رؤية كونية

الهند في حاجة إلى إنتاج أغذية معدَّلة وراثيًّا محليًّا؛ لتُوقِف المجاعات

يرى أنوراج شاوراسيا أنه يجب على العلماء الهنود تطوير محاصيل معدلة وراثيًّا محليًّا، بدلًا من الاعتماد على التقنيات الأجنبية غير الملائمة للهند.

أنوراج شاوراسيا
  • Published online:

أعلن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ـ في بداية يناير الماضي ـ خريطة طريق لتنظيم العلوم والتقنية بالهند خلال العقدين التاليين. وقد أظهرت الخطة التي أُطلقت في المؤتمر الهندي للعلوم في جامعة ميسور تناولًا حذرًا لبعض التقنيات، مثل المحاصيل المعدَّلة وراثيًّا، واضعين في الاعتبار أن "بعض أوجه التقنيات الحيوية أثارت مشكلات قانونية وأخلاقية خطيرة على مدار السنوات الأخيرة". وكل هذا حقيقي، ولكن هناك كارثة أخرى أكبر بكثير تلوح للهند، فوفقًا لتقرير الأمم المتحدة لعام 2015 بخصوص التوقعات السكانية في العالم، ستتخطى الهندُ الصينَ في عدد السكان بحلول أوائل العقد القادم، وستكون بذلك أكبر دولة على وجه الأرض من حيث عدد السكان، وبالتالي ستضم أكبر عدد من الأفواه التي تحتاج إلى الطعام. وقد صُنفت الهند بالفعل على أن لديها مشكلة جوع "خطيرة"، وفقًا للمؤشر العالمي للجوع لعام 2015، الذي يصدره المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية. ومن ثم، فخطر عدم إيجاد الطعام الكافي يحدق بجزء كبير من الجيل الجديد من الهنود، ولكنْ مِن أين يُمكننا الحصول على مزيد من الطعام؟ فمستوى إنتاج الحبوب راكد، والزحف الحضري السريع يقلل مساحات الأراضي الزراعية المتاحة. ومن ثم، فالهند تحتاج إلى الاستثمار في الأساليب الزراعية الحديثة، بما فيها المحاصيل المعدلة وراثيًّا، إذا كانت تريد زيادة إنتاج الغذاء بالفعل. وقد أظهر الباحثون الهنود كفاءة وخبرة في إنتاج نباتات معدلة وراثيًّا، لا سيما عند إنتاج القطن المقاوِم للآفات، الذي اتسع إنتاجه الآن في أرجاء الهند. وبرغم ذلك.. تقوم كل هذه الإنجازات تقريبًا على أبحاث في علم الأحياء الجزيئية، أُجريت في بلاد أخرى، أعطت الجينات للهند، أو اقترضتها الهند منها، مما يترتب عليه حدوث تعقيدات؛ فعادةً ما تحدث صراعات حول حقوق الملكية الفكرية.

كان مِن أبرز الإنجازات.. إنتاج أنواع القطن المعدَّلة وراثيًّا، المنتجة للمبيدات الحشرية، التي أطلقها المجلس الهندي للبحوث الزراعية في نيودلهي في عام 2009، وهي تقوم على جين بكتيريا Bacillus thuringiensis، الذي تمتلك حقوق ملكيته الفكرية شركة "مونسانتو" Monsanto للتقنيات الحيوية الزراعية، الكائنة في سانت لويس، ميسوري. وقد أعقب ذلك نزاع أدَّى إلى حدوث اضطراب بين الباحثين الهنود، والمديرين، والإداريين العلميين، وذلك بخصوص حقوق الملكية، وبراءات الاختراع، والقواعد واللوائح ذات الصلة بهما.

نتيجة لذلك.. أصبحت الهند تتجه إلى الأبحاث المستندة إلى الاكتشافات القديمة، التي تختص بجينات متاحة في النطاق العام، أو الجينات التي لم تعد محميّة ببراءات الاختراع، لكن المشكلة هنا تكمن في أن الحشرات قد طَوَّرت بالفعل مقاومة للسموم التي تنتجها هذه الجينات؛ فالشركات التي طورت الجيل الأول من المحاصيل المعدلة وراثيًّا باستخدام هذه الجينات انتقلت بالفعل إلى إصدارات الجيل الثاني والثالث من النباتات ذاتها. والاستخدام المتزايد لهذه التقنيات القديمة في الهند سيسرع من عملية المقاومة، ويجعل الأمر أكثر صعوبة. وجدير بالذكر أن دولًا نامية أخرى ـ من بينها باكستان ـ اتجهت إلى مثل هذه التقنيات المكررة.

