عمود

حرفة كتابة الأوراق البحثية

إن الحصول على الموافقة الجماعية من الباحثين المشارِكين أمر حيوي في كتابة الأبحاث، حسب قول دميتري بادكر، وديريك جاكسون كيمبول.

  • دميتري بادك
  • بيركلي. ديريك جاكسون
  • Published online:

إن معظم مخطوطات البحوث العلمية في أي مكان اليوم يتراوح عدد الباحثين المشاركين فيها ما بين اثنين حتى عدة آلاف؛ فالإسهامات الضخمة ـ التي يمكن تعريفها بشكل عام بأنها تشمل أكثر من عشرين عضوًا ـ تؤسِّس عادة منهجيات لضبط كتابة المخطوطات، ولكن المجموعات الأقل عددًا غالبًا ما تقوم بتطوير قواعد الكتابة بطريقة مخصصة. ونتيجة لذلك.. فقد رأينا وشاركنا في عدد لا يُحصى من الإسهامات الصغيرة التي تعاني من هذه القضايا الأساسية، مثل تحرير مخطوطاتهم، واتخاذ القرارات فيما يتعلق بكتابة قائمة الباحثين. وفي هذا المقال نقدم بعض القواعد العامة لمجموعات العمل الصغيرة حول أفضل الطرق لكتابة مخطوطات علمية بطريقة احترافية.

لا تَتَّبع عملية كتابة ورقة بحثية منهجًا معينًا بالضرورة، بيد أننا تَعَلَّمنا بعضًا من القواعد المفيدة والإرشادات من خبرتنا الشخصية، ومن تجارب الآخرين، التي من شأنها أن تساعد في تجنب الكثير من هذه العقبات، وتسهم في إنتاج نص واضح، وسلس القراءة، يجذب انتباه القارئ إلى محتواه. ومن وجهة النظر العملية، مِن المهم كتابة قواعد راسخة واتباعها بشأن تحديد قائمة الباحثين، وإعداد المسودات، وكذلك تنفيذ عملية التحرير والمراجعة. ومن الضروري ـ بصفة خاصة ـ المحافظة على وجود تواصل بين المشاركين، وضمان أن جميعهم على دراية بالتغييرات التي تتم في المخطوطة. ومِن المفيد ـ بشكل عام ـ أن تتذكر أنه في نهاية الأمر يجب على ورقتك البحثية أن تحكي قصة مؤثرة، تُعتبر الناتج الأساسي والملموس للعمل الجماعي.

Andy Baker/Getty


اتخاذ القرارات السليمة في الكتابة

منذ اللحظة التي يتوافق فيها المشاركون على قواعد راسخة في العمل، وعلى الأسئلة الخاصة بعملية تأليف البحث (انظر: «تحديد الأولويات»)، يتحتم عليهم فورًا الاتفاق على «الباحث المُنظِّم»، وهو عضو الفريق الأكثر دراية بتفاصيل المشروع الذي يملك المنظور الأكثر عمقًا واتساعًا له. وعضو الفريق المذكور يحتفظ بالمخطوطة الرئيسة للمشروع، ويدمج مدخلات كل باحث مشارك في الفريق.

ويُعتبر النهج الأكثر فعالية هو أن يقوم شخص واحد بدور الباحث المُنظِّم، من بداية تدشين المشروع، حتى نشْر الورقة البحثية، وغالبًا ما تكون هناك عدة مراحل تحريرية، تمرّ بها المخطوطة، وعادة ما تُثار النقاط نفسها في المراحل المختلفة؛ فعندما يكون هناك شخص واحد مسؤول عن المخطوطة طوال فترة تأليفها، فإنه من اليسير على أعضاء الفريق استحضار الأسباب وراء قرارات التعديل التي تمت في حالة تكرار حدوثها. ووجود باحث مُنظِّم واحد يفيد أيضًا في الحصول على ورقة بحثية مترابطة الأفكار.

