افتتاحيات

الخطـوات القـادمـة بشـأن فيـروس «زيكـا»

تثير التشوهات الخلقية التي يسببها فيروس "زيكا" قلقًا عالميًّا، ولذا.. يجب على الباحثين العمل سريعًا لتقييم حجم الخطر المتوقَّع.

  • Published online:

أعلنت "منظمة الصحة العالمية" في بداية فبراير الماضي أن مجموعة تشوهات المواليد التي يُشتبه في صلتها بتفشي وباء فيروس ""زيكا"" في الأمريكتين تمثل "حالة طواريء صحية عامة، تثير قلقًا دوليًّا". وبخلاف الدواعي العملية المُلِحَّة لسيطرةٍ أفضل على أنواع البعوض المتسبِّب في انتشار مرض "زيكا" وغيره من الأمراض، فإن الأولوية القصوى الآن هي البحث عن إجابات للتساؤلات المبدئية المهمة، بما في ذلك التساؤل عما إذا كانت تشوهات المواليد ناجمة عن الفيروس، أم لا. وإذا كانت كذلك.. فما هو معدَّل تشوهات المواليد الناتجة عن الفيروس؟

لقد بلغت التحذيرات بين وسائل الإعلام والسياسيين حدَّها الأقصى بشأن تسبب فيروس "زيكا" في وباء تشوهات المواليد، مع بعض العناوين الصارخة بأن الوباء قد يكون أسوأ من فيروس إيبولا في غرب أفريقيا. وكما هو الحال في المراحل المبكرة لتفشي فيروس جديد، أو إعادة تفشي فيروس قديم، توجد تحدِّيات في التعامل مع المجهولات الناشئة حتمًا من فراغات كبيرة في معرفتنا بالأمر.

يُنصح بالتقييم الهادئ والحذِر للتهديد الذي يشكله المرض، وبالتالي تجنب الدعاية المبالِغة والهستيرية، أو القفز إلى نتائج غير مبنِيّة على أدلة قاطعة، وبالطبع لا يجب على السلطات الصحية الانتظار حتى تتبين جميع الحقائق قبل اتخاذ إجراءات؛ كما أن لها الحق في أن تنشر وتوصي بالتحذيرات والاحتياطات المدروسة؛ لحماية النساء الحوامل وأَجِنَّتهن في مواجهة تهديد محتمَل ملموس.

ينتقل فيروس "زيكا" بشكل أساسي عن طريق بعوضة Aedes aegypti، التي تحمل كذلك فيروسات حمى الضنك، ومرض شيكونجونيا. وقد تطوَّر الفيروس ـ على غير المألوف ـ ليتكاثر في المناطق الحضرية في بقع المياه الراكدة، وفي أماكن أخرى، كالإطارات الفارغة، وأواني أُصص النباتات. وهو يتغذى على دم الإنسان حصريًّا أثناء النهار، مما يشكل تهديدًا قويًّا بانتشار المرض على نطاق واسع في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية. ويمكن لفيروس "زيكا" الانتقال بشكل محدود ـ على الأقل حتى الآن ـ عن طريق بعوضة Aedes albopictus، التي توجد في المناطق معتدلة المناخ.

تم اكتشاف الفيروس لأول مرة في قرد يعيش في غابة "زيكا" بأوغندا، وكان ذلك في عام 1947، وقد حظي الفيروس ـ حتى وقت قريب ـ بأكثر من مجرد الفضول العلمي. فقد بدا أن حوالي %80 من المصابين بالفيروس لا تظهر عليهم أعراض معينة، والباقي لا يظهر عليهم سوى أعراض خفيفة، تتحسن تلقائيًّا في أيام قليلة. وبشكل أساسي، فقد انحصرت حالات تفشي المرض في أماكن محدودة في أفريقيا وآسيا، وانتقل الفيروس إلى منطقة المحيط الهادئ في عام 2007، وانتشر بسرعة منذ العام الماضي ـ مثل حمى الضنك، ومرض شيكونجونيا من قبله ـ في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية في الأمريكتين.


مقياس التحكم

ظهرت لأول مرة المخاوف بـأن الأعراض الإكلينيكية المعتدلة قد لا تحكي القصة الكاملة للمرض في أكتوبر الماضي، وذلك عندما أبلغ أطباء في البرازيل عن أن الانتشار الكبير لفيروس "زيكا" يبدو مترافقًا مع ارتفاع في عدد حالات "صغر الرأس" microcephaly، وهو تشوُّه خلقي خطير يصيب الأجنة، وحديثي الولادة، بحيث يتسبب في صغر حجم الرأس والمخ. وسجلت البرازيل رسميًّا 147 حالة لصغر الرأس في عام 2014، بينما سجلت أكثر من 4,000 حالة مشتبه فيها منذ أكتوبر الماضي.

