تأبين

ألفريد جودمان جيلمان (2015–1941)

أخصائي علم الصيدلة، الذي حاز على جائزة «نوبل»؛ لاكتشافه «بروتينات جي».

روبرت جيه. ليفكفيتز
  • Published online:

اكتشف ألفريد جودمان جيلمان «بروتينات جي» ذات التكوين الثلاثي المُغاير، التي تساعد في توجيه الإشارات الكيميائية داخل الخلايا. وبفضل هذا الإنجاز، الذي أعاد تشكيل فَهْمنا لطريقة عمل الهرمونات والأدوية، حاز جيلمان على جائزة «نوبل» لعام 1994 في الطب أو علم وظائف الأعضاء، مناصفةً مع مارتن رودبِل.

David Gresham/UTSouthwestern

وصلت إنجازات جيلمان في مجال بحوث الطب الحيوي والتعليم إلى ما هو أبعد بكثير. فلقد قام بتحرير عدة إصدارات من الكتاب المهم «الأساس الصيدلاني للعلاجات» ـ أو «دليل جودمان وجيلمان» ـ الذي انتفعت به أجيال من طلبة وخريجي الطب. وقد ترأس قسم الصيدلة بالمركز الطبي الجنوب غربي بجامعة تكساس في دالاس، من عام 1981 إلى 2004، وأصبح عميدًا في عام 2004، ومديرًا جامعيًّا في عام 2006. وبحلول عام 2009، عُيِّن مسؤولًا علميًّا أول بمعهد تكساس لأبحاث دراسة السرطان والوقاية منه «CPRIT»، الذي أُنشئ بتمويل حكومي، قدره 3 مليارات دولار أمريكي. وتُوفي في 23 ديسمبر 2015.

وُلِد جيلمان في شهر يوليو من عام 1941 في مدينة نيو هيفن بولاية كونيتيكت، وفي فمه «ملعقة علمية من فضة»، على حد تعبيره؛ فوالده هو عالِم الصيدلة العظيم ألفريد جيلمان الأب، مؤلف الكتاب المرجعي المذكور آنفًا، بالاشتراك مع زميله وصديقه المُقرَّب لويس جودمان. ولقد منح جيلمان الأب ابنه الاسم الأوسط «جودمان»، تَيَمُّنًا بصديقه. وفي طفولته استمتع جيلمان الابن بالجولات في معامل والده بجامعة كولومبيا، وبكلية ألبرت أينشتاين للطب بنيويورك.

وبعد حصوله على درجة علمية في الكيمياء الحيوية من جامعة ييل في نيو هيفن في عام 1962، التحق بأحد أول برامج الماجستير- الدكتوراة في الطب بالولايات المتحدة في جامعة «كيس ويسترن ريزيرف» بمدينة كليفلاند بأوهايو. تولَّى إدارة البرنامج العالِم الحائز على جائزة «نوبل»، إيرل سوثرلند، مكتشِف الأدينوسين الحلقي أحادي الفوسفات cyclic AMP، وهو الجزيء الأساسي الذي يعمل ناقلًا خلويًّا. وهناك، تَعَزَّز اهتمام جيلمان بآليات التأشير الخلوية. تبع ذلك بحثه لما بعد الدكتوراة بمعاهد الصحة الوطنية الأمريكية في بيثيسيدا، ميريلاند، بالاشتراك مع مارشال نيرنبرج، الحائز على جائزة «نوبل» أيضًا. وبحلول عام 1970، وفي معمل نيرنبرج، طَوَّر جيلمان بنفسه تقنية حساسة؛ للكشف عن الأدينوسين الحلقي أحادي الفوسفات، تم اعتمادها فورًا على نطاق واسع.

أمّا اكتشافه لمجموعة بروتينات جي ـ المكونة من ثلاث وحدات مختلفة (heterotrimeric G proteins)، أثناء عمله عضوًا بهيئة التدريس بجامعة فيرجينيا في تشارلوتسفيل ـ فهو ما أحدث ثورة في مجال التأشير الخلوي. ففي السبعينات، كانت الأدلة تشير ـ بشكل متزايد ـ إلى أن مستقبِلات الهرمونات الداخلة في التأشير الخلوي هي بمثابة وحدات مستقلة في الغشاء البلازمي. تقصَّى جيلمان مع تلميذه إليوت روس هذا الأمر، مستخدمَين أغشية مبطنة للخلية الليمفاوية، تُدعى -cyc. وقد اتضح أن هذه الخلايا تفتقد إنزيم محلقة الأدينيلات adenylyl cyclase الأساسي، الذي يحفز تكوين الأدينوسين الحلقي أحادي الفوسفات، بينما احتفظت الخلايا بالمُستقبِلات الأدرينالية من نوع «بيتا»، التي ترتبط بجزيئات تُدعى الكاتيكولامينات، ويندرج تحتها هرمون الأدرينالين. وتحفِّز هذه الرابطة إنزيم محلقة الأدينيلات، مما يزيد من معدَّل تكوين الأدينوسين الحلقي أحادي الفوسفات.