وينبغي على الهند أن تتوقف عن بناء تاج محل بأحجار مقترضة من الخارج، فنحن نحتاج إلى تضافر الجهود في الوطن؛ حتى يتسنى لنا اكتشاف وتطويع الجينات اللازمة في الأحياء والمحاصيل المحلية (مثل الحمص، والأرز). وينبغي على معاهد التقنية الميكروبية في الهند أن تتعهد مشروعات في هذا الاتجاه، لأن معظم الجينات المستخدَمة حاليًّا في التحوير الجيني ذات أصول ميكروبية. ويتطلب ذلك إجراء تغيير لاتجاه استراتيجية الهند بشأن الغذاء المعدل وراثيًّا، التي اعتادت أن تهدف إلى التطوير السريع للمنتَج، بدلًا من التقييم المتأني للعلم المتبع في هذا المجال.

بعض المحاصيل المعدلة وراثيًّا المصممة في الخارج يحتاج إلى مياه أكثر مما هو متوفر في بعض أجزاء من الهند.

يمكن لمثل هذه المحاصيل المعدلة وراثيًّا المنتَجة محليًّا أن تحدّ من الاعتماد على تقنيات التحوير الجيني، التي تقدمها الشركات متعددة الجنسيات، والتي تتسم بكونها باهظة الثمن، ونادرًا ما يمكن تحسينها، بحيث تلائم ظروف مناطق معينة، فبعض المحاصيل المعدلة وراثيًّا المصممة في الخارج يحتاج إلى مياه أكثر مما هو متوفر في بعض أجزاء الهند، على سبيل المثال، مما يشكل ضغطًا شديدًا على المُزارعين.

ويحتاج العلماء الهنود إلى تدريب أفضل على قضايا الملكية الفكرية، لا سيما عندما يشتركون مع مجموعات أجنبية لاختبار الأحياء الجزيئية لمواردنا الطبيعية، والاستفادة منها، وإذا لم يتم ذلك، فحتى إذا حصل الباحثون الهنود على الفضل العلمي لاكتشافاتهم، ونُسبت إليهم؛ فلن يتمكنوا من المطالبة بالحق في تسويق المنتجات التي طوّروها.

أضف إلى ذلك أنه على الجهات الرقابية وضع قيود أشد على حقوق الملكية الفكرية، فهم في الوقت الحالي يركِّزون فقط على تصدير المواد الملموسة، مثل البذور، والأنسجة، ولكن عليهم أيضًا تتبُّع المعلومات الجزيئية المستمدة من هذه المواد، حتى الوصول إلى مستوى الجينات، ومناطق المعزّزات الوراثية، والتصريح بملكيتها. فوفقًا لما أوردته "منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة"، تُعتبر الهند أكبر متبرع بالموارد الوراثية من المحاصيل في العالم، فنحن نتخلَّى عن حقوقنا في استغلال أحد أهم ممتلكاتنا، دون أن ندرك مدى أهميتها.

تفوقت الهند ـ الدولة الزراعية ـ في علوم الفضاء، ولكنها تحتاج أن تركِّز على أرضها أكثر من ذلك، فعليها أن تحذو حذو الصين، التي تعمل ببطء منتظم ومستمر على إنشاء سوق للأغذية المعدلة وراثيًّا التي تقوم على اكتشافات محلية. وإذا ما قورنت الهند بالصين، نجد أن الهند لديها مساحة من الأراضي مزروعة بمحاصيل معدلة وراثيًّا تعادل ثلاثة أضعاف تلك المساحة لدى الصين، لكن معظم النباتات المزروعة في الهند استُزرعت بتقنيات من الخارج، بينما تضم الحقول الصينية محاصيل تم تطويرها واختبارها وتسويقها على أيدي علماء صينيين. وذلك لا يعني بالطبع أن ترفض الهند خبرات الشركات العالمية، ولكن يعني أنها يجب أن تعمل أكثر على تكوين المعرفة والمهارات على المستوى المحلي.

لم يكن المهاتما غاندي يرتدي من الملابس إلا تلك التي غزلها بنفسه، وقد منح الهند الشعار الذي يقول "من سواديشي إلى سواراج"، بمعنى "كن وطنيًّا أصيلًا؛ حتى تستطيع أن تحكم نفسك". ولذلك.. يجب على الحكومة الهندية أن تحمل هذه الرسالة على عاتقها عندما تخطط للاستثمارات المستقبلية في مجال التقنية الحيوية. فموضوع المؤتمر العلمي ـ الذي أقيم في يناير الماضي ـ كان عنوانه "العلم والتقنية من أجل التطوير الوطني في الهند"، ولا شك أن التطوير الوطني يحتاج إلى أبحاث وطنية.