يُعتبر هذا الارتفاع الحاد في الحالات مخيفًا، خصوصًا للنساء الحوامل وعائلاتهن، ولكن هل يشكل خطرًا فعليًّا؟ فالحالات التي سُجلت في البرازيل، والبالغة 147 حالة، تُعتبر قطعًا أقل من الحقيقة بكثير؛ فمعدل الإصابة السنوي بحالة صغر الرأس في هذا البلد من المتوقع أن يكون عاليًا، حتى مع استخدام التقديرات المتحفظة.

إضافة إلى ذلك.. فقد أطلقت السلطات البرازيلية بحثًا مكثفًا عن حالات "صغر الرأس"، وقد ذكرنا في أحد المقالات أن هذا البحث المكثف سيكشف عن حالات كثيرة، من الممكن ألا يتم كشفها بدون هذه الإجراءات. وهذا يعني أن معايير الفحص العامة المستخَدمة في هذه الإجراءات سوف تستبعد العديد من الحالات المشتبه فيها، وتَعتبِرها إنذارات كاذبة.

ونحن في هذه المرحلة لا نملك المعلومات الوبائية والإكلينيكية الضرورية للتقييم الكامل لمدى تهديد تفشي فيروس "زيكا"، ولذلك.. لا بد أن يشكل تجميع هذه المعلومات أولوية قصوى. ويتعين على الباحثين والسلطات في البرازيل والبلاد الأخرى المصابة بفيروس "زيكا" تنحية المنافسة على الأبحاث جانبًا مع المخاوف بشأن نشر المعلومات للجمهور، ونشر جميع المعلومات الوبائية والإكلينيكية فور تجميعها وتحليلها.

«لا يزال فيروس زيكا يسلط الضوء مرة أخرى على المشكلة القائمة بشأن أفضل طريقة للاستعداد للأمراض الطارئة، التي قد تشكل - أو لا تشكل - خطرًا حقيقيًّا على الصحة العامة».

وسوف يكون من الضروري إنشاء مقياس واضح لأي زيادة في تشوهات المواليد متعلقة بفيروس "زيكا"؛ فعلى سبيل المثال.. سيكون من المُطَمْئِن للناس أن يتم التوصل سريعًا لاختلاف فيروس "زيكا" عن فيروس الحصبة الألمانية، التي أصابت الملايين من الناس، وتسببت في تشوهات لعشرات الآلاف من المواليد في الستينات في الولايات المتحدة وحدها. ورغم انتشار اللقاحات الفعالة، التي قضت على الحصبة الألمانية في البلدان الأكثر ثراءً، فما زالت الحصبة الألمانية تتسبب في تشوهات المواليد لحوالي 100 ألف مولود في جميع أنحاء العالم سنويًّا.

حتى تتكشف لنا جميع المعلومات حول فيروس "زيكا"، علينا التحلي بالأمل في الأفضل، مع الاستعداد للأسوأ. فالأدلة المتعلقة بالظرف الحالي لانتشار الفيروس آخِذة في التجمع التدريجي، والإشارة إلى أن الفيروس قد يكون مصاحبًا لتشوهات المواليد، فقد وُجد الفيروس إما في السائل المحيط بالجنين في الرحم "السائل الأمنيوتي"، أو المشيمة، أو النسيج الجنيني لقليل من المصابين. وعلى الرغم من أن المعلومات الموثقة ضرورية، إلا أن الحسابات الأولية وملاحظات الأطباء الذين يعالجون المواليد المصابين بصغر الرأس لا تقل عنها أهمية. وقد تغذي هذه الملاحظات بعض التأكيدات المطلوبة، إلا أن تقارير الأطباء في البرازيل تشير بوضوح إلى احتمال وجود حلقة مفقودة.

عمومًا.. لا يزال فيروس "زيكا" يسلط الضوء مرة أخرى على المشكلة القائمة بشأن أفضل طريقة للاستعداد للأمراض الطارئة، التي قد تشكل ـ أو لا تشكل ـ خطرًا حقيقيًّا على الصحة العامة، فاكتساب معلومات موثقة حول الموضوع أمر في غاية الأهمية، حيث إن له علاقة بتخفيض تكاليف وثيقة التأمين لتطوير العلاجات التجريبية، واللقاحات المهمة؛ لمقاومة ما يشكِّل أخطارًا محتملة.

يُعتبر القضاء على البعوضة الناقلة للمرض هو أهم خطوة حالية يجب اتخاذها. وبرغم أنه ليس من السهل السيطرة على ناقلات المرض، إلا أن جهود الحملات الجماعية هي عمل طويل المدى في كل الحالات. وحتى لو تبين أن خطر فيروس "زيكا" كانت هناك مبالغة في تضخيمه، فإن الجهود المتضافرة الراهنة سوف يكون لها مردود إيجابي في تخفيف عبء الأخطار القائمة لأمراض حمى الضنك، وشيكونجونيا في الأمريكتين.