رغم ذلك.. فإن الحياة معقدة، ومن المحتمل ألا يتمكن شخص واحد من الإشراف على المشروع بالكامل. وفي حالة تَنَحِّي الباحث المُنظِّم عن موقعه، فإن على الفريق الاتفاق بالإجماع بوضوح تام على تعيين بديل له، ويجب أن تكون المخطوطة الرئيسة للمشروع في حيازة هذا الشخص فحسب طوال فترة المشروع.

نحن دائمًا ما ننصح مجموعات المختبرات لدينا والمساهمين في المؤلفات البحثية بالبدء في عملية الكتابة قبل اكتمال المشروع البحثي؛ حيث تبدأ الورقة البحثية عادةً بشرح الدافع وراء المشروع، واستعراض الأوراق البحثية السابقة ذات الصلة بالموضوع، وإلا.. فما هو أفضل توقيت لتلك المقدمات، إنْ لم يكن قبل الانغماس في الدراسة البحثية نفسها؟ إنّ القيام بذلك في مرحلة مبكرة يعزِّز من التخطيط للمسار المنطقي للورقة البحثية، ويوفر دليلًا للاسترشاد به في البحث نفسه؛ فعندما يتم إعداد استعراض الأبحاث السابقة ذات الصلة مبكرًا، فإنه من السهل التنبؤ ـ على سبيل المثال ـ بالأمور التي تحتاج إلى قياسها، بغرض المفاضلة بين البدائل الممكنة لتفسير البيانات. ومن المفيد أيضًا رسم خطوط عريضة لكتابة المشروع بأكمله مبكرًا، ويجب على الباحث المُنظِّم كتابتها ومناقشتها مع الفريق، والوصول إلى إجماع حولها.


مَن يجب أن يكون الباحث المشارك في الورقة البحثية؟ هنا نطرح سؤالين: أولًا، «هل قام الباحث بإسهام ذي قيمة في العمل؟»؛ وثانيًا، «هل استوعب الباحث العمل كله بدرجة تكفي ليشرحه، ويدافع عنه أمام زملائه؟». وأنْ يصبح أحدهم باحثًا مشاركًا في ورقة بحثية، لهُوَ التزام خطير.. فسُمعة هذا الشخص العلمية ترتبط بشكل حتمي مع مصداقية هذا العمل. وقد اتضحت لنا أهمية أن تدمج الأفراد بصورة منطقية.. فعادةً الأشخاص الذين يشعرون بأنهم غير قادرين على الارتقاء إلى مستوى المشارَكة في البحث سوف يعفون أنفسهم من الانضمام إلى هذه القائمة. كما أن استبعاد أحد الباحثين الذين يشعرون بأنهم يستحقون بالفعل أن يكونوا على قائمة الباحثين المشاركين، هو أمر أكثر ضررًا على مشروع التعاون مِن أن يتم تضمين شخص له إسهام هامشي في البحث؛ فهذا الإقصاء قد يخلق ضغينة، وينتهك أخلاقيات المهن العلمية.

|IMG_5720|

إنّ ترتيب أسماء المشاركين في إصدار علمي تعاوني غالبًا ما يكون مصدرًا للنزاع داخل المجموعة، لا سيما أن المجتمعات العلمية المختلفة لديها قواعد متباينة، وغالبًا ما تكون أعرافًا غير مكتوبة. فعلى سبيل المثال.. مجتمع فيزياء الطاقة العالية يميل إلى الالتزام بترتيب أبجدي صارم للباحثين، بينما في مجتمع الفيزياء الذرية، نجد أن الطلبة ودارسي ما بعد الدكتوراة الذين يُعتبرون بمثابة نواة مشروع ما، عادة ما تُدَوَّن أسماؤهم في أول القائمة، ثم تأتي بعدهم أسماء الباحثين الرئيسين.

