افتتاحيات

الاقتصـاد الأزرق مشـروع المستقبـل

يمكن أن تقوم الأراضي الرطبة الساحلية بدور حاسم في المعركة ضد التغير المناخي.

  • Published online:

شهد العقد الماضي تضافر جهود العلماء وصانعي السياسات؛ لوضع إطار يستند إلى أسس علمية، تحت إشراف الأمم المتحدة، من أجل حماية الجزء المتبقي من الغابات المدارية؛ حيث تساعد هذه النظم البيئية الغنية بالكربون على تلطيف المناخ، فضلًا عن أنها تمثل كنزًا حقيقيًّا من التنوع الحيوي، وموردًا مهمًّا للسكان المحليين والأصليين. وفي الإطار ذاته، شرعت الحكومات في جميع أنحاء المناطق المدارية في إدراج المحافظة على الغابات ضمن برامجها المناخية والتنموية. وقد حان الوقت الآن لتطبيق هذه السياسات على الأراضي الرطبة الساحلية.

تقوم الكائنات الحية في المحيطات بامتصاص واحتجاز  %2.4 إلى %4.6 من انبعاثات الكربون في العالم،  وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن ما لا يقل عن نصف عمليات حجز ذلك الكربون تتم في الأراضي الرطبة ذات "الكربون الأزرق". وتقوم هذه النظم البيئية ـ التي تتسم بملوحة مياهها، إضافة إلى وجود كميات كبيرة من الأعشاب البحرية وأشجار المانجروف ـ بتعزيز وجود المصائد السمكية الصحية، واحتجاز الكربون في تربتها. وكذلك تحافظ أشجار المانجروف على هذه التربة من التفتت والانجراف، كما تشكِّل خط الدفاع الأول ضد العواصف الشديدة، وتمنع تسرب المياه المالحة إلى المياه الجوفية المحلية. لقد فقد العالَم على مدار العقود الماضية أكثر من ثلث أشجار المانجروف، وأصبح أكثر استسلامًا لمشروعات مزارع الجمبري، وحقول الأرز، ومزارع النخيل، التي يتم التوسع فيها سنويًّا، إضافة إلى مشروعات التنمية السياحية والعقارية. ولا شك أن هذه المشروعات من شأنها أن تدرّ أرباحًا طائلة، لكن البيئة هي التي تدفع الثمن.

ورغم الجهود الجبارة المبذولة حاليًّا لوقف هذا النزيف البيئي، إلا أن المشروعات الرائدة التي حققت نجاحات على هذا الصعيد لا تزال قليلة. وتمثل السنغال موطنًا لأحد هذه المشروعات، حيث شهدت البلاد في عام 2008 تدشين أكبر مشروع في العالم لاستعادة أشجار المانجروف، تَمَكَّن من خلاله سكان القرى من زراعة حوالي 79 مليون شجرة مانجروف في مساحة تزيد على 7,900 هكتار. وقد تم تسجيل المشروع واعتماده من قِبَل مشروعات "آلية التنمية النظيفة" CDM، التابعة لبروتوكول كيوتو، ويستفيد المشروع الآن من بيع أرصدة الكربون.

كما أطلق برنامج الأمم المتحدة للبيئة في عام 2010 مبادرة "الكربون الأزرق"، التي تسعى إلى تغيير التوجهات الحالية، وزيادة رقعة الأراضي الرطبة الساحلية بموجب الإدارة الفعالة بحلول عام 2025. ويفتح اتفاق المناخ العالمي ـ الذي تم توقيعه في باريس في ديسمبر الماضي ـ الباب أمام تعزيز هذه الجهود؛ على سبيل المثال، عن طريق دعم تجارة الكربون، وتدشين برنامج على غرار مشروعات "آلية التنمية النظيفة"، يسمح للدول والشركات بدفع الأموال؛ مقابل الحدّ من الانبعاثات، أو إنشاء مخزون من الكربون على غرار المشروع المقام في السنغال. كما سيصبح الأمر متروكًا للحكومات بشأن إدراج إدارة المناطق الساحلية ضمن خططها المناخية، والشروع في بناء ما أَطلق عليه البعض "الاقتصاد الأزرق/الأخضر".

