أنباء وآراء

علم الأعصاب: آلِيـَّة إصـابـة الميليـن

في السكتة الدماغية، تُدَمَّر الخلايا التي تنشئ غشاء الميلين الذي يعزل العمليات العصبية. وتوضح البيانات الآن أن تدفق أيونات الكالسيوم إلى الداخل بواسطة بروتين TRPA1 يسهم في إصابة الميلين.

  • أيمن إس. صعب
  • كلاوس أرمين نيف
  • Published online:

كي يعمل المخ بشكل طبيعي، يجب نقل المعلومات بسرعة عالية بين مناطق الدماغ المختلفة، عبر زوائد تُسمى المحاور العصبية. وتَعتمد قدرتها في القيام بذلك على سلامة الخلايا الدبقية الداعمة قليلة التغصن1، التي تقوم بتغليف زوائد المحاور العصبية بغشاء "الميلين" متعدد الطبقات، كي تسرع عملية النقل. وفي أمراض عدة، كالشلل الدماغي، وإصابات النخاع الشوكي، والتصلب المتعدد، والسكتة الدماغية، عادة ما يرتبط تلف الخلايا الدبقية قليلة التغصن وتلف غشاء الميلين الذي تصنعه بخلل في وظيفة المحاور العصبية. عن هذا الموضوع نَشَرَ هاميلتون وزملاؤه2 بحثًا يشير إلى أن الآليات التي تكمن وراء هذا التلف هي أكثر تعقيدًا مما يُعتقد، وتتضمن تفعيل أحد البروتينات القنوية المسماة "TRPA1".

في السكتة دماغية، يتوقف تدفق الدم في نقطة معينة في الدماغ ـ ما يُعرف بالإسكيميا ـ وهو ما يؤدي إلى تلف الخلايا العصبية والخلايا الدبقية، بما فيها الخلايا الدبقية قليلة التغصن. وحتى الإسكيميا العابرة، قد تسبِّب خللًا دائمًا في توصيلات المحاور العصبية، يمكن تداركه جزئيًّا فقط من خلال إعادة تغذية الأنسجة المصابة بالأكسجين والجلوكوز3. وإذ تؤدي الإسكيميا إلى إفراز الناقل العصبي "جلوتاميت"، الذي يحفز بدوره الخلايا الدبقية قليلة التغصن، هناك أدلة3-5 تشير إلى أن سدّ مستقبلات الجلوتاميت البروتينية يقلل من تلف الميلين، ومن الاختلال الوظيفي للمحور العصبي في حالة الإسكيميا. إن مستقبلات الجلوتاميت من نوع "AMPA/kainite"، ونوع "NMDA" هي بروتينات قنوية أيونية؛ وفي حالة تفعيلها، تسمح للأيونات موجبة الشحنة مثل الصوديوم (+Na)، والكالسيوم (+Ca2) بالتدفق إلى داخل الخلايا. وحيث إن مستويات أيونات الكالسيوم العالية تُعتبر سامة للخلايا، يُفترض أن موت الخلايا الدبقية قليلة التغصن، وتلف غشاء الميلين في حالة الإسكيميا يعكسان النشاط المفرط لمستقبلات الجلوتاميت هذه5-7؛ وهي الآليَّة نفسها التي تُدَمَّر بها الخلايا العصبية.

قام هاميلتون وزملاؤه بالنظر مجددًا في هذا الموضوع باستخدام شرائح من مخيخ الفأر؛ فوجدوا أدلة على أنه في حال حرمان المادة البيضاء المخيخية ـ وهي نسيج يحتوي على كثافة عالية من المحاور العصبية الميلينية من الأكسجين والجلوكوز، ما يُعتبر نموذجًا للإسكيميا وآثارها المدمّرة للخلايا ـ قد لا يكون التنشيط المفرط لمستقبلات الجلوتاميت هو النتيجة الوحيدة. في البداية، قام الباحثون بتوصيف التيارات المنبعثة من المنطقة المُصابة بالإسكيميا في الخلايا الدبقية قليلة التغصن، وقاموا برصد التغييرات المقابلة في مستويات أيونات الكالسيوم والصوديوم والبوتاسيوم (+K) والمغنسيوم داخل الخلايا. وللمفاجأة، برغم أن الحرمان من الأكسجين والجلوكوز أدَّى بالفعل إلى تدفق الأيونات إلى داخل تلك الخلايا بواسطة الجلوتاميت المُفرَز، إلا أنه بدا وكأن هذا التيار السائر قد أتى نتيجة لزيادة تركيز البوتاسيوم خارج الخلية، وغَلْق البروتينات القنوية الخاصة به، وليس بسبب مستقبلات الجلوتاميت.

