أنباء وآراء

ميكروبيوم: أليـاف من أجـل المستقـبل

وجدت الأبحاث أن افتقار النظم الغذائية إلى الألياف على المدى الطويل يقلل من التنوع البكتيري الموجود في أمعاء الفئران. ولا ينعكس هذا التأثير بشكل كامل مع إعادة إدخال الألياف إلى النظام الغذائي، بل تزداد شدته جيلًا بعد جيل.

إريك سي. مارتنز
  • Published online:

إن أولئك الذين يعيشون في الدول الصناعية عادةً ما يستهلكون بشكل يومي كميات من الألياف في نظمهم الغذائية أقل بكثير من الكمية الموصى بها، وهي 25 إلى 38 جرامًا. وعلى مدى عدة عقود، دأب الأطباء وخبراء التغذية على مطالبتنا بزيادة تناولنا للألياف؛ للمساعدة على درء الأمراض، بدءًا من أمراض القلب، إلى الاضطرابات المعوية.

تتعدد الآليات التي تعمل بها الألياف على المساعدة في تنظيم الصحة، إذ إن أحد أدوارها هو الحفاظ على الكائنات المجهرية التي تستوطن أمعاءنا. ومن ثم، كشفت أبحاث سوننبرج وزملائه1 ـ المنشورة حول هذا الأمر ـ أن نقص الألياف في النظام الغذائي يؤدي إلى خسارة كبيرة في تنوع هذا المجتمع الميكروبي، كما يؤثر على قدرة البكتيريا المعوية على الانتقال من الآباء إلى الأبناء. ويبدو أن مجرد العودة إلى تناول الألياف ليس كافيًا لعكس هذا التأثير السلبي بعد انتقاله إلى الأجيال اللاحقة.

إن "الألياف" التي تُكتب كميتها على الملصقات الغذائية تشير إلى مجموعة متنوعة، تتضمن عشرات الجزيئات المختلفة، غالبيتها من جزيئات الكربوهيدرات المعقدة (وهي سلاسل من السكريات البسيطة ـ مثل الجلوكوز ـ الخطية والمتشعبة)، بيد أن الجينوم البشري يرمّز حوالي 12 إنزيمًا فقط من الإنزيمات الهاضمة المستهدفة لتلك الجزيئات. كما تشمل الألياف الغذائية أيضًا جزيئات البوليمر، التي لا يمكن تكسيرها بواسطة هذه الإنزيمات. ومع ذلك.. فإن هذه العناصر الغذائية لا تذهب سدى، إذ تعمل الكائنات المجهرية المتنوعة التي تطورت لتستوطن أمعاء الإنسان ـ والتي تُدعى مجهريات البقعة المعوية ـ على إنتاج آلاف الإنزيمات التي تستهدف الألياف الغذائية2-4 بشكل خاص، وتنتج بعض الأنواع الفردية من تلك الميكروبات أكثر من 300 نوع من هذه الإنزيمات5. تقوم الميكروبات بتخمير السكريات المتحررة، محوِّلة إيّاها إلى أحماض دهنية قصيرة السلسلة، تُستخدم كوقود للخلايا المعوية، وتؤثر على الفسيولوجيا الجهازية، وعلى تطور الاستجابات المناعية6.

تتكون مجهريات البقعة المعوية الخاصة بكل شخص من مئات الأنواع البكتيرية المختلفة، فلا نملك جميعًا المجموعات نفسها، بل تُشتق ميكروبات كل منا من مجموعة أكبر من الكائنات المستوطنة، وهو ما يحدث بناءً على الاختلاط بالوالدين، وبالبيئة المحيطة عند الولادة. وإذ تنتمي ميكروبات كثيرة تعيش في أمعاء الإنسان إلى تلك المجموعات تحديدًا، فهي تعتمد على إتمام الانتقال بين الأجيال بنجاح؛ لتجنب انقراضها.

وللبحث في تأثير استبعاد الألياف من الغذاء لفترات طويلة على مجهريات البقعة، قام سوننبرج وزملاؤه بزرع عيّنة من براز إنسان في أمعاء فئران خالية من البكتيريا، وكانت العينة ممثلة لمجهريات البقعة المعوية. ومن ثم، بدأوا بتغذية الفئران، إما بنظام غذائي غني بالألياف، أو بنظام يحتوي على ألياف قليلة فقط، قُدّمت لهم في هيئة يصعب وصول مجهريات البقعة إليها. وبعد عدة أسابيع من عدم تناول المجموعة الأخيرة للقدر الكافي من الألياف، ظهر انخفاض في توافر عدد كبير من المجموعات البكتيرية التي كانت موجودة في السابق (الشكل 1)، بينما ظلت موجودة في المجموعة الأولى. وحين أعيدت الفئران التي كانت تتغذى على القليل من الألياف إلى نظام غذائي عادي، وتُركت لتتعافى لعدة أسابيع؛ عاد عدد كبير من مجموعات الميكروبات تلك إلى الظهور في الأمعاء، إلا أن بعضها فشل في العودة إلى مستوياته السابقة؛ ما أشار إلى أن التحولات الغذائية طويلة الأمد يمكنها إحداث تغيرات، تستمر حتى بعد تحسين النظام الغذائي.