وتؤكد الأدلة المتوافرة حاليًّا ضرورة مواصلة هذه الجهود؛ حيث يمكن لأنظمة أشجار المانجروف البيئية وحدها أن تخزِّن في تربتها كمية من الكربون تصل إلى 20 مليار طن، أي ما يعادل انبعاثات الكربون في العالم في أكثر من سنتين، وسوف تتسرب غالبية هذه الكمية إلى الهواء في حالة تدمير هذه الأشجار. كما أكدت إحدى الدراسات التي أجريت في عام 2012 أن المحافظة على غابات المانجروف يمكن أن تكون فعّالة بتكلفة قدرها ما بين 4 إلى 10 دولارات أمريكية فحسب لكل طن من ثاني أكسيد الكربون، وهي التكلفة التي تقع في نطاق معدلات الأسعار الحالية في نظام تجارة الكربون الأوروبي(J. Siikamäki et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 109, 14369-14374; 2012).

«الكوكب الذي تدعوه البشرية وطنًا لها يَعرِف بالفعل كيف يحتجز الكربون».

في بعض الحالات يمكن أن يكون نظام تجارة كربون الغابات المعمول به حاليًّا مفيدًا لعمليات حماية غابات المانجروف واستعادتها؛ إذ يساعد هذا النظام الدول المتقدمة على الاستثمار في الجهود الرامية إلى الحدّ من ظاهرة إزالة الغابات في الدول النامية، لكن هذا يتطلب المزيد من الاستعانة بالعلم؛ لتوثيق حدود المشكلة؛ والوقوف على أسبابها من جانب، ولتوفير البيانات اللازمة، إذا توجهت الدول نحو إدراج الأراضي الرطبة الساحلية ضمن مخزوناتها من الكربون، وتخطيطها لمواجهة التغيرات المناخية من جانب آخر. ونحن لا نعرف سوى أقل القليل عما يحدث للكربون المحتجَز في النبات والتربة عند استخدامهما لأغراض أخرى.

وعلى غرار ما حدث عند معالجة إزالة الغابات الاستوائية، يمكن أن يتحرك العلم والسياسة قدمًا في خطين متوازيين؛ حيث ستسهم الدول في دفع عجلة التقدم في قطاعي العلوم والسياسات أثناء اضطلاعها بمهام وضع سياسات إدارة المناطق الساحلية. وتلوح في جمهورية الدومينيكان فرصة حقيقية لتطبيق هذا النموذج، حيث وضعت الدولة خطة شاملة؛ للحدّ من الانبعاثات، عن طريق المحافظة على غابات المانجروف، واستعادة ما تَعَرَّض منها للإزالة. وقد تم تسجيل هذا المشروع ضمن مشروعات الأمم المتحدة، ويتضمن العديد من الأهداف العلمية، بما في ذلك التحديد الكمي لاحتجاز الكربون، والسعة التخزينية لهذا النوع من النظم البيئية؛ مما سوف يسهم بقوة في التوصل إلى إطار ملائم للسياسات العامة، وتقديم الأساس العلمي لأي عوائد اقتصادية يمكن أن تحصل عليها هذه المبادرة على مدار السنوات والعقود القادمة.

إن تحقيق أهداف اتفاق باريس ـ التي تتمثل في احتواء ظاهرة الاحتباس الحراري العالمي على مدار القرن الواحد والعشرين ـ يتطلب اتخاذ إجراءات عاجلة على جميع الأصعدة؛ إذ يتعين على الدول العمل على الحدّ من انبعاثات الكربون الصناعية، مع التأكيد ـ في الوقت نفسه ـ على ضرورة استمرار النظم البيئية الطبيعية في الاضطلاع بأدوارها الحيوية، وهو أمر ليس بالعسير.. فالكوكب الذي تدعوه البشرية وطنًا لها يَعرِف بالفعل كيف يَحتجِز الكربون، ولم يبق إلا أن نطلق الغابات والأراضي الرطبة الساحلية المتوافرة لدينا؛ للعمل لصالحنا.

تصحيح:

 ذُكِر المقال قبل تصحيحه رقم مبالَغ فيه بشأن كمية انبعاثات الكربون العالمية التي يتم امتصاصها واحتجازها بواسطة الكائنات الحية في المحيطات. أمّا الكمية الفعلية، فهي من %2.4 إلى %4.6.