مستقبليات

مشروع النرجس

محطة جديدة

سيلفيا سبروك رايجلي
  • Published online:

Illustration by Jacey


مشروع النرجس؛ هو مشروع مشترك بين الأمم المتحدة، ووكالة الفضاء الأوروبية، وجمعية أصدقاء المسنين. أنا المتطوعة المدنية رقم 17 في هذا المشروع. ولأسباب بديهية تمامًا؛ المشروع برمّته محاط بستار من الكتمان.

ابنتي تبغض هذا المشروع.

تزورني إميلي أسبوعيًّا. قالت لي: «يا ماما، دعيني أخرجكِ من هنا. ليست هناك بعثة». ظننتُ أن التمويل انقطع عن المشروع، ثم رأيت النظرة التي رمقها بها ابنها دانيال. يا لإميلي المسكينة! إنها تظن أنه لا ينبغي لي أن أفكر في السفر إلى الفضاء، وخصوصًا وأنا في هذه السن، وهي تحاول في كل زيارة أن تقول لي إن مشروع النرجس لا وجود له، وقد دار بيننا هذا الحوار مرات عديدة.

همس دانيال قائلًا، وكأنني لا أستطيع سماعه: «ما الضرر في ذلك؟». على الأقل، هذا الصغير يتفهّم أنني لا أنوي التخلي عنهم، أو إذا كنت أنوي ذلك، فَحَسَنٌ … من الطريف أن حفيدي هو الشخص الوحيد الذي سيتفهم الأمر.

«يا جدتي، أخبريني مجددًا، كيف سيحملونكم جميعًا إلى المريخ؟ هل ستحصلين على مقعد بجوار النافذة؟ هل يمكنكِ أن ترسلي لي صورًا من هناك؟».

قطَّبت إميلي جبينها. كانت دائمًا ما تخفي خوفها وراء وجه مليء بالغضب. إنها لا تستطيع احتمال فكرة تَرْكِي إيّاها، حتى وهي تعلم أن هذا سيحدث يومًا ما. تمنيتُ لو كان بمقدوري طمأنتها مثلما كنت أفعل عندما كانت طفلة صغيرة تخاف صوت الرعد. ستبلغ الخمسين من عمرها في فبراير المقبل، لكنها ما زالت «صغيرتي ميلي».

قلت لدانيال: «لا أظن أن وسائل المواصلات الفضائية تحتوي على نوافذ. إنها ليست رحلة ترفيهية، لكن بمجرد وصولنا إلى هناك، سيكون بمقدورنا رؤية المريخ، وتَلَقِّي التعليمات من الأرض. لدينا وسيلة ما لنقل البيانات عبر الأقمار الصناعية؛ لمراقبة الأنظمة، بل وأراهن على أنه سيمكننا نقل البيانات الصوتية. لا بد من أن أسأل جاك …».

ابتسمت الممرضة المارة من أمامنا، وقالت: «يا لك من ذكية، سيدتي».

في تلك اللحظة، اندفعت إميلي إلى الخارج، وجرَّت معها ابنها وهي تصيح مهدِّدة بإغلاق المكان. لم أبالِ بتصرفها. كنت أرى كلودين تعدّ طاولة لعب الورق، لكي نلعب.

هؤلاء هم أصدقائي الآن. ينثر بول على طاولة اللعب شوكولاتة، أهدته إياها حفيدته. كانت شوكولاتة أمريكية سيئة، لكن كل واحد منا أخذ منها قطعة على أي حال، فقريبًا سنخضع لنظام غذائي صارم. إننا نحاول محاكاة الحياة في المحطة الفضائية، حيث الطعام ليس طيب المذاق، ولا نحصل عليه إلا بعد اعتماده من قِبَل الحكومة. المهم هنا أن هذه الرحلة ستكون ذهابًا بلا عودة. ولذا.. فإذا كان إدمانك «الكرواسان»، أو «الكونياك» سيفطر قلبك، فالأجدر بك أن تستبين هذا الآن.

 ومن الممكن أن يكون السفر إلى المريخ سيفطر قلب ابنتك.

تولَّت كلودين مهمة توزيع الورق، كعادتها. كلودين هي أكبرنا بعمر يناهز 83 سنة، كما أنها أيضًا أفضل من يلعب الورق، على الرغم من أن جاك يُقسم إنها غشاشة.

