أنباء وآراء

الفيزياء البصرية: نبضات ضوئيـة بالغـة القِصَر تهـزّ الذَّرَّات

تم فحص استجابة الإلكترونات الموجودة في الذرات لنبضات ضوئية بصرية بالغة القِصر، من خلال قياس الأشعة فوق البنفسجية المنبعثة من الذرات؛ حيث كَشَف ذلك عن تأخر زمني محدود في توقيت الاستجابة.

كيونج تيك كيم
  • Published online:

يُعتبر توصيف استجابة الذرات والجزيئات لموجة ضوئية بمثابة خطوة أولية في فهم التفاعلات الأساسية التي تحدث بين الضوء والمادة. وبسبب السرعة الفائقة لاستجابة الإلكترونات الموجودة في الذرات للموجات الضوئية، بُذل الكثير والكثير من الجهد لتطوير مصادر ضوئية تنتج نبضات قصيرة قدر الإمكان، من أجل دراسة هذه الديناميكيات فائقة السرعة. وعن ذلك.. نَشَر حسن وزملاؤه1 بحثًا حول توليد نبضات ضوئية بنطاقات زمنية أقل من الفيمتوثانية في النطاقات الطيفية المرئية، والنطاقات القريبة منها (تعادل الفيمتوثانية الواحدة 10-15 من الثانية)، واستخدموها لتتبُّع الاستجابات غير الخطية للضوء في إلكترونات ذرات الكريبتون؛ فوجدوا أن هناك زمنًا محددًا للاستجابة.

تتكون الذَّرَّة من إلكترونات سالبة الشحنة، ونواة موجبة الشحنة، وعادةً ما تُشَبَّه استجابة الذرة لموجة ضوئية بسلوك نظام مكوَّن من كتلتين متصلتين بزنبرك، إحداهما تمثل إلكترونًا مقيدًا، والأخرى تمثل بقية الذَّرَّة (الشكل 1). وبِتَعَرُّض الذَّرَّة لموجة ضوئية؛ يتحرك الإلكترون، نسبة إلى النواة، مدفوعًا بقوة لورنتز ـ وهي نتاج مجموع القوى الكهربائية والمغناطيسية، وتؤثر على شحنة نقطية في وجود مجال كهرومغناطيسي ـ ما يؤدى إلى فصل الشحنة. في مجال ضوئي ضعيف، تتناسب قوة المجال خطيًّا مع عملية فصل الشحنة، ما يعني أن الإلكترون يتأرجح بقوة المجال الضوئي نفسها، لكن حين تتعرض الذرات لمجال ضوئي قوي ـ أضعف من أن يُحدِث الكثير من التأين ـ تزيد الأمور تعقيدًا. فبابتعاد الإلكترون عن النواة، يتأرجح بشكل غير خطي، نسبة إلى المجال الضوئي؛ ما يعني أنه يمكن لهذا الإلكترون أن يبعث إشعاعًا، يكون مجاله الطيفي أوسع من المجال الضوئي المفروض. ويُعَدّ هذا الإشعاع بمثابة مفتاح لفهم الاستجابة غير الخطية للمجال الضوئي القوي، التي تحدث في الذرات.

يمكن اعتبار أن سلوك ذرة وسط موجة ضوئية يشبه سلوك نظام مكوّن من كتلتين متصلتين بزنبرك، كتلة منهما خفيفة وتمثل إلكترون مقيد (الكرة الخضراء)، والأخرى ثقيلة وتمثل بقية الذرة (الكرة البنفسجية). يتأرجح الإلكترون نسبةً لبقية الذرة، مدفوعًا بالقوة الكهربائية المرتبطة بالمجال الضوئي المفروض (يشير الخط الأحمر إلى المجال الضوئي؛ وتمثَّل النبضة الضوئية هنا بنصف دورة موجة كهرومغناطيسية). وقد يصدر الإلكترون المتأرجح إشعاع لاخطي (الخط الأزرق). استخدم حسن وزملاؤه1 نبضات ضوئية بنطاقات زمنية أقل من الفيمتوثانية، في النطاقات الطيفية المرئية والنطاقات القريبة منها، لتتبع وفحص الإشعاع المنبعث من ذرات الكريبتون.

