بوتومز، الذي رأس لجنة خريطة الطريق الجديدة، ويقول: «مكونات ومواد مختلفة وإلكترونيات ووحدات ضوئية وغير ذلك، نود جمعها مع بعضها.. فسيتطلب الأمر هياكل وتجارب محاكاة، ومفاتيح تشغيل جديدة، وما إلى ذلك من تقنيات».

أما بالنسبة إلى العديد من الدوائر الإلكترونية مخصصة الغرض، فلا تزال مسألة إعداد التصميم بطيئة ومكلّفة، إلا أن المهندس الكهربائي أليرتو سانجوفاني فينشنتيللي وزملاءە في جامعة كاليفورنيا في بيركلي يحاولون تغيير ذلك؛ فبدلًا من البدء من الصفر كل مرة، يرون أنه ينبغي على الناس إنتاج أجهزة جديدة، عن طريق مزج أجزاء كبيرة من الدوائر الإلكترونية الموجودة حاليًّا ذات الوظائف المعلومة4. يقول سانجوفاني فينشنتيللي: «الأمر أشبه بمكعبات ليجو».. إنه لتَحَدٍّ أن تحاول أن توفِّق المكعبات مع بعضها، لكن «إذا كنت ستستخدم أساليب التصميم القديمة؛ فستكون التكلفة عالية جدًّا».

ولا عجب في أن التكاليف تشغل بال مصنِّعي الشرائح الإلكترونية هذه الأيام. يقول بوتومز: «إن نهاية قانون مور ليست مسألة تقنية، بل هي مسألة اقتصادية»، فهناك شركات ـ خاصة شركة «إنتل» ـ لا تزال تحاول تقليص حجم المكونات، قبل اصطدامها بجدار التأثيرات الكمية، كما يقول، لكن «كلما قلَّصنا الحجم أكثر؛ ارتفعت التكاليف».

في كل مرة يتم فيها تقليص الحجم إلى النصف، يحتاج المصنِّعون إلى جيل جديد تمامًا من آلات الليثوغرافيا الضوئية الأدق. ويتطلب بناء خط تصنيع جديد اليوم استثمارات تبلغ مليارات من الدولارات، وهو ما لا يستطيع تحمُّله سوى بضع شركات فقط، كما أن عملية تجزئة السوق ـ التي تحفزها الأجهزة المتنقلة ـ تصعِّب من القدرة على استرجاع تلك الأموال فيما بعد. يقول بوتومز: «عند نقطة التحول القادمة، إذا ارتفعت تكلفة الترانزستور الواحد عن التكلفة الحالية؛ فستتوقف عملية التصغير تلك».

ويرى كثير من المراقبين أن القطاع الصناعي يقترب بشكل خطير من هذه النقطة بالفعل. يقول ريد: «أراهن على أن ما نملك من أموال سينفد قبل أن نستنفد كل قوانين الفيزياء المتاحة».

من المؤكد بالطبع أن ارتفاع التكاليف خلال العقد الماضي قد فرض توحيد الجهود بشكل كبير في مجال صناعة الشرائح الإلكترونية؛ إذ تنتمي غالبية خطوط الإنتاج في العالم الآن إلى حفنة نسبية من الشركات متعددة الجنسيات، مثل «إنتل»، و«سامسونج»، و«شركة تايوان لتصنيع أشباه الموصِّلات» في هسينشو. تملك هذه الشركات المصنِّعة العملاقة علاقات وثيقة مع الشركات التي تزودها بالمواد ومعدات التصنيع، فهم ينسقون فيما بينهم، ولم تعد خريطة الطريق مفيدة بالنسبة لهم. ويقول شين: «لا شك أن القدرة الشرائية لمصنِّعي الشرائح الآن أقل مما كانت عليه في السابق».

فمثلًا، ظلت شركة «إس آر سي» SRC ـ التي تقوم بدور الوكالة البحثية الخاصة بهذا القطاع في الولايات المتحدة ـ تقدِّم الدعم لخريطة الطريق لفترة طويلة، على حد قول ستيفن هيلينيوس، نائب رئيس الشركة.. «لكن إسهاماتها تلاشت منذ نحو ثلاث سنوات، إذ لم تر الشركات الأعضاء قيمة للأمر». والآن، تود شركة «إس آر سي» واتحاد صناعة أشباه الموصلات «SIA» فرض أجندة بحثية أساسية بمدى زمني أطول، وتأمين تمويل فيدرالي لها، في الغالب من خلال مبادرة البيت الأبيض الوطنية للحوسبة الاستراتيجية، التي أُطلقت في شهر يوليو من العام الماضي.

وتحدِّد هذه الأجندة ـ التي نُشرت في تقرير5 في شهر سبتمبر الماضي ـ ملامح التحديات البحثية المستقبلية.. فكفاءة استهلاك الطاقة أولوية ضرورية، خاصة في أجهزة الاستشعار الذكية المدمجة، التي تضم «إنترنت الأشياء»، التي ستحتاج إلى تكنولوجيا جديدة؛ كي تستمر في العمل دون بطاريات، باستخدام الطاقة المستخلَصة من الحرارة المحيطة والاهتزازات. كما أن القدرة على الاتصال أمر لا يقل أهمية؛ فهناك مليارات من أجهزة التجوال الحر تحاول التواصل مع بعضها البعض، وستحتاج السحابة الحاسوبية إلى سعة هائلة، يمكن الحصول عليها، إذا ما استطاع الباحثون التطرق إلى نطاق التيراهيرتز، الكامن في أعماق طيف الأشعة تحت الحمراء، الذي كان الوصول إليه يومًا ما غير ممكن. إن حماية البيانات مطلب أساسي، ويطالب التقرير بالبحث في طرق جديدة لتعزيز الحماية من الهجمات الإلكترونية وسرقة البيانات.

ستمنح هذه الأولويات وغيرها الباحثين الكثير من العمل خلال السنوات القادمة. ويشعر على الأقل بعض الخبراء من قلب القطاع بالتفاؤل، منهم شيخار بوركار، رئيس أبحاث المعالجات الدقيقة المتطورة في شركة «إنتل»، الذي يقر بأن قانون «مور» أوشك على نهايته بالفعل، لأنه لا يمكن أن تستمر أعداد الترانزستورات في الزيادة، على حد قوله، لكن من المنظور الاستهلاكي.. «ينص قانون «مور» على أن قيمة المستخدم تتضاعف كل عامين». لذا.. سيستمر القانون في البقاء، طالما استطاع المصنِّعون الاستمرار في إضافة وظائف جديدة في أجهزتهم.

إن الأفكار موجودة بالفعل، كما يقول بوركار.. و«مهمتنا هي تحويلها هندسيًّا إلى تصميمات فعلية».

  1. Moore, G. E. Electronics 38, 114–117 (1965).

  2. Moore, G. E. IEDM Tech. Digest 11–13 (1975).

  3. Sabry Aly, M. M. et al. Computer 48(12), 24–33 (2015).

  4. Nikolic, B. 41th Eur. Solid-State Circuits Conf. (2015); available at http://go.nature.com/wwljk7

  5. Rebooting the IT Revolution: A Call to Action (SIA/SRC, 2015); available at http://go.nature.com/urvkhw