فَكِّرْ أولًا في ترتيب أسماء الباحثين.. وما الذي ستفعله في حالة وجود أكثر من طالب، أو في حالة وجود طالب ودارس ما بعد الدكتوراة، تعاوَنَا في البحث بالدرجة نفسها؟ وماذا ستفعل إذا كان المشروع القائم هو تعاون بين أكثر من مختبَر؟ أيٌّ من هذه المختبرات سيُكتب اسمه أولًا؟ وهل يجب أن يتم تضمين أسماء الباحثين تحت اسم المختبَر التابعين له؟ أم يجب اتباع معيار آخر؟

إن التوصيف الواضح لدور كل باحث في العمل من الممكن أن يجعل مناقشة ترتيب الباحثين أقل توترًا، حيث إن أقسام «إسهام الباحثين» يجب أن توضع في الورقة المنشورة، حتى لو لم تَطلب الدوريات ذلك؛ فعليها توضيح إسهام كل مشارك في هذا المشروع، ونسبها إليه، وكذلك نسب أجزاء المخطوطة الأساسية إلى أصحابها. وعندما لا تستطيع المجموعة الوصول إلى توافق حول ترتيب قائمة الباحثين المشاركين، فعلى الباحث الرئيس أن يتدخل؛ ويأخذ تلك القرارات، وتقديم تبرير منطقي مفصَّل لهذا الحكم. وفي حالة وجود أكثر من باحث رئيس، عليهم التوصل معًا إلى نظام ترتيب، والاتفاق عليه.

في النهاية، لا يجب أن يقلق الباحثون المشاركون حيال هذا الشأن؛ فقد كنا شاهدين على مناقشات محتدمة حول مَن هو الأحق بأن يكون الباحثَ الأول، ولكن بعد 10 أو 20 عامًا، نستطيع القول إن ذلك لم يكن أمرًا ذا جدوى فِعليّة في نهاية الأمر.


يعزِّز هذا الإطار من بلورة أهداف المشروع، ويدفع مجموعة العمل لطرح الأسئلة العلمية المحورية في مستهل العمل، مما يساعد على تركيز جهود العمل في المكان الصحيح، حيث إننا في أكثر من مرة أتممنا دراسة مشروع ما، ثم أعدنا ضبط جهاز التجارب، وأخضعناه لفحوص جديدة؛ لنكتشف أننا أثناء كتابة المشروع قد أهملنا تفاصيل تحتاج إلى جمع بيانات أكثر؛ بينما وضع الخطوط العريضة من البداية يساعد على تفادي هذا الخطأ.

في بعض الحالات، ثمة نتيجة طيبة يمكن الحصول عليها، إذا تم وضع المسودات الأولى لفصول المخطوطات المختلفة بواسطة أعضاء مختلفين من الفريق، وذلك بناء على نقاط قوة كل عضو منهم؛ فعلى سبيل المثال.. المتخصص في النظريات يمكنه وضْع فصل عن الحسابات، والمتخصص في التجارب العملية يمكنه كتابة فصل عن القياسات. وإذا اتَّبع مشروعك الجماعي هذا النموذج، فعلى الباحث المُنظِّم أن يكون هو الشخص المنوط بدمج الفصول المختلفة؛ لتقديم قصة مترابطة ومتسقة.


التواصل، والإجماع

إن اتخاذ قرار إضافة محتوى قائم في النسخة الرئيسة من المخطوطة، أو إلغائه، أو تغييره، يتطلب وجود تواصل دائم بين الباحث المُنظِّم من جهة، وكل باحث مشارِك من جهة أخرى. وحين يراجع الباحث المُنظِّم النسخة الرئيسة من المخطوطة، يتوجب عليه ـ أو عليها ـ إرسال النسخة الجديدة المُعدّلة إلى كل باحث مشارك، مع شرح أسباب هذه التعديلات. ولا تُسنَد مهمة تحرير وتعديل النسخة الرئيسة إلا إلى الباحث المُنظِّم فقط، أمّا الباحثون المشاركون، فعليهم إرسال مقترحاتهم وتصحيحاتهم، أو إضافة بعض أجزاء إلى النص الأصلي، عن طريق إرسالها إلى الباحث المُنظِّم.