وعلى غرار تقرير سابق5، وجد هاميلتون وزملاؤه أن الإسكيميا قد أدَّت إلى زيادة مستويات الكالسيوم في الخلايا الدبقية قليلة التغصن، وفيما تقوم به من عمليات لتغطية المحاور العصبية، ولم يمنع تثبيط مستقبلات NMDA ومستقبلات AMPA/kainate تدفق الكالسيوم بهذا الشكل؛ ما يشير إلى أن مستقبلات الجلوتاميت ليست هي القنوات الرئيسة المسؤولة عن ارتفاع تركيز الكالسيوم الذي تُحْدِثه الإسكيميا، والذي يسبِّب تلف الميلين.

تبعًا لذلك.. أظهر الباحثون أن ارتفاع مستويات البوتاسيوم خارج الخلايا بسبب الإسكيميا يؤدي إلى زيادة مستويات أيونات الهيدروجين ـ ما يُسمى بعملية التحميض ـ في الخلايا الدبقية قليلة التغصن، وهذا بدوره يحفز تدفق الكالسيوم إلى الداخل (الشكل 1). وبإحداث مثل هذه الزيادة في الهيدروجين، ثم قياس التغييرات التي تحدث في مستوى الكالسيوم في الخلايا، قام هاميلتون وزملاؤه باستكشاف أيٍّ من القنوات الأخرى قد تسهم في تدفق الكالسيوم، نتيجةً للإسكيميا المُحدَثة. وبعد أخذ الخصائص الفسيولوجية المعروفة، الخاصة بالبروتينات القنوية الأيونية في الاعتبار، واختبار آثار محفزات تلك البروتينات ومثبطاتها، خلص الباحثون إلى أن القناة المسؤولة هي TRPA1، وهي أحد البروتينات الموجودة على نطاق واسع، المنتمية إلى أسرة البروتينات القنوية "TRP"، (الشكل 1). ويسمح تفعيل قنوات TRPA1 تلك بدخول الكالسيوم والمغنسيوم والصوديوم إلى الخلية.

تلتف الخلايا الدبقية قليلة التغصن حول الخلايا العصبية، وتنتج طبقات من الأغشية العازلة التي تسرع من نقل الإشارات العصبية؛ وتسمى الميلين. حين تُحرم مناطق في الدماغ من الجلوكوز والأكسجين (ما يسمى بالإسـكيميا)، تتلف الخلايا الدبقية قليلة التغصن ويتلف الميلين. تظهر دراسة هاميلتون وزملاؤه2 أن هذا التلف يعود جزئيًا إلى زيادة في مستويات أيونات البوتاسيوم (+K) خارج الخلية. ومن خلال آلية غير معروفة (عند السهم المتقطع) تحفز مستويات البوتاسيوم الزائدة تلك ارتفاع تركيز أيونات الهيدروجين (+H) داخل الخلايا؛ ما يؤدي إلى زيادة الحموضة في الخلية، ومن ثم تفعيل البروتينات القنوية TRPA1 وإحداث تدفق لأيونات الكالسيوم (+Ca2) إلى الداخل. وإذ تعتبر مستويات الكالسيوم العالية سامة بالنسبة للخلايا الدبقية قليلة التغصن، فهي تؤدي إلى تدميرها، كما تدمر الميلين أيضًا. يمكن كذلك لمستقبلات الجلوتاميت، مثل مستقبلات NMDA، أن تسهل تدفق الكالسيوم إلى الداخل؛ لكن ما زال من غير الواضح إن كان لهم أي دور في تلف الميلين في هذه الحالة.

كبر الصورة


وتماشيًا مع تلك الاستنتاجات، قَلَّ تدفق الكالسيوم إلى داخل الخلايا ـ الذي تزيده الإسكيميا عادةً ـ بشكل كبير في شرائح المادة البيضاء المخيخية المأخوذة من الفئران التي تم حذف بروتين TRPA1 منها، لكن لم يَختَبِر الباحثون آثار الإسكيميا على المادة البيضاء في هذه الفئران داخل الجسم الحي؛ وأظهروا باستخدام الأعصاب البصرية المعزولة من الفئران أن سدّ قنوات TRPA1 مع الحرمان من الأكسجين والجلوكوز قد قلَّل من تلف الميلين، لكنه لم يؤثر على تلف المحور العصبي. وهكذا، على عكس الخلايا الدبقية قليلة التغصن، لا يسهم تفعيل قنوات TRPA1 في تلف المحاور العصبية، وإنما هي تتلف بسبب آليّات أخرى خاصة بعملية تدفق الكالسيوم.