أضاف جيلمان وروس إلى أغشية -cyc مستخلَصًا من بطانة خلية أخرى، وهي خلايا «L» الموجودة في الفأر، التي تحتفظ بنشاط الإنزيم، لكنها تخلو من مستقبِلات الهرمون. ولِحُسْن حظهما، نجح هذا النظام «المُعاد تكوينه»، ونتج عنه إنزيم محلقة الأدينيلات الحساس للهرمونات. ورغم ذلك.. أظهرت التجارب الضابطة أن المستخرجات التي لم يكن الإنزيم مفَعَّلًا فيها ـ باستخدام الحرارة، على سبيل المثال ـ ظلت قادرة على إنتاج إنزيم حساس للهرمون، المعاد تكوينه بشكل كامل.

لقد أظهرا من خلال تجاربهما المبتكرة أن هذه المستخلصات تحتوي على عنصر تنظيمي غير معروف حتى هذه اللحظة، ولا ينحل بالحرارة، وهو لازم لنشاط إنزيم محلقة الأدينيلات، في حين أن خلايا -cyc لم تحتوِ فعليًّا على الوحدات المحفِّزة للإنزيم، وبالتالي لم تتم تسمية العنصر التنظيمي حتى الآن. لقد أطلقا على العنصر الجديد Gsα، وهو الوحدة الفرعية «ألفا»، الخاصة ببروتين جي، لأنها ترتبط بالجوانوسين ثلاثي الفوسفات «GTP»، وتمنح كلًّا من الهرمون ومركب الجوانوسين ثلاثي الفوسفات حساسية لإنزيم محلقة الأدينيلات.

وباستخدام تجربتهما مُعادة التكوين، قاما بتنقية البروتين، وتحديد تتابع حمضه النووي، ونُشِر اكتشافهما في سلسلة من الأوراق العلمية بين عامي 1977، و1978 (E. M. Ross and A. G. Gilman J. Biol. Chem. 252, 6966-6969; 1977; and E. M. Ross et al. J. Biol. Chem. 253, 6401-6412; 1978)، مثبتَيْن صحة توقُّع رودبِل بوجود بروتين وسيط يربط مستقبِلات الهرمون في الخلية بكل من إنزيم محلقة الأدينيلات، والإشارات ما بين الخلوية. وخلال الخمسة عشر عامًا التي تلت، زاد عدد بروتينات جي ذات التكوين الثلاثي المُغاير المعروفة، حتى وصل إلى حوالي 20 بروتينًا، تلعب دورًا في جميع العمليات الفسيولوجية في الكائنات الحية، بداية من الخميرة، حتى الثدييات. وركَّزت بحوث جيلمان التالية مع ستيفن سبرانج على التوصيف المُفَصَّل لخصائص عديد من بروتينات جي، وإنزيم محلقة الأدينيلات الذي تنظمه، عن طريق فحص بلّورات تلك البروتينات بالأشعة السينية.

كان لدى جيلمان أسلوب متميز في الحديث والكتابة. وكان يوجه الكثير من النقد، لا لأعمال الغير فقط، بل لعمله هو أيضًا، وكانت سخريته اللاذعة تتعدى الحدود، إذا شعر أن عملًا ما ليس ـ في رأيه ـ على الوجه الأكمل. كان محبوبًا من تلاميذه الذين أخلص لهم بشدة. يتذكره تلاميذه باعتباره مرشدًا، لا يتدخل في عملهم، لكنه ـ مع ذلك ـ ودود ومُلْهِم، غرس فيهم حس الدقة والنزاهة. تجلَّت نزاهة جيلمان الشخصية عندما استقال في عام 2012 من «معهد تكساس لأبحاث دراسة السرطان والوقاية منه»، احتجاجًا على التدخل غير المُبَرَّر للعوامل السياسية والاقتصادية في اعتماد المِنَح.

كان حسّ الدعابة لدى ألفريد يجد أحيانًا طريقه لأعماله المنشورة. فقد وصف مثلًا حالة النشاط المستمر لإنزيم محلقة الأدينيلات التي يحفزها نوعٌ معين من نيوكليوتيدة الجوانين بـ«الحالة P»، (من كلمة priapic، وتعني «الانتصابي»)، لأن «مستوى تحفيز الإنزيم كان في ارتفاع مستمر».

عَبَّر ألفريد ذات مرة عن دور الصدفة في الاكتشافات العلمية بقوله: «إنّ السر في قدرتك على أن تميِّز الحظ الجيد يكمن في أن تغتنمه بمجرد أن يأتي، ثم تفعل ما في استطاعتك لتحقيق الاستفادة القصوى منه». وقد حقَّق ألفريد بالتأكيد الاستفادة القصوى من حظه الجيد منذ البداية، لكونه سليل علماء عظام.