على هذا المنوال نفسه، على الباحث المُنظِّم إقرار تلك المدخلات التي قدَّمها الباحثون المشاركون. ولا يعني ذلك بالضرورة تضمينها في النسخة النهائية. ومن الناحية المثالية، عليه أن يفسح المجال لمناقشة كل المدخلات؛ من أجل التوصل إلى اتفاق. ومن وجهة نظر الباحثين المشاركين، فإنه لأَمْر محبط للغاية أن يقرأ مسودة مُحدّثة من المخطوطة الأصلية، ليجد المشكلات ذاتها، التي أشار إليها مسبقًا. وهي حالة رأيناها تتكرر كثيرًا. وحين يَسأل الباحث المشارك: لماذا لم يتم تناول مشكلة ما، أو معالجتها؟، فعادة ما يجيب الباحث المُنظِّم بأنه غير موافق على المقترحات المقدَّمة، أو أنه لم يجد الطريقة المناسبة لتغيير النص الأصلي، وتلك تحديدًا هي الأسباب الداعية إلى طرح النِّقاش.

على كل المشاركين الموافقة على المُسودة الأولى، وجميع المسودات التالية لها. وقد شاركنا معًا في كتابة أوراق بحثية خضعت لمراحل من المراجعة الدقيقة، وهي عملية تحتاج الكثير من الصبر، والعمل المتأني المستمر، والممتد إلى فترة طويلة. وفي بعض الإسهامات التي اشتركنا فيها، قام الباحثون المُنظِّمون بتيسير ودَمْج التعديلات المقدَّمة من الباحثين المشاركين، بدون مشاركة النسخة النهائية من المخطوطة مع باقي أعضاء الفريق.

وللباحثين المشاركين الحق في التوقُّع والمطالبة بأن يقوم الباحث المُنظِّم باتباع القواعد الأساسية المتفَق عليها خلال فترة التعاون بينهم، فإذا اكتشفوا أي انتهاك لهذه القواعد بعد تقديم أو نشر العمل، فقد يكون ردّ فعلهم هو قَطْع علاقتهم بهذا التعاون، مما يسفر عن نتائج كارثية، كان من الممكن تجنُّبها.

في كل الأحوال، لو تم تعيينك باحثًا مُنظِّمًا، فعليك أن تدمج الباحثين المشاركين بصورة مستمرة معك في كل مراحل العمل؛ لأنّ استبعادهم يخلق الكثير من الضغينة، كما يؤدي إلى انتهاك أخلاقيات المهن العلمية. ويتعيَّن على كل فرد من أفراد الفريق أن يكون سهل الوصول إليه، وسريع الاستجابة، فقد يتعثر العمل عندما يختفى الباحثون المشاركون داخل «ثقب أسود»، حيث لا توجد استجابة منهم لأي مكالمة تليفونية، أو بريد إلكتروني.

نحن نوصي بتحديد حد أقصى لوقت الاستجابة ـ عادة يكون عدة أيام ـ بحيث يقوم الباحثون المشاركون خلال هذا الوقت بالإعلان عن تَلَقِّيهم الرسالة. كما نوصي أيضًا بأن يكون الباحث المُنظِّم نفسه سهل الوصول إليه دائمًا طوال مرحلة كتابة العمل، التي قد تستغرق في بعض الأحيان عامًا، أو أكثر.

وسواء تكوَّنت مجموعة العمل من باحثَين، أو حتى 22 باحثًا، يتوجب على الباحث المشارِك قراءة المخطوطة النهائية كلها، وإبداء موافقته الصريحة على أن الأوراق البحثية جاهزة لتقديمها في دورية ما، أو إرسالها إلى أرشيف الطباعة الإلكترونية. ويُطبَّق المبدأ ذاته في حالة تقديم وقبول ورقة بحثية ما، ولكنها تخضع للمراجعة النهائية، فعلى كل الفريق قراءة الورقة البحثية، وإبداء الموافقة عليها قبل نشرها. وذلك ليس احترامًا للباحثين فحسب، بل يُعتبر حجر الزاوية في أخلاقيات المهن العلمية؛ بخلاف الالتزام بسياسات النشر في الدوريات العلمية والاعتبارات القانونية. كما نؤكد على أن هذه الإرشادات ليست تعسفية، فهي نابعة من تجارب محبطة ومجهدة، عايشناها، وشَهِدنا عليها.