كما كشف هاميلتون وزملاؤه أيضًا عن تغيرات في مستوى الكالسيوم في الميلين الخاص ببعض الخلايا الدبقية قليلة التغصن في الحالات الطبيعية التي لم تُحرم من الجلوكوز والأكسجين. وقد يدل هذا الفعل التلقائي على نشاط المحور العصبي والإفراز المتزامن للجلوتاميت. لذا.. باعتبار أن الميلين يحتوي على مستقبِلات من نوع AMPA/kainate وNMDA5-7، كما أن تغير مستوى الكالسيوم الذي تحفزه الإسكيميا في الأعصاب البصرية كان قد ثبت من قَبْل أنه يعود إلى تنشيط مستقبلات الجلوتاميت5، ِلمَ لَم يجد المؤلفون إذًا دليلًا على تغيرات في مستوى الكالسيوم، يحفزها الجلوتاميت؟

تقلّ مستويات الحمض النووي الريبي المرسال "mRNA" الذي يرمز لمستقبلات NMDA في الخلايا الدبقية الناضجة قليلة التغصن. أما مستويات الحمض النووي الريبي المرسال الذي يرمز لبروتين TRPA1، فهي منخفضة جدًّا إلى حد يقترب من أن يكون غير قابل للقياس8. ومع ذلك.. استطاع الباحثون أن يقيسوا تدفق الكالسيوم إلى داخل الخلايا الدبقية المخيخية قليلة التغصن، الذي يحدث بواسطة TRPA1، كما تشير الأدلة إلى أن مستقبلات NMDA تنتقل إلى عمليات الميلين المواجهة لسطح المحور العصبي، بينما تنضج الخلايا الدبقية قليلة التغصن6,5. وقد يساعد ذلك في تفسير صعوبة الكشف عن تغيرات الكالسيوم التي يحفزها الجلوتاميت في تلك الخلايا. وعلى العكس.. ربما يكون هناك اختلاف ما بين الخلايا الدبقية قليلة التغصن، الموجودة في العصب البصري، التي تغلّف بالميلين المحاور العصبية الخاصة بالخلايا العصبية التي تفرز الجلوتاميت فقط، والخلايا المماثلة في المخيخ، التي تقوم بالفعل نفسه، لكن لخلايا عصبية تفرز ناقلًا عصبيًّا مختلفًا، هو "جابا" GABA.

بخلاف هذه الدراسة، نُشرت دراسة أخرى في شهر ديسمبر الماضي9، وقدَّمت دليلًا على أن مستقبلات AMPA/kainate وNMDA بالفعل تسهم في تدفق الكالسيوم إلى داخل خلايا الميلين الناضج في الأعصاب البصرية، كما يساعد عمل المحور العصبي وتحرر الجلوتاميت الحويصلي في ذلك أيضًا. ومع ذلك.. وبِغَضّ النظر عن مستويات الكالسيوم، لا تزال الوظائف الفسيولوجية التي تقوم بها مستقبلات NMDA في الخلايا الدبقية قليلة التغصن غير معروفة حتى الآن.

إن دراسة هاميلتون وزملائه قد أوضحت أن تلف الميلين نتيجة لحرمان الخلايا من الأكسجين والجلوكوز داخل المختبر هو أكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا، لا سيما مع انضمام قنوات TRPA1 إلى المشهد. ويبقى السؤال قائمًا حول ما إذا كانت هذه النتائج تنطبق على الجسم الحي أيضًا، وعلى قنوات TRPA1 البشرية، التي تختلف استجابتها للدواء عن استجابة نظيرتها في الفئران10، أم لا. أما التجارب الإكلينيكية المُجراة من قبل لاختبار حاصرات مستقبلات NMDA فيمن تعرَّضوا لسكتة دماغية، فقد فشلت فشلًا ذريعًا؛ ما قد يعود جزئيًّا إلى تناول الأدوية في أوقات متأخرة عن اللازم، مع خفض الجرعات بشكل كاف، يسمح بتحمُّل الآثار الجانبية. وبالعمل على تحديد أهداف دوائية أخرى، هناك أمل في التوصل إلى أدوية جديدة، أكثر أمنًا.

  1. Nave, K.-A. Nature 468, 244–252 (2010).

  2. Hamilton, N. B., Kolodziejczyk, K., Kougioumtzidou, E. & Attwell, D. Nature 529, 523–527 (2016).

  3. Tekkok, S. B., Ye, Z. & Ransom, B. R. J. Cereb. Blood Flow Metab. 27, 1540–1552 (2007).

  4. Follett, P. L., Rosenberg, P. A., Volpe, J. J. & Jensen, F. E. J. Neurosci. 20, 9235–9241 (2000).

  5. Micu, I. et al. Nature 439, 988–992 (2006).

  6. Salter, M. G. & Fern, R. Nature 438, 1167–1171 (2005).

  7. Káradóttir, R., Cavelier, P., Bergersen, L. H. & Attwell, D. Nature 438, 1162–1166 (2005).

  8. Zhang, Y. et al. J. Neurosci. 34, 11929–11947 (2014).

  9. Micu, I. et al. Exp. Neurol. 276, 41–50 (2015).

  10. Nagatomo, K. & Kubo, Y. Proc. Natl Acad. Sci. USA 105, 17373–17378 (2008).