كبر الصورة


ولاستطلاع هذا النوع من الاستجابات غير الخطية، وَلَّد حسن وزملاؤه نبضات بصرية قصيرة في نطاق الأتوثانية، وهي ومضات من الضوء، تقع في النطاقات الطيفية المرئية، والنطاقات القريبة منها، وتستمر لعدة مئات من الأتوثانية (تعادل الأتوثانية الواحدة 10-18 من الثانية). بدايةً، قام الباحثون بتمرير نبضات ليزر في ليف مجوف مليء بغاز النيون2؛ ما وَسَّع نطاق النبضات الطيفي، ليشمل النطاقات القريبة من الأشعة تحت الحمراء، والمرئية، والأشعة فوق البنفسجية (وهي تعادل ما بين حوالي 1.1، و4.6 إلكترون فولت من الطاقات الفوتونية). ومن ثم، تم تقسيم الطيف إلى أربعة أجزاء، وتم ضبط كل جزء على النحو الأمثل؛ لإنتاج نبضات بفترات زمنية أقصر. وقام الباحثون بجمع النبضات الأربع، مع التحكم في أطوارها (أي مراحل تقدُّمها في دورات موجاتها الكهرومغناطيسية) بشكل يسمح بتوليد نبضات أتوثانية بصرية.

يتميز مخلّق المجال الضوئي هذا بأدائه الاستثنائي، إذ تصغر مدة نبضة الليزر من 22 فيمتوثانية إلى 975 أتوثانية، دون فَقْد الكثير من الطاقة؛ وتبدو النبضة المُخَلقة كنبضة بنصف دورة (الشكل 1). يُعَدّ ذلك أول استعراض لتوليد نبضات ضوئية معزولة في نطاقات زمنية أقل من الفيمتوثانية، في النطاقات الطيفية المرئية وفوق البنفسجية.

قام الباحثون بعد ذلك بتعريض ذرات الكريبتون للأشعة باستخدام نبضات أتوثانية بصرية مكثفة، يتغير بشكل كبير نمط تطوُّر حالها مع مرور الزمن، بناءً على أطوارها. ووفقًا لذلك.. أظهرت أطياف الأشعة فوق البنفسجية التي تولِّدها ذرات الكريبتون تعديلات جلية في سعة الموجة، تعتمد على طور النبضة. وتكشف البيانات عن تأخر الاستجابة غير الخطية للضوء في إلكترونات الكريبتون المقيدة، ما قد يزداد أكثر بمقدار يصل إلى 115 أتوثانية مع زيادة قوة المجال الضوئي المفروض.

كما ابتكر الباحثون أيضًا معادلة لوصف الاستجابة غير الخطية، وأثبتوا صحتها، وأوضحوا أنها تؤدي إلى النتائج التجريبية نفسها، بما فيها التأخير الزمني. وهم يُرجِعون الاستجابة التي حدثت إلى زيادة في الاستقطاب غير الخطي الكلي للذرة، أثناء تفاعلها مع نبضة أتوثانية بصرية.

إن هذا العمل يحمل في طياته أمورًا مهمة، قد تساعد الأبحاث المستقبلية في مجال السرعات الفائقة. فحتى الآن، تُعتبر نبضات أتوثانية في نطاق الأشعة السينية هي الأداة الرئيسة في تجارب "الضخ والتتبع"3 فائقة السرعة (pump-probe experiments)، إذ تقوم فيها بدور كلٍّ من مُحفّز التأثير الفيزيائي المطلوب دراسته، ومُتتبِّع النتائج؛ إلا أن تطبيقاتها تظل محدودة للغاية، بسبب ضعف حدّتها. أما نبضات الأتوثانية البصرية، التي استخدمها حسن وزملاؤه، فهي قوية بما يكفي لتحفيز العمليات التي تتم في المجال القوي، ما يفتح الطريق لتجارب جديدة. كما يمكن تسليط مثل هذه النبضات على الجزيئات والمواد الصلبة، التي قد تُظهِر استجابات غير خطية مختلفة، معتمدةً على ديناميكيات4 وبِنْيَة5 بروتوناتها.

إن استعراض نبضات الأتوثانية البصرية وتطبيقاتها في دراسة الاستجابات المتأخرة في الذرات، لأمر لافت للنظر. لكن لا يزال هناك قضية واحدة لم تُحلّ بعد.. حيث إن التحليل الوارد في هذا البحث يعتمد على قياسات السعة الطيفية؛ وللوصول مباشرة إلى الاستجابة اللاخطية، ينبغي توصيف كلًا من سعة الإشعاع الصادر من الذرات بسبب المجال الضوئي، وطوره. ويحمل ذلك العديد من التحديات، إذ لا يوجد طريقة سهلة لقياس طور أي إشعاع في الموجات فوق البنفسجية. لكن إذا ما تحقق ذلك، فسيفتح أفقا آخر جديد في مجال السرعات الفائقة.

  1. Hassan, M. Th. et al. Nature 530, 66–70 (2016).

  2. Nisoli, M. et al. Opt. Lett. 22, 522–524 (1997).

  3. Corkum, P. B. & Krausz, F. Nature Phys. 3, 381–387 (2007).

  4. Baker, S. et al. Science 312, 424–427 (2006).

  5. Itatani, J. et al. Nature 432, 867–871 (2004).