يوجد هنا في الدار أربعة وعشرون منا، وذلك من دون احتساب السيد كولون، لأنه في الحقيقة مجرد كومة ثياب، ولعاب يسيل من الفم. وفي اعتقادي أنهم يبقونه معنا على سبيل الاختبار؛ ليروا كيف سنتأقلم مع الوضع عندما يكون هناك شخص فاقد للتحكم في نفسه تمامًا، لكنه لا يموت. قالت الممرضات إنه لن يتسنى للجميع السفر إلى الفضاء، ولذا.. مِن الجائز أنهم سيرسلون اثني عشر شخصًا فقط، أو أقل؟

نراقب جميعًا تصرفاتنا كأحسن ما يكون، لأننا نريد أن يقع علينا الاختيار. صحيح أن سطح المريخ أبرد من أن يناسب مستعمرة فضائية، لكن تسخين جو أي كوكب ليس بمشكلة؛ فالمسألة مسألة وقت، لا غير. ولا ننسى أن التليفزيون يردد على مسامعنا كل مساء كيف أننا تَسَبَّبنا في احترار كوكبنا هذا. لقد وضعت ـ بمشاركة جاك ـ خطة فائقة السرية، تقضي بإرسال فريق صغير إلى المريخ، للإشراف على العمليات، ثم تكرار هذه العملية كلما لزم الأمر، حتى يصبح الكوكب صالحًا للسكنى، وعندئذ يمكننا دعوة جموع الناس. وهكذا يصير لدينا وطن جديد!

تظن إميلي أنني موهومة. تعتقد واهمةً أنني سأحوِّل مدخرات عمري إلى محتال، أو شخص من هذا القبيل، لكنْ للأمانة أقول إن مدخرات عمري تنحصر في معاش تقاعدي شهري يبلغ 800 يورو، ومنزل اشتريته أنا وأنطوان في عام 1972. ماذا لديَّ لأخسره، حقًّا؟

ما لا تفهمه إميلي هو أننا لسنا بمستعمِرين. فنحن مشروع النرجس، أول سكان لكوكب المريخ البارد. لقد خطَّطْت أنا وجاك لكل شيء. المعنيون لا يستطيعون تحمُّل نفقات نقل الناس جيئةً وذهابًا بين الكوكبيْن، لكن أمامنا بعض الوقت، ربما خمس سنوات، أو عشر، ومهمتنا هي مراقبة الأمور هناك، وانتظار الموت.

إذا أردتَ توفير المال من خلال رحلة ذهاب بلا عودة، فالمنطقي تمامًا أن تستقطب مسافريك من دار لرعاية المسنين، ألا تتفق معي؟

ولهذا.. نحن نتدرب على مهارات البقاء. من البديهي أننا لن نستطيع العيش على سطح الكوكب، ولذا.. سنعيش داخل قبة. ستكون قبة صغيرة وغير مريحة، مثل غُرَفنا المشتركة هنا، التي تحتوي بالكاد على مساحة كافية لاستيعاب سريرين ودولاب، ولا مجال مطلقًا للخصوصية.

لو وقع الاختيار على أربعة فقط من بيننا، فأنا أفضِّل الذهاب بصحبة كلودين، وبول، وجاك. فنحن نلعب الورق عصر كل يوم، ونحكي القصص، ونستمتع بوقت جميل عندما نتمكن من إقناع أحد أحفادنا بأنْ يأتينا بشراب «الباستيس» الفرنسي. لا أظن أنهم سيوفرون لنا «الباستيس» هناك في الفضاء، لكننا سنأخذ أوراق اللعب معنا. سوف نتدبر أمورنا.

تصرّ إميلي على اختلاق الأعذار؛ لكي تخرجني من هنا. وهي تتلهف الآن على خروجي من الدار، وتَرْكِي هذا المشروع للعيش معها.

قلت لها إنني سأفكر في الأمر، لكن جاك يعتقد أنهم يوشكون على حسم اختيار طاقم الرحلة، وربما يحدث هذا الليلة.

منذ موت أنطوان، وأنا أستيقظ كل صباح وأتذكر أنني عجوز، بلغتُ من العمر أرذله. أتذكر أنه تخلَّى عني، وتركني أعيش شيخوختي وحيدة. كل صباح أتذكر أنه لا يوجد مستقبل، وأن حياتي كلها صارت شيئًا من الماضي. فماذا أفعل إذَن؟

يمكنني أن أخفف وطأة هذا الشعور بشرب «الباستيس»، ريثما يأتي شخص ما، ويحملني بعيدًا، بل يمكنني الذهاب إلى المريخ.

قولوا لإميلي إنني سأشتاق إليها.