وجد سوننبرج وزملاؤه1 أن الفئران التي اتبعت حمية غذائية قليلة الألياف كان التنوع البكتيري في مجهريات البقعة المعوية لديها أقل من الفئران التي تناولت الكثير من الألياف. في فئران الجيل الأول، كان يمكن لمعظم ـ وليس كل ـ هذا التنوع أن يتم استرجاعه مع تحول الفئران التي تتبع حمية غذائية قليلة الألياف إلى اتباع حمية غنية بالألياف، لكنْ وجد الباحثون أن فقدان التنوع كان أكبر في كل جيل تالٍ بقي على نظامه قليل الألياف، وأن درجة التعافي تراجعت كذلك، مشيرة إلى انقراض بعض الأنواع الميكروبية.

كبر الصورة


عزم الباحثون بعد ذلك على البحث في كيفية تأثير تناول الألياف على مجهريات البقعة على مدى الأجيال، فسمحوا للفئران التي زُرعت فيها بكتيريا بشرية ـ من المجموعتين ـ بالتزاوج مع أقرانها من المجموعة نفسها، كي تنتقل مجهريات البقعة بشكل طبيعي إلى الأبناء، عن طريق التلامس مع الأم. ومن ثم، أوضحت النتيجة أن الأبناء المولودين من أم وأب من المجموعة التي اتبعت حمية غذائية قليلة الألياف، يقل تنوع مجهريات البقعة لديهم، بغضّ النظر عما إذا كانوا قد تغذوا على النظام الغذائي نفسه الذي اتبعه الوالدان، أَمْ على نظام غني بالألياف. وللمفاجأة، تفاقَم الأمر في الأجيال الأربعة اللاحقة، وقلّ التنوع أكثر وأكثر. كما أن المحتوى الجيني المستخلَص من البكتيريا التي بقيت موجودة بعد أربعة أجيال أشار إلى انخفاض وجود عدد من العائلات الإنزيمية التي تفكك الألياف؛ إلا أنه ما زالت هناك حاجة إلى مزيد من العمل؛ لمعرفة ما إذا كان قد حدث تراجع بالفعل في القدرة العامة على تفكيك الألياف، أم لا.

وللبحث في إمكانية تخفيف هذه الآثار عن طريق تغيير النظام الغذائي، وضع سوننبرج وزملاؤه عددًا من الفئران من كل جيل من الأجيال التي حُرِمت من الألياف على حمية غذائية غنية بها. فلم يستطع أي من الأجيال استعادة التنوع المفقود (الشكل 1)، لكن زرع عينة براز من الفئران التي كان غذاؤها غنيًا بالألياف في تلك التي حُرمت منها نجح في استعادة معظم البكتيريا المفقودة. وبذلك.. يتضح أكثر وأكثر أن مجهريات البقعة المعوية لدى المنتمين إلى المجتمعات التي تتضمن نُظُمها الغذائية كميات أقل من الأطعمة المعالجة، وكميات أكثر من الألياف، تختلف عن تلك الموجودة لدى الأفراد الذين يعيشون في البلدان الصناعية، وغالبًا ما تضم تنوعًا أكبر من الميكروبات7-9؛ فقد تطورت البكتيريا المتعايشة مع تطور البشر، وهي تتحمل العبء الأكبر في هضم جزيئات الكربوهيدرات المعقدة. وليس معلومًا ما إذا كان جزء من هذه الآلية قد فُقد بالفعل في البعض، أم لا، وإلى أي مدى، لكننا قد نتوجه في المستقبل إلى تركيبات البروبيوتيك، المشتقة في الغالب من البشر أو الحيوانات التي لم تُحدّ مجهريات البقعة المعوية الخاصة بها بعد، عن طريق النظام الغذائي قليل الألياف؛ لنستعيد الوظائف الأساسية التي فُقدت.

تتلقّى مصادر الكربوهيدرات سمعة سيئة في الحِمْيَات الغذائية المبتدَعة "fad diets"، إذ يرجع ذلك بشكل كبير إلى نوع الكربوهيدرات البسيطة ـ مثل الجلوكوز، والفركتوز ـ التي تتخلل النظم الغذائية الغربية، وتزوِّدنا بفائض من السعرات الحرارية بشكل سهل. أما النوع المعقد منها، الموجود بشكل طبيعي في النباتات والحبوب الكاملة ومجموعة متنوعة من المصادر الأخرى، فيجب تناوله بكميات أكبر. وفي كتاب مُوَجَّه إلى العامة، نُشر في العام الماضي، لاثنين من العاملين على هذه الدراسة، يحمل اسم "الأمعاء الجيدة"10 The Good Gut، تم استعراض التفاعل الذي يحدث بين النظام الغذائي ومجهريات البقعة، والصحة، إلى جانب وصفات أطعمة غنية بالألياف. وربما يدفعك ذلك إلى أن تختار أن تتناول طَبَقًا من السلطة على الغداء اليوم، أو كمية إضافية من الفول على العشاء.. فقد تشكرك الأجيالُ القادمة على ذلك.

  1. Sonnenburg, E. D. et al. Nature 529, 212–215 (2016).

  2. Martens, E. C. et al. PLoS Biol. 9, e1001221 (2011).

  3. Larsbrink, J. et al. Nature 506, 498–502 (2014).

  4. Cuskin, F. et al. Nature 517, 165–169 (2015).

  5. El Kaoutari, A. et al. Nature Rev. Microbiol. 11, 497–504 (2013).

  6. Smith, P. M. et al. Science 341, 569–573 (2013).

  7. De Filippo, C. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 107, 14691–14696 (2010).

  8. Clemente, J. C. et al. Sci. Adv. 1, e1500183 (2015).

  9. Schnorr, S. L. et al. Nature Commun. 5, 3654 (2014).

  10. Sonnenburg, E. & Sonnenburg, J. The Good Gut (Penguin, 2015).